الموقف الرسالي في مسألة الإدماء والتطبير

الموقف الرسالي في مسألة الإدماء والتطبير
00:00 --:--

٣. حدود التقليد وحرمة التهاجي والتنابذ بالألقاب

الأمر الثالث وهو مهم جدا: ماذا يعني أن يقلد الإنسان مرجعا؟

أنا أقلد مرجعا مثلا يقول باستحباب ومشروعية هذه الممارسة الحسينية، وأنت تقلد مرجعا يقول إن هذه الممارسة الحسينية غير مشروعة وغير جائزة. ماذا يعني أن أقلد مرجعي وأنت تقلد مرجعك؟ معناه أن أنا ألتزم بفتوى مرجعي، ولكن ما يحق لي في أن أَلْزِمك أنت مقلد المرجع الآخر بفتوى مرجعي! ما يحق لي أن أُلزِمك بأنك -وأنت تقلد مرجعا آخر- لا، لازم في هالموضوع تشتغل على فتوى مرجعي، لا معنى أن يكون التقليد هكذا. أنت تقلد مرجعك ولا تلزم غيرك بفتاواه إذا كان يقلد مرجعا آخر، وذاك أيضا معنى تقليده لمرجعه أن يلتزم هو بفتاواه وأن يطبقها ولا حق له في إلزامك بفتوى مرجعه.

أنا أقلد مرجعا مثلا يمنع من ذلك، يقول هذا حرام، معنى تقليدي لله لازم أنا ألتزم ما أسوي، حتى لو كنت أرغب في هذا الأمر، حتى لو كان ياخذني الحماس، ما يجوز إلي، ليش؟ لأن هذا يقول هذا محرم، هذه فتوى مرجعي. لكن هل لي الحق أنه أنا أجي وأقول لك: أنت ولو تقلد مرجع آخر، لكن لازم أيضا تمتنع عن ذلك؟ لا، لا حق لي في ذلك، والعكس صحيح!

نعم، قد ينطبق عنوان آخر من العناوين التي تمنع -وهذا موجود حتى في الأنظمة الوضعية- يقول لك هذا العمل عمل مدان، مجرم شرعا، كذا كذا، إلى آخره، حتى لو أنت تؤمن باستحبابه ومشروعيته، لكن عليه عقوبه وضعية من خلال النظام الموجود في مجتمع، من خلال السلطة القائمة تمنع مثل هذه الأمور. في الغرب مثلا يقول لك: إذا تسوق قرصة إلى ابنك أو بنتك الصغيره من الممكن أن تعاقب عليها، فكيف إذا مثلا تساعد على جرحه؟ هذه يعتبرونها من الكبائر ويجرجروك إلى المحاكمة والسجن! هذا عنوان آخر. وكذلك لو كان هناك أيضا فقهاء مبسوطو اليد وحكموا بعدم ممارسه هذا الأمر في العلن، ينبغي الالتزام بذلك.

لكن موضوع التقليد مختلف؛ أنا إنسان أقلد مرجعا معينا، هذا التقليد يلزمني بالعمل على طبق فتواه إباحة استحبابا أو منعا وتحريما، ولا يتيح لي هذا التقليد أن أمنع الآخرين الذين لا يقلدون مرجعي من ممارسه التزامهم بفتوى مرجعهم، أعطيهم هذه المساحة، بل وأعذرهم في ذلك. ليش أنت ما تطبر؟ أنا لأنه إنسان أقلد المرجع الذي يحرم ذلك. لا، مو هالشكل، لا، هو هذا علامة تدين منه، علامة تدين أنه يلتزم بفتوى مرجعه، حتى لو هو يحب هذا وقسم من الناس من الناحية النفسية يحب القيام بهذا الأمر، لكن مرجعه لا يسمح، يحرم. التزامه بهذا على خلاف رغبة نفسه يعني أنه ماذا؟ أنه إنسان متدين وملتزم بذلك.

ونفس الكلام لو أن شخصا قلد مرجعا وجاء شخص ونهاه عن ذلك، لكنه لأجل الالتزام بفتوى مرجعه مارس هذا، يتبين أنه متدين لا يعمل على وفق رغباته وإنما يعمل على وفق فتاوى مرجعه وعلى وفق ما يراه أنه الدين.

ومن ذلك ينبغي أن يلتفت المؤمنون إلى أن التهاجي بالكلمات مع الاختلاف في التوجهات ليس من الإيمان في قريب ولا بعيد. يعني أنا مثلا أقلد مرجعا يقول بالاستحباب، أقول: هذول اللي يفتون بالتحريم هؤلاء أمويون، هؤلاء نواصب، هؤلاء لا يفقهون من الدين شيئا! ستكتب شهادتهم ويسألون يوم القيامة، يجيبونه: يقول شنو هذا، كيف تتهم فقهاء من الطائفة بانهم نواصب، بأنهم أمويون، بأنهم ليسوا أصلا فقهاء مع أنه اختلفوا في هذه المسألة معك؟ نفس هذا لو كان متفقا معه في هذه المسألة لا يصير هذا حبيبنا، مظاهر الأسدي الذي صار!

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة