ما لا يصح في سيرة النبي: قصة بداية الوحي
بسم الله الرحمن الرحيم.
قال الله العظيم في كتابه الكريم:
"ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (٢) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (٣) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (٤) "
أمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.
لا يزال حديثنا فيما لا يصح من سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله في نظر الشيعة الإمامية، وقد يثبته -أي هذا غير الصحيح- قد يثبته بعض اتباع مدرسة الخلفاء، ونرى أن من المناسب أن يتم توضيح هذه الأفكار والروايات غير المطابقة للواقع، حتى لا يتاثر بها الجو الثقافي الذي يعيشه شيعة أهل البيت، نظراً لاختلاط الأمور الآن.
من العادي جداً أن يدرس اتباع أهل البيت عليهم السلام في مدارس تعلم النظره التي يلتزم بها اتباع مدرسة الخلفاء في قضايا التاريخ وأمثال ذلك. ولو أخذنا على ذلك مثالاً عن قصة الوحي وبداية الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وانطلاق بعثته، لوجدنا أن كثيراً مما لا يصح هو السائد في الأذهان، بل وعلى الألسنة أيضاً.
فلناخذ هذا الموضوع: قصة الوحي وبداية الوحي، كيف يعرضها الاتجاه الرسمي في مدرسة الخلفاء، وكيف هو الصحيح في مدرسة أهل البيت عليهم السلام؟
قصة بداية الوحي في مصادر مدرسة الخلفاء
يُذكر في (صحيح البخاري) وغيره من كتب السيرة -كسيرة ابن إسحاق وابن هشام، فضلاً عن سائر الكتب التي تقع في المرتبة الثانية فيما يرتبط بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله- قصة الوحي هكذا، ملخص أخاصة أنا أعرضها مع أنها في كتب مختلفه فيها تفاصيل كثيرة لا مجال للحديث عنها، ولكن نعرض لب القصة كما يرويها اتباع مدرسة الخلفاء ثم نعلق عليها ونبين مواضع الاشتباه فيها المخالفة لما نعتقده من الواقع.
في (صحيح البخاري)، يذكر بسنده إلى عروة بن الزبير، عن عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وآله أنها قالت -هنا لابد من التدقيق، هي تقول ذلك ولم تروه عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وستاتي الإشارة إلى هذا المعنى لاحقاً-:
أن رسول الله صلى الله عليه وآله أول ما بدئ بالوحي كان بهذا النحو: النبي يذهب إلى غار حراء يتعبد يتحنف، ذات مرة نزل عليه الملاك جبرائيل فسد ما بينه وبين الأفق من ضخامته وعظمته وكبره، ثم قال له مخاطباً إياه: يا محمد اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. فاخذه وغته غتاً -في بعض التفاصيل: غته بنمط عبارة عن مثل الشرشف الثخين، لا هو بطانية ولا هو شرشف عادي، فغته به، هل وضعه مثلاً على رقبته؟ هذا قول لبعضهم، وبعضهم قال: أخذه من عنقه وضغطه حتى خاف على نفسه الموت- قال: ما أنا بقارئ. فأخذه وغته وأرسله وقد خاف على نفسه الموت، قال: اقرأ. فقال:
ثم بعد ذلك إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعد أن غادر عنه جبرائيل اضطرب اضطراباً شديداً، هنا بعض النقولات تقول: بقي حائراً متوجساً حتى كاد أن يلقي بنفسه من أعلى الجبل من شدة الاضطراب. وكانت خديجة تذهب إليه فافتقدته، حتى إذا وجدت النبي اخذته من غار حراء ونزل إلى منزلها، قال: دثروني دثروني، زملوني زملوني. عندها أباح النبي -بحسب هذه الرواية، أنا أنقل مضمونها لأنها طويلة جداً لو أردنا أن نقرا نصها- أباح لها بما حدث، فقالت له: يا محمد، إنك لتقري الضيف وتصل الرحم وتحمل الكل -يعني تؤدي الحقوق وما شابه ذلك- وإنك لعلى خير، وأن هذا يوشك أن يكون من السماء، كان هذا من السماء -يعني لا يجي في بالك الذي كان، لأن النبي بحسب هذه الرواية كان يقول لها: إنني أظن أنني الأبعد، يعني مثلاً واحد من الجن أو كذا أو كذا تمثل لي أو ما شابه ذلك- فطمانته خديجة بهذا المعنى بحسب هذه الرواية.
ثم هنا تفترق روايتان: رواية تقول فوراً ذهبت إلى ورقة بن نوفل عمها فاخبرته بذلك، فجاء إلى النبي وسأله ما الذي جرى، فقال ورقة بن نوفل -وهو رجل مسيحي نصراني قد قرأ الكتب السابقة- قال له: إن هذا لهو الناموس الأكبر الذي نزل على موسى عليه السلام، وأنك لنبي، وأنك إلى خير، ولئن أدركت يومك لأكونن فيها جذعاً -يعني مثل الشاب القوي، الجمل لما يكون شديد وكذا يققال له جذع- فانا أيضاً ساكون كذلك، بمعنى أينني أعينك وأساعدك وأؤمن بك إلى غير ذلك.
هنا بعض التفاصيل أيضاً تشير فيها روايات أنه لا، خديجة هي سوت عملية بحيث يتيقن معها النبي أن هذا جبرائيل وليس شيطاناً؛ فجلست على فخذه الأيمن وكشفت شعرها، وبعضهم يقول: دخلت تحت درعها -يعني ملابسة إلى بدنه- فقالت للنبي: هل تراه؟ قال: لا. تحولت إلى الفخذ الأيمن وأجرت نفس الأمر، هل تراه؟ قال: لا. جلست في حجره أو أجلسته في حجرها، قالت له: هل تراه؟ قال: لا. فقالت له: إن هذا لملاك وليس شيطاناً كما تظن!
هذا بشكل إجمالي، طبعا في بعض التفاصيل قسم قالوا: لا، بل دعت عداس -عداس هو أيضا رجل نصراني- وأخبرته بما جرى وقرر معها أن هذا جبرائيل وليس شيطاناً وليس جناً والى غير ذلك.
بعض التفاصيل تقول: ثم بعد ذلك بمدة أبطأ الوحي عن رسول الله ولم يعد يرى الملاك فاضطرب اضطراباً شديداً، وكان يصعد على الجبل ويفتش في الفضاء والسماء حتى هم ذات يوم أن يلقي بنفسه من أعلى الجبل إلى الأرض. هذا إجمال لما يذكرونه في قصة بداية الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله، في بعضه تفاصيل أكثر، في بعضه اختصار، في اختلاف في الأسماء، ولكن هذه هي البنية العامة.
وقفات نقدية حول الرواية ومصدرها
سوف نتوقف بعض الوقفات مع هذه الرواية في إجمالها، وووكل التفصيل لمن أراد التفصيل إلى الكتب المفصلة في هذا الجانب، ومن أفضلها ما سبق أن أشرنا إليه: كتاب (الصحيح من سيرة النبي الأعظم) للمحقق المرحوم السيد جعفر مرتضى العاملي، وأيضاً للشيخ جعفر السبحاني من الكتاب المعاصرين آية الله الشيخ السبحاني في كتابه (سيد المرسلين)، وكذلك الشيخ هادي اليوسفي في كتابه (موسوعه تاريخ الإسلام)، فضلاً عن الكتب السابقة والقديمة مثل (مجمع البيان في تفسير القرآن) للشيخ الطبرسي وغير هؤلاء، لكن نحن نوجز الحديث بما يستوعب هذا المجلس ووقته.
أولاً: عندما ناتي إلى هذه الرواية الأصلية التي ينقل عنها الغير، نجد أنها ما يسمى بمرسل الصحابي؛ مرة الصحابي ينقل عن رسول الله، مثل أبو ذر يقول: سمعت رسول الله يقول كذا وكذا، سلمان المحمدي يقول: قال رسول الله كذا وكذا، هذا ينقل بشكل مباشر عن النبي صلى الله عليه وآله.
أكو نوع آخر اللي يسمى أحياناً بمرسل الصحابي، أحد الصحابه يصف أحوالاً للنبي أو ينقل حديثاً من دون عزو مباشر إلى الرسول، ما يقول: أنا سمعت النبي يقول كذلك، أنا شاهدت النبي يفعل كذلك، وإنما ينقل قضية أو حديثاً عندهم في مدرسة الخلفاء أنه لا يمكن للصحابه وهم العدول أن يقولوا شيئاً لم يرووه ولم يحفظوه عن النبي ليش؟ لعدالتهم، بناء على نظرية عدالة الصحابة، ولأنهم أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فليس معقولاً عندهم أن ينقلوا شيئاً إلا وعندهم برهان عليه من النبي، هذا يسمونه مرسل الصحابي.
الناقل عن زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله عائشة هو عروة بن الزبير، وعروة بن الزبير هو من جملة كتاب السيرة والمحدثين، ونحن نعلم أن آل الزبير أخذوا على عاتقهم جانباً كبيراً من التدوين في السيرة التاريخية، لهم كتب كثيرة جداً في هذا الباب، وتاثر التاريخ الإسلامي كثيراً بمقولات آل الزبير حيث أدخلوا فيها ولاءاتهم وعداواتهم ومواقفهم، وهذا أمر طبيعي.
مثل هذا عروة كان شديداً في شان أمير المؤمنين عليه السلام في عداوته حتى أنه إذا ذكر علي عليه السلام أمامه يصيبه الزمع -شايف واحد إذا الشكل يرتعد من الغضب ومن الكذا- فمن الطبيعي لما يدون أمثال هؤلاء سيتاثرون بولاءاتهم وبعداواتهم.
ليش يقول بعض المحققين: لماذا تم إبراز دور ورقة بن نوفل وأنه كأنه هو اللي قنع النبي بأنه أنت ترى نبي صدق، مو يعني لا تتصور أنه أنت مو نبي، من الذي ثبت نبوة النبي؟ يقول لك: هذا ورقة بن نوفل.
ورقة بن نوفل يصير ابن عم العوام والد الزبير، من المناسب جداً أن يعطى هذا الدور من قبل الزبيريين لابن عم والدهم بأنه هو الذي ثبت نبوة النبي وأسس، وإلا لو كان ورقة ما موجود من الممكن أنه كان الأمر يتغير.
خديجة أيضاً بنت خويلد هي من أقاربهم بهذا المعنى، فاذا الديانة الإسلامية والبعثه النبوية انتهت إلى الاعتماد في توثيقها وتاكيدها على آل الزبير! فعندنا هنا مسألتان:
- المسألة الأولى: في عروة بن الزبير لانتسابه لخويلد وأسد وأنه ورقة بن نوفل أيضاً ينتسب إلى ذاك فهما أرحام وأبناء عمومة، ولا ريب أن من مصلحة آل الزبير أن يظهر هذا الأمر وكأن آل الزبير وأقاربهم هم الذين أقنعوا النبي بنبوته وببعثته ورسالته وثبتوا الأمر في نفسه.
- ثانياً: نجي فيما بعد إلى نفس ذلك النص؛ النص كله منتهاه إلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يتوقع الوحي، اضطرب اضطراباً شديداً، نفسه ما تحملت هذا الامر إلى الدرجة التي كاد أن يلقي بنفسه من أعلى الجبال في عملية انتحار حتى يتخلص من هذه الضغوط النفسية! وهذا الأمر عندما واحد يلاحظه سيجد أنه أولاً مخالف لسيرة كل الأنبياء والمرسلين، وكان سائر الأنبياء والمرسلين أفضل في تلقيهم للوحي من الله عز وجل، أفضل من موقف رسول الله صلى الله عليه وآله!
ذاك موسى يقول له:
فهذا يسلم وتنتهي القضية، وهكذا بالنسبة إلى سائر الأنبياء والمرسلين، ما وجدنا واحداً من الأنبياء السابقين لرسول الله صلى الله عليه وآله يحصل له هذا الاضطراب بهذه الدرجة اللي يشكك في نفسه، تصور أن هذا شيطان، يضطرب اضطراباً إلى حد حاضر ينتحر يلقي بنفسه من أعلى الجبال حتى يتخلص من هذا الضغط النفسي الداخلي، ما عنده قناعة داخلية إلى هذه القضية، يحتاج إلى مرة مثلاً إلى ورقة بن نوفل، مرة قالوا عداس رجل نصراني، في بعض الروايات تقول: ذهبت خديجة إلى بحيرة الراهب -متى راحت ومتى رجعت بحيرة الراهب في طريق الشام في تلك الأزمنة كانت هذه المسافات تقطع بالأسابيع والشهور، تروح إلى هناك وترجع إلى النبي حتى تقنعه بكلامي بأنه هذا وحي من الله عز وجل-.
فنحن نلاحظ أول ملاحظة أن هذه القصة عندما يلتفت إليها الإنسان ويلتفت إلى حالات الأنبياء السابقين وهم أدنى شأناً وأقل منزلة من سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله لم يحصل لهم مثل هذا الاضطراب ولا مثل هذا التشكيك ولا في مثل هذه المحاولة للانتحار، فكيف حصل لرسول الله صلى الله عليه وآله ولم يحصل لهم؟
نعم، من الممكن أن وضع الوحي ونزوله يتغير فيه الإنسان شيئاً ما، وهذا صحيح في قصة تفسير
{يا أيها المزمل} شيء من الأثر حصل على رسول الله، وهذا كان إجراء من هذا النوع: زملوني أو دثروني، أو الدافئ أو ما شابه ذلك، لكن لا بمعنى أنه كان يشكك في هذا الوحي أو يشكك في هذا الملاك أو أنه يضطرب اضطراباً إلى هذا المقدار.
أول سالفة نحن نشكك في دور آل الزبير والراوي هو عروة، ثم نتساءل عن أن القائل المباشر كانت ولادته بعد البعثة بخمس سنوات ولم يشهد هذه الحادثة حتى يققال هو كان، لو خديجة مثلاً روت هذا الأمر كانت موجودة وكانت زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله فيقال أنها حاضره في المشهد شاهد عيان، وأما في مثل الرواية التي تنقل لم يكن هناك شاهد عيان ولا نسب هذا الامر لا إلى رسول الله ولا إلى شاهد عيان.
مناقشة مقارنة مع الأنبياء ومعالي أمور النبي
هذا يجعل في منتهاه أن النبي صلى الله عليه وآله في تلقيه الوحي والرسالة هو أضعف من عيسى بن مريم، وأضعف من موسى، وأضعف من إبراهيم، وأضعف من يعقوب، وأضعف من لوط، وأضعف من نوح! فأننا لم نشهد أن أحداً منهم نقل عنه أنه حصل له هذه الانفعالات وهذه الاضطرابات عند تلقيه الوحي.
يضاف إلى ذلك نفس اتباع مدرسة الخلفاء فضلاً عن سائر المسلمين ينقلون أن النبي المصطفى محمد -صلى الله عليه وآله- كانت علائم النبوة والرسالة لائحة عليه، حتى عند الكفار فضلاً عمن لم يكن كافراً، رسول الله صلى الله عليه وآله كان يمر فيسلم عليه الشجر: (السلام عليك يا رسول الله)، وذكر نفس هؤلاء أنه كان هناك حجر عند الصفا، صفا بين الجبلين، حجر هناك كان إذا مر عليه رسول الله حجر معين كان يسلم عليه بالرسالة: (السلام عليك يا رسول الله)، زين، ثم في التوسعات أزيل وغير ذلك.
في تلك الأزمنة كان يسلم عليه الملائكة، يمر على مع جماعة ومنفردا فياتي الملك ويسلم على رسول الله ويرد عليه النبي السلام، بل المشركون كانوا يتوسمون فيه النبوة، ذكروا أن إحدى النساء كانت ترى في عبد الله بن عبد المطلب نوراً في جبينه فكانت تدعوه إلى الاقتران بها، وعبد الله بطبيعة الحال لما كان متحنفاً ملتزماً من الناحية الدينية كما كان أبوه عبد المطلب كان يأبى عليها ذلك، فلما تزوج عبد الله وحملت آمنة بنت وهب منه برسول الله كانت لا تطلب منه الاقتران به وتمر عليه وكأنها لا تعرفه، فلما سئلت عن ذلك قالت: زال النور الذي كان في جبينه، وأنشدت بذلك شعراً كأنما النور انتقل إلى رحم آمنة بنت وهب.
وسواء صحت هذه الرواية بتفاصيلها والقصة أو لم تصح، إلا أن الكثير ممن كان في قريش ومكة يعرف أن النبي صلى الله عليه وآله سيبعث، ومن ذلك كان سبب زواج خديجة منه كما نقلنا في ليلة مضت أن أحد الأحبار مر على نسوة من قريش جلسن في فناء الكعبة فقال: إنه يوشك أن يبعث نبي في مكه فطوبى لمن كانت زوجه له، فتضاحكت النساء إلا خديجة فإنها ذهبت وراء هذا القول وبحثت حتى عرفت أن من يمكن أن يكون نبيا هو سيد الانبياء محمد.
وغير هؤلاء حتى قيل إنه سمي في تلك الأيام سبعة أشخاص ذكرهم المؤرخون باسم اسم محمد، ليش؟ لزعمهم أنه يمكن يصير هذا هو محمد الذي سيبعث في آخر الزمان، سموا أبناءهم بهذا الاسم المقدس، ويذكر المؤرخون آباء هؤلاء وأنهم سبب التسمية بمحمد أنهم علموا أن رسولاً سيبعث في مكة المكرمة وأن هذا اسمه، فقالوا: احنا نسمي لعله يطلع من صوبنا مثلاً!
فالناس كلها تدري أن النبي سيبعث، الكفار يعلمون، الأشجار تسلم عليه، الملائكة تحييه، غيرهم كذلك، إلا هو ما يدري عن الموضوع فيضطرب لما يصير وتصير مشكلة ويحاول أنه ينتحر وما يعرف شنو القصة! هذا نوع من التغفيل للإنسان، الذي نعلمه وتؤكد عليه روايات أهل البيت عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله أول ما بدئ به -والغريب هذا أيضاً موجود في مصادر المدرسة الأخرى- أول ما بدئ به رسول الله بدئ بالرؤيا الصادقة التي كانت كفلق الصبح، اللي تشير إلى نبوته.
سبق أن ذكرنا كلام أمير المؤمنين عليه السلام: (ولقد قرن الله به مذ كان فطيماً) -أبو ثلاث سنوات- (ملِكاً من أعظم ملائكته يسلك به سبيل المكارم ويدله على محاسن أخلاق العالم ليله ونهاره)، من عمر ثلاث سنوات وهو تحت رعاية الله عز وجل وعنايته، وقد سبق حديث مفصل في هذا الجانب، شنو الآن واصل عمره أربعين سنة كل الناس تدري هذا نبي هو ما يدري عن روحه يحتاج إلى ورقة بن نوفل يحتاج إلى فلان يحتاج إلى فلتان! هذا نوع من الاستخفاف بالعقول إذا إنسان يقبل هذا الكلام.
الطريف أن المستشرقين ما خلوها تمر، هذه قالوا: تفضلوا، هذه من مصادركم وفي كتبكم الصحاح أن الحقيقة أن المعلم كان ورقة بن نوفل والتلميذ كان محمد، فالفضل كله هو لورقة، هو معلم رسولكم، وبالتالي القرآن والوحي والأحكام كلها ببركة ورقة هذا المسيحي النصراني اللي هو من عندنا، فانتم ما جبتوا شي ولا نبيكم جاء بشيء جديد، وإنما هي من عند ورقة! وهذا مشار القرآن الكريم إلى مقالة الكفار أنها أي تشريعات النبي والقصص التي كان يأتي بها
هذا ورقة ماذا كان شانه؟ شنو شغلة هذا اللي يجي يصير بهالدور وقد مات غير مسلم؟ هذا الذي يفترض بحسب مصادر المدرسة الأخرى أنه أقنع النبي بأنه رسول وبأن ما نزل عليه هو نفس ما نزل على موسى بن عمران وأنه الناموس الأكبر وأنه تمنى لو أنه يكون فيها جذعاً أن -بعد عنده قوة وينصر- حصلت لهذه الفرصة لأنهم ينقلون أن بقيام اللي كانت قريش تعذب بلال الحبشي فمر عليه وراه على ذلك الصمود فقال: أما إن مات ليتخذن قبره حناناً -مثل مشهد تنزل الرحمة مشهد مبارك وشريف لأنه قضى تحت التعذيب في سبيل-.
هذا لا أقل سنة ثلاثة أربعة من أيام البعثه كان موجوداً، زين، ولكن لا أحد ينقل عن إسلامه شيئاً بل نقلوا أنه مات على نصرانيته! زين، هذا اللي عنده قناعة وينقلها إلى رسول الله وياكد بعثته هو هذا مات على غير الإسلام وكانه ناقض نفسه! نعم، الرواية إذاً بناءً على ذلك غير تامة.
ما يقدمه شيعه أهل البيت في قصة الوحي
ماذا يقدم شيعة أهل البيت عليهم السلام بالإضافة إلى هذه المقدمات؟عندنا رواية، بل روايات، أقرأ واحدة منها عن الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه قال يسأله أحد الرواة أنه: يا سيدي، كيف عرف رسول الله صلى الله عليه وآله أن هذا الذي يخاطبه هو جبرائيل؟
فقال له: (إن الله إذا اتخذ عبداً بدا رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار، فكان الذي ياتيه مثل الذي يراه بعينه، يصد عنه الشياطين، يصد عنه الأوهام والنزغات، يصد عنه إلقاءات الشيطان، ويكون ما ياتيه من الوحي ومن الأحكام كما يراه بعينه تماماً).
خطورة هذا الكلام الذي يقوله البعض من أنه مثلاً محمد النبي كان يحتاج إلى واحد يقنعه بأنه هذا ترى وحي، هذا ملاك مو شيطان مو جن مو كذا، خطورته ماذا؟ أنه فيما بعد سيفترى على النبي صلى الله عليه وآله أن الشيطان قد ألقى على لسانه كلاماً! وزعموا في رواية نقلوها أن النبي كان يحب أن توافقه قريش في دعوته وأن ينتصر بها فكان يقرا:
، يقولون هنان الشيطان دخل على الخط وقال له: قل: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى! شلون مثلاً الهكر يدخل على موقع الإنترنت، شلون الذبذبة تختلط هذه بتلك؟ النبي في زعمهم -وهذه يسمون أسطورة الغرانيق- النبي كان يقرأ هذه الآيات الأولى
في طريقه لذمها والنهي عن عبادتها، أن هنان دخل الشيطان والقى على لسانه كلمات تمدح هذه تلك الغرانيق العلى، أشياء عظيمة كبيرة، وأن شفاعتهن لترتجى، هذول أصنام لها شفاعة!
هذا خلاف التوحيد، خلاف أصل الرسالة، خلاف ما جاء به النبي، بس اللي يصدق بهذا الكلام الأول -وأن النبي كان اشتبه عليه أمر الوحي هل هو جبرائيل أو هو شيطان أو هو جن أو هو مس أو غير ذلك- ما عنده مانع أن يققال ذاك الكلام ليش؟ إذا ذاك اليوم تصور هذا في يوم آخر يمكن أن يدخل عليه هذا الخط، ولكن هم هذا كذب وذاك أيضا كذب.
وإنما رسول الله صلى الله عليه وآله كان قد ألقي عليه من الله عز وجل السكينة والوقار والمعرفة اليقينية، وتقدم ذلك مقدمات كثيرة من أيام ولادته إلى سن الأربعين، وكل شيء يشير إلى نبوته ورسالته من ملك وشجر وحجر وكافر ومؤمن وغير ذلك.
ثم نحن لا نفهم ما هو الوجه في أن جبرائيل ياتي ويمارس معه هذا العمل الذي هو اعتداء؟ لو أن مثلاً خطيب اجا الكلام يخطب على راسك ما توجهت إلى نزل الك وفغصك من رقبتك والا شوية يخنقك ثم يفكك، فهمت لو لا؟ ما تجاوبه، يخنقك من رقبتك مرة أخرى إلى ثلاث مرات حتى اشرف على الموت! هذا العمل بذاته لو أن إنساناً فعله مع إنسان عادي كان اعتداء عليه، فما المبرر في ذلك؟ فكيف يصنع ذلك جبرائيل مع رسول الله صلى الله عليه وآله؟
أما أن النبي رفض القراءة خب هذا عصيان، مع ذلك لا يحق له أن يجي ويضغطه في رقبته بهذه الطريقه! هذا النبي الذي كان ينتظر وحي الله ويتعبد إليه ويتحنث متجهاً إلى الكعبة من غار حراء وخلال هالسنوات الطويلة يشهد لطف الله به وعنايته به ورعايته له، الآن يرسل إليه جبرائيل اللي يقوم بهذه العملية المعذبة والمتعبة والاتصور واحد يخنقه حتى اشرف على الموت طيب وثلاث مرات هذا الامر عل شان يقرا هذا ماكو طريقه اخرى ليه اذا ما يعرف علمه اذا يعرف تلطف معه بالحديث ذاك فرعون يقول: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) مع النبي بهذه الطريقة!
نحن لا نستطيع أن نفهم هذا المعنى الذي يتحدثون فيه، حتى بالنسبة إلى خديجة، خديجة مقامها عظيم، ولكن مقامها عظيم لأنها أول من أسلمت، أما أن هي تقنع النبي بأنه نبي هذا جداً أمر غير طبيعي، خلته على حجره! شنو طفل هذا تخليه على حجرها الأيسر ثم على الأيمن ثم على فخذها الأيمن ثم على الأيسر ثم في وسط حجرها وتكشف عن مثلا شعرها وكذا وتقنعه أنه هذا إذا ما تشوف الملاك يعني أن إذا ما تشوف أحد يعني ملاك، إذا تشوف أحد يعني شيطان! هل فعلا خديجة كانت تقوم بهذا الدور بالنسبة إلى رسول الله؟
خديجة أعظم نساء رسول الله وأفضل خلق الله باستثناء فاطمه سلام الله عليهم، ولكن لم يكن دورها هكذا، دورها عظيم في أنها استجابت لرسول الله، قبلت دعوته، آمنت به، لا أنها هي التي علمته وأكدت له رسالته.
على كل حال، هذه القصة وهذه الحادثة ستؤثر فيما بعد في سيرة النبي عند غيرنا في موارد متعددة نشير إليها إن شاء الله.
إنما نعتقد أن رسول الله كان مستعداً لهذه الرسالة وكان مهيأً، كان نبياً منتخباً ومصطفىً ومجتبىً قبل خلق الخلق بين الماء والطين، كان آدم وكان رسول الله قد اجتباه واصطفاه ربه سبحانه وتعالى، وكان يُعد بشكل دائم للقيام بهذا الدور، وكانت المعاجز والكرامات تشير إلى رسالته، فلا يحتاج إلى مثل هذا الذي قيل في هذه الرواية غير الصحيحة.
رسول الله صلى الله عليه وآله أكرمه الله بهذا وأكرمه بعترته وذريته وأهل بيته التي سوف تبقى مشعلاً ومناراً للمؤمنين إلى يوم القيامة بمقتضى حديث الثقلين: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهلي بيتي، ألا وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).
وكان من نصيب هذه الأمة أن كانت عترة النبي المعصومة من فاطمة وعلي، بل ذريته حتى غير المعصومة أيضاً من هذين العظيمين، لولا علي وفاطمة سلام الله عليهما لتحقق أمل القرشيين في أن يكون رسول الله منقطعاً وأبتر ولا نسل له ولا امتداد، لكن الله سبحانه وتعالى أكرم هذه الأمة بأن جعل ذرية النبي المعصومة وذرية النبي غير المعصومة أيضاً من هذين الطاهرين المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
فشهدت كربلاء من هذه الذرية الاتجاه المعصوم الإمام الحسين عليه السلام الذي ضحى بنفسه، وشهدت أيضاً من ذرية رسول الله غير المعصومة الأولاد وأولاد الأخ علي الأكبر والقاسم بن الحسن وآل الحسن جميعاً وأبناء الإمام الحسين عليه السلام باستثناء السجاد الذي كان من الذرية المعصومة، الباقي كانوا على هذا المسار وعلى هذا الفعل الحسن الذي أدى إلى نصر الإسلام.
ذكر شهادة القاسم بن الحسن عليه السلام
ومن ذلكم القاسم بن الحسن المجتبى صلوات الله وسلامه عليه، الإمام الحسن كان لديه في بعض الروايات أربعة شهداء في كربلاء، أحدهم الحسن وبعضهم يقول أكثر، وذلك لتداخل بعض الأسماء والكناى، يتخذ عاده الاحتفاء بذكر القاسم بن الحسن لميزات فيه، كونه أمانة الإمام الحسن لأخيه الحسين، إذا كان عمره اثنتي عشرة سنة فمعنى ذلك أنه غادره أبوه الحسن وعمره سنتان، فبقي في حجر عمه الحسين تربية وعناية.
ويضاف إلى ذلك، هو كان من الأشخاص الذين تمنوا الموت في سبيل الحسين، ذكر المؤرخون أن الحسين سأل أنصاره في ليلة العاشر بعد أن أخبرهم بأن منهم من يبقى ومنهم من يقتل، من يبقى سيذهب مع النساء في ركب السبايا ومن يقتل فإلى جنة الله، فسأله القاسم كما ذكر أهل الخبر: وأيا عم في من يقتل؟ قال: كيف تجد الموت عندك؟ قال: فيك والله أحلى من العسل!
واحد عمره اثنتا عشرة سنة ويقول هذا الكلام، هذا معناه عنده نفس فدائية وعنده روح واعية أنه حتى الموت الذي يخيف أكثر الناس، لكنه إذا كان في سبيل الحسين عليه السلام وفي سبيل الرسالة فلا بد أن يكون أحلى من العسل.
عندها في اليوم العاشر جاء إلى عمه الحسين واستأذنه للقتال، المؤرخون ينقلون هذه الصورة، فنظر الحسين إلى ابن أخيه القاسم واعتنقه وظلا يبكيان؛ الحسين يبكي والقاسم يبكي على عمه الحسين، هذا يبكي على غربة عمه الحسين وذاك يبكي شفقة ورحمة بهذا الشاب الذي هو في مقتبل العمر حتى وقع على الأرض!
تصور الإمام الحسين رجل قوي مقاتل شديد، ولكن لشدة البكاء على ابن أخيه وقعا على الأرض لا يتمالكان أنفسهما، حتى إذا قام قال الحسين عليه السلام لابن أخيه القاسم: ادخل وودع عماتك واخواتك وبني هاشم.