الإطعام الحسيني شبهات وردود

الإطعام الحسيني شبهات وردود
00:00 --:--

الإشارات البليغة في آيات الإطعام

قد يستوقف الإنسان أمور في هذه الآيات المباركات، منها: أصل ذكر القضية في القرآن الكريم. أعمال البر كثيرة، والعاملون للبر والخير في تاريخ المسلمين وزمان رسول الله كثرة، وبعضهم بأموال طائلة. أن يختار الله سبحانه وتعالى هذا الإطعام - الذي هو عبارة عن قرص من الشعير وشيء من الملح وربما الماء، لا يسوى شيئاً كثيراً، ربما كله على بعده نصف درهم درهم لا يتجاوز ذلك، بينما قد نجد في أصحاب رسول الله من أنفق الآلاف في امور أخرى - أن يأتي القرآن الكريم ويظهر هذا المعنى ويختاره من بين كل اعمال المسلمين، يتبين فيه أن هناك غرضاً في الإشارة إلى أصحابه وإلا كان ينبغي بحسب المقاييس العادية لو أن إنساناً جاء وأعطى مثلاً لبناء هذا المسجد ١٠٠٠ ريال وجاء آخر وأعطى ١٠٠٠٠٠، بحسب القواعد الطبيعية المفروض أن يشار إلى صاحب الـ ١٠٠٠٠٠ لا إلى صاحب الـ ١٠٠٠ الذي أنفق درهماً، ينبغي ضمن الظروف العادية أن يكون ذكره متأخراً عن ذلك الذي أطعم بالآلاف وأنفق بالآلاف.

فاذا القرآن عكس هذه القضية، وليست هذه بدعا في القرآن، فقد صنعها في آية الزكاه: (وهم راكعون) أيضا نفس الكلام، تصدق أمير المؤمنين بخاتمه ودون القرآن هذه وسجلها وجعل الفاعل لها هو: {إِنَّمَا وَلِيُكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}.

فاولاً، هذه الآية يتبين منها مو فقط اشاره إلى الفعل، فإن بعض الفاعلين من سائر المسلمين كانوا أكثر قيمة وثراء وعدداً من حيث الإطعام والزكاة وما شابه، فيتبين اكو هناك جهة اخرى وهي أن القرآن يريد أن يشير إلى جهة الفاعل ويوجه الناس إليه.

ثانياً، العجيب أن القرآن الكريم يظهر ما كان خفياً فيهم مع أن العادة تجري بأن يحمل الأمر على الظواهر ما لم يصرح إنسان. القرآن الكريم يأتي ويقول: (ويطعمون الطعام على حبه). على حبه تحتمل أن يكون على حب هذا الطعام نظرا لأن القصة تقول إن الإمام علي عليه السلام وفاطمة قد نذرا لله نذراً بعدما مرض الحسنان أن يصوم لله عز وجل شكراً، فحصل الشفاء وصار الوقت للصيام، صام عليهما السلام ومعهما أيضاً فضة كما قيل، فجاء عند المساء - جاء على الترتيب - يتيم ومسكين وأسير، وهم في تلك الحالة في شدة الشوق إلى الطعام نظراً لصوم النهار بكامله، فهم يحبون هذا الطعام لكنهم آثروا هذا المسكين المسلم وهذا اليتيم المسلم وهذا الأسير الكافر! وهذا من الأمور العجيبة، اكو عندنا تفاسير في بعض ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام أن هؤلاء كانوا ملائكة بهذا النحو، لكن المعنى هو العنوان؛ إذا كان عنوان هذا أسير فالأسير ما راح يكون أسيراً من المسلمين، وإنما هو أسير من غير المسلمين. فإن يجي واحد ويؤثر أسيراً غير مسلم على نفسه بطعامه وهو يحب ذلك الطعام ويشتاق إليه نظراً لكونه صائماً، هذه فد مرتبة استثنائية!

أو أنه لا، على حبه (يعني على حب الله عز وجل وفي حب الله عز وجل ولأجل التقرب إلى الله سبحانه وتعالى)، وهو معنى ارفع من ذاك الثاني. وقد يدل عليه ذيل الآية المباركة أن الله سبحانه وتعالى أخرج هذا من الكمون إلى العلن، من القلب إلى القرآن وإلى أن يقرأه ملايين البشر في مختلف القرون: (على حبه) يعني على حب الله عز وجل، لأجل الله عز وجل، تقرباً إلى الله عز وجل. وفي داخل قلوبهم: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا).

عجيب القرآن وكل ما فيه عجائب لو التفت الإنسان إليها! أحياناً الإنسان ما يريد جزاء (يعني مثلاً أنت سويت خدمة لأجل الله، ما تقبل أن واحد يجي يقول لك: هاك اخذ مثلاً ١٠٠ ريال ١٠٠ دولار في مقابل تلك الخدمة التي قمت بها)، ولكن قد ترغب أن يقول لك: شكراً، جزاك الله خيراً، شكراً لك على هذا العمل، بحيث قسم من الناس يتاذى إذا لم يشكر عمله! هذول الصفوة مو بس جزاء ما ينتظرون ولا يريدون أن تقابل أعمالهم بالمال والجزاءات، بل حتى شكر من عند الناس ما يريدون! ما يريد أن تقول له شكراً لك، ليش؟ لأنه عنده فد خلوص استثنائي أن عمله هذا لله عز وجل.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة