زيارة أئمة الهدى في البقيع
بسم الله الرحمن الرحيم. صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، صلى الله عليك وعلى ابن عمك أمير المؤمنين، وعلى أهل بيتك الطاهرين. صلى الله عليك يا سيدي ويا مولاي يا أبا عبد الله الحسين، ما خاب من تمسك بكم وأمن من لجأ إليكم، يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزًا عظيما.
مقدمة في زيارة الإمام الحسن المجتبى وأئمة البقيع (ع)
جاء في زيارة أبي محمد الحسن المجتبى وأئمة البقيع صلوات الله وسلامه عليهم:
«السلام عليكم أهل التقوى، السلام عليكم أبناء رسول الله، السلام عليكم أهل النجوَى»
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قبل أن نبدأ حديثنا في تأملات في زيارة أئمة البقيع عليهم السلام، ننبه إلى ملاحظة مرت في الليلة الماضية، وهي إضاءة على كلمة جاءت في الحديث الذي ذكرناه عن الإمام الصادق عليه السلام في شأن زيارة آل أمير المؤمنين والذي جاء في الحديث: «ألا تزور من يزوره الله مع الملائكة والأنبياء والمرسلين والمؤمنين». فلفت نظري أحد المستمعين جزاه الله خيراً في أن أوضح المقصود من: "يزوره الله"، لا سيما ونحن نتحدث في الزيارة على أنها تحول وانتقال جغرافي، وهذا لا يتفق مع الله سبحانه وتعالى، فكيف نفسر هذا الحديث؟
الجواب على ذلك أن كل ما جاء في المنقولات، سواء كانت روايات أو كان أعلى منها وهو القرآن الكريم وكان تفسيره الظاهري غير ممكن بالنسبة لله عز وجل، فلا بد من المصير إلى تأويله بمعنى آخر. مثال في القرآن الكريم عندنا وهو لا يتطرق إليه شك ولا شبهة، مثلاً في الرواية ممكن تقول الراوي نسي، الراوي اشتبه، الراوي كذا لم يحفظ جيداً، بس القرآن ما في هذا الكلام. مع ذلك في القرآن الكريم آيات لو فسرناها على ظاهرها لا يمكن أن نحفظ معها مقام التوحيد لله عز وجل.
مثلاً عندما يتحدث القرآن الكريم عن المنافقين الذين ينهون عن المعروف ويأمرون المنكر يقول:" هنا "نسوا الله فنسيهم" هنا "نسوا الله" واضح، ما يذكرونه، لا يعرفونه، لا يستحضرون وجود الله لأنهم منافقون ومخالفون لله عز وجل. لكن "فنسيهم" الله سبحانه وتعالى لا ينسى! الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافيه، بل هو محيط بكل شيء. فهنا وأمثال هذا المكان لا يمكن أن تفسر الآية المباركة على ما هو ظاهر، وهذا إجماع المفسرين وهو قاعدة كلية.
فإذا ماذا يعني ذلك؟ معناه أن نتيجة النسيان -إذا نسي إنسان شيئاً ماذا؟ ينتهي إليه- تركه، لا يتذكره، يهمله، يغفله، نتيجة هذه هي التي تحصل من قبل الله عز وجل. "نسيهم" مو يعني ما يتذكرهم، مو يعني في ذاك الوقت نسيان، وإنما تارك لهم؛ "نسوا الله هم" فتركوه في هذه الدنيا وتركوا عبادته وتركوا طاعته، هو هناك أيضاً يترك هؤلاء ينزلهم منزلة المنسيين، يغفلهم عن رحمته، لا يتوجه إليهم بلطفه كأنما مو موجودين أصلاً. وقت اللي يقسم رحمته وجنته هذول ما لهم نصيب،
يعني رتب آثار النسيان العادية من ترك الشيء وإغفاله وعدم الاعتناء به، ما يعتني بيهم أصلاً فكأنهم منسيون.
لما نجي إلى هذه الآية ما نقدر نفسرها بما هو ظاهر لمخالفتها أن الله من جهة كيف عالم بكل شيء محيط بكل شيء لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، فكيف ينسى هؤلاء المنافقين وهم عدد كبير من الناس ولا يحيط بهم علماً؟ لا، وإنما يتعامل معهم كتعامل المنسيين، يغفلهم عن رحمته، يتركهم من ساحة لطفه. وهذا كثير في القرآن الكريم أيضاً الذي قسم من المسلمين عندما يلتفتوا إلى هذا المعنى انتهى بهم الأمر إلى التجسيم والتشبيه وما شابه ذلك. في مثل هالموارد نقول: لا، هذا اللفظ ليس المقصود منه ظاهر اللفظ، وإنما المقصود منه شيء آخر. هذا ما يرتبط بليلة مضت وأحببنا التنبيه عليه حتى لا يشكل الأمر على من سمع أو من يسمع هذا الحديث.
بحث اعتبارية الروايات: اتجاه الوثوق الصدوري واتجاه الوثوق السندي
حديثنا هذه الليلة يتناول زيارة الإمام الحسن المجتبى وأئمة البقيع صلوات الله وسلامه عليهم، وسنحتاج فيه إلى مقدمة، ذلك أن هذه الزيارة وردت في كتاب كامل الزيارات بسند فيه إرسال، يعني لما يجي يقول: عن فلان، عن فلان، عن عمرو بن هشام، عن بعض أصحابنا. منو بعض أصحابنا هذول؟ ما معلوم، هل هم ثقات أو غير ثقات؟ ما معلوم. عن أحدهما عليهما السلام، اللي هو الإمام الباقر والإمام الصادق عليه السلام. إذا راوي من الرواة هو عاصر الإمام الباقر وعاصر الإمام الصادق، أحياناً يقول عن أحد الإمامين، وهنا لا فرق في المسألة لأن كليهما معصوم وكلام كل منهما حجة، لكن المشكلة وين؟ فيما ما قبل ذلك، عن بعض أصحابنا؛ بعض الأصحاب من هم؟ ما هي صفتهم؟ غير معلوم.
زين، هل نقدر نعمل بهذه الزياره وهذه الروايه أو لا؟ سأحتاج هذه الليلة إلى تبسيط موضوع تخصصي يدرس في الحوزات عادة، سوف أ حاول تبسيطه وتيسيره حتى يكون واضحاً، وأيضاً المؤمنون والمؤمنات من يسمع هذا الكلام يرتقي بمعلوماته ومعارفه درجة من الدرجات.
عندنا في علماء الطائفة اتجاهان بالنسبة إلى الروايات؛ احنا لازم نعمل بكلام المعصوم عليه السلام صحيح ولا لا؟ لكن احنا ما قعدنا ويا المعصوم ما سمعناه بأذننا، وإنما نقل لنا بماذا؟ بوسائط، برواة جمعت هذه الروايات مثلاً في مثل كتاب الكافي للكليني رحمه الله، مثل في كتاب كامل الزيارات لابن قولويه، مثل كتاب الفقيه للصدوق رحمهم الله. هذا يجي يقول: أنا الكليني أروي عن أستاذي فلان علي بن إبراهيم مثلاً، وهو علي بن إبراهيم يروي عن أبيه اللي هو إبراهيم بن هاشم، وهكذا تتسلسل إلى أن توصل وصل إلى الإمام عليه السلام.
زين، أنا هنا دي أتعامل، هي رواية نقلها أشخاص من واحد إلى واحد إلى واحد، طيب كيف أعرف أن هذه الرواية رواية منقولة بشكل صحيح وموثوق عن المعصوم حتى أعمل بها ما دام أنا ما سمعته بأذني؟ فلازم لازم يكون عندي طريقة اللي أتوثق فيها من أن هذه الرواية قالها الإمام وبالتالي لازم أعمل بها، أو أنه ما قالها الإمام أهملها ما علي منها. في هذا، اكو هناك اتجاهان عند علماء الطائفة، علماء الشيعة على اتجاهين:
- الاتجاه الأول: هو الاتجاه الذي كان عليه المحدثون الكبار، مثل الكليني، مثل شيخ الطائفة الطوسي، مثل الصدوق، مثل الشيخ المفيد، مثل الشريف المرتضى. هؤلاء من من العلماء الكبار هؤلاء ماذا يقولون؟ يقولون احنا نروح إلى الرواية نشوف هل هناك قرائن على أنها صدرت عن المعصوم؟ المعصوم قالها لو لا؟ إذا توفرت قرائن متعدده نطمئن إلى أن الإمام قد قالها.
مثلاً إذا هذه الرواية جاءت في الكتب الأساسية، شفناها موجودة في كتاب الكليني، شفناها موجودة في كتاب الصدوق، شفناها موجودة في كتاب الشيخ الطوسي، شفناها موجودة في كتاب جعفر بن قولويه، نقول هذول علماء كبار ورعون في نفس الوقت، عارفون بالروايات، قضوا كل عمرهم في البحث في هذه الروايات، فمو معقول أن يجيبون لنا رواية مو تامة، رواية مكذوبة، رواية موضوعة، ما ممكن هذا ليش؟ لأنه هو جايب هذا حتى هذه الروايات حتى يعمل بها الناس في الفقه؛ يعملون صلاة وصوم وحج وزكاة والى أخره، في المعاملات بيعهم وشرائهم نكاحهم، فليس من المعقول أن يأتوا بروايات يتفقون عليها في كتبهم الثلاثة أو الأربعة ومع ذلك تكون رواية غير سليمة. هذه يسمونها إحدى القرائن على أن هذه الرواية صدرت عن المعصوم.
بعد نجي نشوف أن هذه الرواية تتفق مع سائر الروايات في أماكن أخرى، نفس المضمون، نفس المعنى بعبارات أخرى، فكأن هذه الروايات الأخرى تؤيد هذه الرواية. تعدد هذه الرواية هذا أمر ثاني، قرينة ثانيه صارت. نروح نشوف الفقهاء، سواء في زمن أصحاب الكتب الأصلية أو بعدهم لما مروا على هذه الرواية عملوا بها وأفتوا على طبقها، هذا الأمر خلينا نشوف لنفترض ١٠، ٢٠، ٣٠ من العلماء الكبار والفقهاء العظام قد عملوا بها ولم يهملوها لم يتركوها، واحنا ندري أن هذول لا يصنعون هذا حسب كيفهم، وإنما عندهم من الورع ما يكفي لكي يتاكدوا ويتوثقوا من الرواية لما يقول لي سوي كذا في الصلاة أو اعمل كذا في الحج، يدري أنه مسؤول يوم القيامة من وين جبت هذا الحكم؟ فهو ورع، ما يترك رواية إلا وأن تكون رواية غير معتبرة، وما يجيب رواية ويستدل بها إلا أن تكون رواية شنو؟ تامة. تتكثر القرائن، هذا وذاك والثالث والرابع، مجموعها يكسبنا نوعاً من الاطمئنان بأن هذه الرواية ومضمونها قد صدر من المعصوم، يكسبنا ثقة بصدورها عن الإمام، وهذا يسمونه اتجاه الوثوق الصدوري، يعني يثق الإنسان بصدور هذه الرواية عن المعصوم من خلال مجموعة من القرائن المختلفة والمتعاضدة التي تعطيه هذه القناعة.
خلي أجيب لك مثال عرفي؛ الآن لو واحد اجا مثلاً طفل وقال لنا: اكو حريق في فلان مكان -لا تختلعوا ما صاير، مجرد مثال ها- قال لنا هذا الطفل: هناك حريق قريب من هالمكان. المفروض أن الإنسان ما يصدق ليش؟ لأن هذا الطفل قد يقول كلاماً شنو يعني إما مزحاً، إما يريد يختبر الجماعة، إما يرسل الكلام على عواهنه. بعدين نشم ريحة دخان، زين هذه تصير قرينة على احتمال أن يكون كلامه كلام شنو؟ صحيح. بعد شوية سمعنا صفارات الدفاع المدني قريبة جداً إلى هالمكان، هذا إلى الآن ما رحنا شفنا الحريق ها بس سمعنا صفارات الدفاع المدني جاي وتوخروا ما أدري كذا وحجزوا الطريق والى، هذه صارت قرينة أخرى على ماذا؟ على أنه هذاك الكلام اللي قاله الطفل قاعد يتقوى تدريجياً بهذه القرائن. بعدها سمعنا صوت الإسعاف جاي وشايل جماعة وكذا، هذين فت قرينة أخرى؛ سدوا الطريق من هالصوب ومن ذاك الصوب، هذه قرينة. وهكذا كل ما كثرت القرائن يصير عندنا قناعة بأن هذا الحدث صاير.
بالنسبة إلى الرواية هكذا أيضاً، هناك قرائن متعدده تقوم واحدة بعد الأخرى إلى أن يصل الإنسان إلى درجة الاطمئنان أن هذه الرواية إما من حيث مضمونها مضمون قوي، بلاغتها بلاغة قوية قوية جداً، جاء بها العلماء في أكثر كتبهم، عمل بها الفقهاء المتاخرون، إلى غير ذلك. فاذا نقول هذه الرواية نحن نثق بصدورها عن المعصوم ونعمل عليه، هذا نسميه اتجاه الوثوق الصدوري. وتقريبا هذا اتجاه كان عام عند الطائفة منذ سنة ٣٠٠ فصاعداً، يعني زمان الشيخ الكليني إلى أيام الشيخ ابن قولويه اللي هو تلميذ الكليني، إلى أيام المفيد اللي هو تلميذ ابن قولويه، إلى أيام الشريف المرتضى اللي هو تلميذ شيخ المفيد، إلى أيام الشيخ الطوسي اللي هو أيضاً تلميذ المرتضى والمفيد وعلى هالعدل. هذا الاتجاه كان هو الاتجاه الموجود، لذلك لما تجي تشوف مثلاً في الكافي كتاب الكافي، بعض الروايات عنونوها بأنها ضعيفة، بأنها مرسلة، زين مرسلة صحيح، ولكن لما تجيب تلك القرائن تخليها بجنبها شنو يقوى الوثوق والاطمئنان بهذه الرواية.
- الاتجاه الثاني: يقول هذا الكلام كله احنا ما نقبله، وأنما نروح إلى الرواواه واحد، نفتح إلى ملف هذا شنو قالوا عنه؟ ثقة، مو ثقة، صدوق، غير صدوق، حافظ ينسى، نعوذ بالله يضع الأحاديث أو لا، أمين عليها؟ نشوفهم واحد واحد، نفتح إليه ملف. إذا كل هذول طلعوا ثقات، حافظون، غير ذلك، نقول هذه الرواية احنا نقبلها. غير ذلك، لو واحد منهم رسب في الامتحان، واحد منهم الملف ماله تبين أنه فيه إشكال، قالوا عنه إن هذا ضعيف، أن هذا نعوذ بالله يكذب، نقول هذه الرواية بعد ما نعمل بها. مثل سلك كهرباء -ما أدري إذا شايفين بعض اللمبات أظن في الفيزياء يدرسونه أو كذا- نمطين في الكهرباء، نوعين من التمديدات؛ النوع الأول من التمديدات إذا تخترب لمبة في الأثناء ما تأثر على الباقي، والنوع الثاني نوع من التسليك إذا تخترب واحدة ما بعدها كله شنو ما يشتغل! هذا الاتجاه الثاني، ما أدري شو اسمه من الناحية نعم التوالي، زين التوالي يابا احنا بعد مر علينا هالحكي هذا يمكن قبل ٥٠ سنة الله العالم، على كل حال.
فاكو هذا القول الثاني كانما هو التوالي؛ توالي وتوازي أظن. زين، هذا الاتجاه الثاني من هالنوع، إذا واحد من الرواة وضعه مو تمام خلاص بعد تنطفي الكهرباء ما توصل إلى المعصوم، وبالتالي ما نعمل بهذه الرواية، هذا يسمونه اتجاه الوثوق السندي أو اتجاه الوثاقة. ومن سنة حوالي ٦٠٠ إلا شوي، أيام ابن أدريس الحلي رحمه الله، بدأ يقول احنا هالروايات اللي قدامنا لازم نشوف السند مالها، إذا السند تمام نشتغل عليه فغير الاتجاه اللي كان من قبل يقول شنو على القرائن على الوثوق نجمع العلامات منا ومنناك. زين، غير هالاتجاه جاء بعده أيضاً سيد طاووس أكد هذا المعنى أستاذ العلامة الحلي، ونفسه والمحقق الحلي صاحب الشرائع أيضاً أكد عليه، والعلامة الحلي أسس له واستمر في.
قسم من العلماء يقولوا احنا ذك الحكي اللي القراية اللي قريناها أول شي في الاتجاه الأول ما يفيدنا، قدامنا ملفات، قدامنا رواة، كل راوي نروح نشوف شو قالوا عنه، قالوا عنه زين على العين والراس، قالوا عنه لا في إشكال الرواية ما نشتغل فيها. وفي الفترة الأخيرة في منتصف عمره العلمي شيده السيد الخوئي رحمه الله، كان في أوائل عمره العلمي مثل الاتجاه الأول اللي قلناه، بعدين صار له فكرة أنه لا الراي الثاني اللي يعتمد على الأسانيد هو الراي الصحيح وبرهن عليه وجاب أدلة ورد أدلة الطرف الثاني وعرف به، وعلى أساسه أيضاً ألف كتاب معجم رجال الحديث في حوالي بعض طبعاته ٢٤ مجلد، راح وجرد أسامي الرواة كلها وسوى لكل واحد ملف؛ زين لو مو زين، ضعيف لو قوي، ثقة لو غير ثقة، أي واحد تجي قدامك رواية تطلع اسمه في هذا المعجم وعلى ضوءه تحكم.
هذان اتجاهان، طبعا الاتجاه الأول -اتجاه الوثوق الصدوري تجميع القرائن- راح يكون عنده فرصه واسعة جداً، لأنه عنده حتى السند الصحيح أيضاً إحدى القرائن، فهو يشتغل أيضاً بطريقه اللي قلنا. السيد الخوئي وتلامذته وعنده أيضاً مجال آخر واسع، بس هنا مثل السيد وتلامذته راح يواجهوا عقبه في قسم غير قليل من الروايات اللي ما إليها سند كله تام وحسن، إذا مثل هذه يفترض عن بعض أصحابنا يقول لك هذه الرواية ما نعمل بها ليش؟ لأنه ما معلوم من هذول بعض أصحابنا هل هم ثقات أو غير ثقات؟ مجهولون.
على كل حال، هذه مثلاً الزيارة ورد فيها في كتاب ابن قولويه عن بعض أصحابنا، لكن في كتب أخرى كالكافي وغيره لا، وارد فيها سند تام، فبالتالي على رأي الاتجاهين هذه الرواية والزيارة ثابت من الناحية الشرعية. أما بناء على المسلك الأول فواضح، لأن هذه وارده عند ابن القولويه، وارده في الكافي، وارده في الفقيه للشيخ الصدوق، وارده في التهذيب للشيخ الطوسي، ووارده في كتب متاخره عنهم وتم العمل عليها. حتى على رأي الاتجاه الآخر هذه مروية في الكافي بسند يفترض أنه معتبر.
على كل حال، هاي كانت مقدمة مهمة، لأنه لأن قسماً الآن من مثلاً بعض المثقفين أو المطلعين بمجرد أن يشوف الرواية كذا يقول: هذه الرواية ضعيفة لأن فلان شنو؟ ضعيف ما وثقه. لا، لازم يسال هكذا: أن هذه ضعيفة على مسلك من؟ أصحاب الاتجاه الأول لو أصحاب الاتجاه الثاني؟ هذه الزيارة، زيارة الإمام الحسن وأئمة البقيع، تتميز بالاعتبار على كلا الرايين والاتجاهين، فقد ذكرت كما قلنا في هذه الكتب المتعدده.
على أنه أيضاً مسألة أخرى، أنه حتى اتباع الاتجاه الثاني السندي المتشدد بالنسبة إلى الأمور المستحبة بالنسبة إلى الأخلاقيات وما شابه ذلك، لا يتشددون فيها مثل ما يتشددون في قضايا الفقه؛ فزيارة مثلاً مبدأ أخلاقي من المبادئ الأخلاقية ما يدققون في أمر السند فيها، إنما يدققون كثيراً في أمر الفقه واجب وحرام ويجوز ولا يجوز، لأنه سينسب الحكم إلى الله وهذا والحكم الشرعي، يعني الله قاله يعني أولياءه أوصياء رسول الله هم الذين بينوا.
مقارنة بين زيارة أمين الله وزيارة أئمة البقيع (ع)
نرجع إلى حديثنا في هذه الزيارة التي تنسَب إلى أحد الإمامين عليهما السلام، مثلاً في رواية الكافي إلى الإمام الصادق، في رواية ابن قولويه إلى أحدهما أما الإمام الباقر وأما الإمام الصادق، ولا يختلف الحال قال أيهما يكون لأنهما حجة معصومان.
نرجع إلى هذه الزيارة -طبعاً بعد الصلاة على محمد وآل محمد- يبدأ في هذه الزيارة بالتسليم على الأئمة عليهم السلام، وفيها فقرات مهمة جداً في معرفة الإمامة، ثم في القسم الآخر دعاء إلى الله عز وجل. هذا يذكرنا بما سبق في ليلة مضت، وأحياناً يثار هذا السؤال: أن زيارة أمين الله اللي هي للإمام أمير المؤمنين عليه السلام فد زيارة فيها نوع من الطرافة والغرابه ليش؟ لأن في البداية ثلاثة أسطر: (السلام عليك يا أمين الله في أرضه وحجته على عباده أشهد أنك قد جاهدت في الله حق جهاده وعملت بكتابه واتبعت سنة نبيه أو سنن نبيه) بعد ذلك يأتي ويقول: (اللهم فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك راضية بقضائك) دعاء إلى نفس الإنسان مقدار لا باس به، بعد ذلك دعاء عام هكذا: (اللهم إن قلوب المخبتين إليك والهة وأعلام القاصدين إليك واضحة) وهكذا مناجاة لله عز وجل.
بعضهم قال: شلون هذه طريقع وطبيعة الزيارة مو مثل سائر الزيارات؟ لا، هناك أشباه لها مثلها، هذه أنه أولاً يتحدث عن الأئمة عليهم السلام وصفات الأئمة والامامة، ثم بعد ذلك يدعو... قائم لا يلهو ودائم لا يسهو إلى آخر هذه الكلمات هي عبارة عن مناجاة لله عز وجل ودعائه له، فهذه من هذه الجهة تشبه زيارة أمين الله أمين الله أمير المؤمنين اللي هي فيها تلك الأقسام. ننبه على هذا، لماذا؟ لأنه هناك فكرة أيضاً سئلنا عنها في موضع من المواضع، أنه هل صحيح أن الإمام زين العابدين بالنسبة إلى زيارة أمين الله، هل صحيح أنه كان يزور قبر جده أمير المؤمنين عليه السلام فبدأ في الزيارة فجاء قوم -لعله الإمام خشي منهم يطلعون على القبر أو يكونون من عيون السلطة الأموية أو يؤذون من يزور- فغير اتجاه الزيارة إلى اتجاه الدعاء؟ سئلنا عن هذا ونقول: إنه على سبيل الاحتمال هذا ممكن، ماكو دليل عليه، يعني ماكو هناك رواية لا من أهل البيت ولا حادثة تاريخية منقولة تشير إلى هذا المعنى.
معاني ومضامين زيارة أئمة البقيع (ع)
وأما قضية تغيير الأسلوب الموجود فيها هذا موجود هنا أيضاً في زيارة المعصومين أئمة البقيع، أولاً سلم عليهم وشهد لهم بصفاتهم ثم دعا الله سبحانه وتعالى.
يقول هكذا:
«السلام عليكم أئمة الهدى، السلام عليكم أهل التقوى، السلام عليكم أيها الحجج على أهل الدنيا، السلام عليكم أيها القوامون في البرية بالقسط»
لاحظوا أن الزيارات ليست مجرد علاقة عاطفيه بين الزائر وبين المزور، وإنما هي بالإضافة إلى ذلك منهج لمعرفة حقائق. الآن هذه العبارات ما أظن نلحق عليها كلها في شرحها في هذه الليلة، وقد نحتاج إلى ليلة أخرى. لاحظوا هذه العبارات هي بمثابة مدرسة عقائدية تبين مناصب الأئمة ومقامات الأئمة وما الذي ينبغي معرفته من قبل الإنسان المسلم عن أئمة أهل البيت سلام الله عليهم.
فهو أول شيء يصفهم بأنهم أهل التقوى، وأنهم أهل النجوى، وأنهم أهل رسول الله صلى الله عليه واله. أهل التقوى واضح أن التقوى هي درجات لها أهل في أعلى الدرجات، وأئمتنا صلوات الله وسلامه عليهم هم من تلك الدرجات الأعلى والعليا. وهم أيضاً أهل النجوى، أهل النجوى سواء بمعنى أن الله يناجيهم أو هم يناجون الله أو كلا الأمرين، لا شك ولا ريب أنهم كانوا يناجون الله سبحانه وتعالى ويتوسلون إليه، وأمامك صحيفة السجادية للإمام زين العابدين عليه السلام هي عبارة عن مدرسة في المناجاة والدعاء، وحال سائر أئمة الهدى هو أيضاً من هذا القبيل. بل قد يمكن بمفاد بعض الروايات أن الله سبحانه وتعالى يعطي للأئمة علماً استثنائياً يقذف في قلوبهم العلم، فقد يكون هذا أيضاً أحد معاني النجوى.
من الله النجوى شنو؟ هي عبارة عن تواصل بين طرفين من دون صوت. أنت مثلاً إذا تتكلم يا واحد -مثلاً الآن أنا أتكلم معكم هذه مو مناجاة ولا نجوى، وإنما شنو؟ هذه مناداة- وأما النجوى فإذا واحد أسر إليك، ولذلك ورد في قصة مع نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله كان خارجاً مع أصحابه فانقسموا فريقين؛ قسم يذكر الله بأصوات عالية وقسم آخر يسر بالذكر والمناجاة والدعاء، فقال له بعضهم: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ يتبين النداء لا بد أن يكون الواحد شنو؟ بعيد عن الشخص، أما المناجاة كذلك بجنبك واحد تريد تكلمه بهدوء لازم هنا، هذا مناجاة لو رفعت صوتك هذا يصير مناداة ولا يكون مناجاة.
فنزلت الآية المباركة: "وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ" لاحظوا تعبير القرآن، ما يقول قريب يعني قريب بالمسافة، وإنما قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان. الله سبحانه وتعالى مو قريب يعني بجنبي هنا، ولا هو بعيد بمعنى في السماء، وإنما قريب في إدراكه وفي هيمنته وفي حفظه وفي ستره وفي استماعه لكلام الإنسان، يجيب دعوة الداعي يعني ما واحد يقول والله إلى أن توصل هذه الدعوة وين الله بعيد الآلاف السنوات الضوئيه؟ لا، ليس كذلك، وإنما قريب أجيب دعوة الداعي. فهم أهل النجوى بهذا المعنى، سواء كان بمعنى هم يناجون الله سبحانه وتعالى أو هو يوحي إليهم بطرق معينة ويقذف قلوبهم العلم، وقد يكون هذا من أبواب المناجاة من الله عز وجل.
السلام عليكم أيها الحجج على أهل الدنيا
أئمتنا ليسوا حجة علينا فقط، وإنما هم حجة على كل أهل الدنيا، مثلما أن النبي المصطفى محمد صلى الله عليه واله نبي لكل كل البشر، ما يقدر واحد يقول: والله أنا مسيحي وهذا مو نبي مالي. لا، أنت ملزم باتباعه، ما في واحد له حق أن ياتي ويقول أنا مو على مذهب أهل البيت، فاذا الأئمة هؤلاء أئمتكم ليسوا أئمتي، وإنما هم حجج على كل أهل الدنيا، غاية الأمر البعض يعرفهم ويصل إليهم والبعض الآخر يتنكر لهم أو يجهلهم أو لا يهتدي إليهم.
السلام عليكم آل رسول الله، السلام عليكم أهل الصفوة، السلام عليكم أيها القوامون في البرية بالقسط
اختلاف قوام وقوامون في النتيجة نفس المعنى؛ قائمون عندما تذهب إلى صيغة المبالغة تكون قوام. القائم بالشيء هو من يتولى أموره ويقوم به، تجعل في صيغة الفاعل فيقال قائم (فلان قائم بأمر المأتم)، ولكن لما يصير شغله الدائم، حماسته الكثيرة، انشغاله على طول، تقول هذا قوام بالمأتم كأنما إقامة المأتم كلها صايرة على كتفه. هؤلاء أيضاً أئمة الهدى عليهم السلام قوامون في البرية بالقسط والعدل، وآخر ما يأتي صاحب العصر والزمان إنما يحقق هذا الغرض ليملاها قسطاً وعدلاً على سيرة آبائه بمقدار استطاعتهم. الفرق فقط هو هذا، أن الأئمة السابقين له كانوا قوامين بالقسط في حدود معينة، باقي الحدود منعهم الظالمون والطغاه عن القيام. الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لا يمنعه أحد من القيام بهذا الأمر.
دور الشهادة في الزيارة ومقام أئمة البقيع (ع)
بعد ذلك يبدا دور الشهادة، لعله نقول لعله من الملامح المميزه للزيارات عموماً أنها عادة ثلاثة أقسام، الغالب هكذا في البداية تسليم على صاحبي المقام والمشهد وذكر بعض صفاته، بعض ميزاتة نسبه حسبه دوره، بعد ذلك يأتي دور الشهادة على هذا: (أشهد أنك قد أقمْت الصلاة) أول تقول السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا ابن رسول الله، كذا كذا، بعد ذلك تقول: أشهد. وذكرنا معنى الشهادة فيما سبق، هنا أيضاً نفس التركيب نجده في هذه الزيارة، بعد أن سلم عليهم وذكر جملة من صفاتهم جاء إلى دور الشهادة، والشهادة تنبئ عن معرفة عند هذا الإنسان يقينية.
أشهد أنكم قد بلغتم ونصحتم وصبرتم في ذات الله وكذبتم واسيء إليكم فغفرتم
هذا منهاج، تتكلم عن منهاج أئمة اهل البيت عليهم السلام في حياته. هذا المقدار هذه الليلة نتطرق إليه، ويبقى باقي الزيارة إن شاء الله إلى ليلة أخرى. هذه الزيارة فيها مشتركات المعصومين عليهم السلام، المخاطبين الإمام الحسن المجتبى عليه السلام باعتبار زيارة أئمة البقيع ورد في مقدمة الزيارة انك تجعل قبورهم أمامك، تستقبل القبور حتى لو كان ذلك يؤدي إلى استدبار القبلة.
وهذا يبين منزلة من المنازل، لأنه المفروض أن الإنسان في أموره العبادية شنو يستقبل القبلة، سواء كانت واجبة كالصلاة، أو حتى كان في الأمور المستحبه، بل حتى في جلسته العادية الآن أنتم جالسون هنا باتجاه القبلة هذا مستحب، مع أنه هذا مثلاً ليس صلاة. ولكن إن استطاع الإنسان في كل أوقاته، في كل جلساته، أن يجلس مستقبلاً القبلة، فهذا أمر عبادي محبذ ومطلوب. زين، لما نشوف هذا الأمر المحبذ المطلوب اللي في الواجبات شرط وفي سائر المستحبات مستحب مؤكد، ولكن لما تجي إلى زيارة المعصومين عليهم السلام إن قدرت أن تجمع بين استقبال القبر واستقبال القبلة فهو المراد، ما قدرت كان يكون موقع القبر بشكل ما تقدر هم تجمع بين استقباله واستقبال القبلة، استقبل القبر وإن كان ينتهي إلى استدبار القبلة.
أهمية ذلك تجعل الاستحباب في استقبال القبر دون استقبال القبلة إذا لم يمكن الجمع بينهما. فأئمة الهدى الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه، الإمام علي بن الحسين سلام الله عليه، الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه، الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين دفنوا في تلك الأرض المقدسة البقيع، بقيع الغرقد. دفن هؤلاء السادة الأطهار في ذلك المكان، وكأنهم حازوا بما لم يحز به غيرهم أنهم دفنوا قريباً من أمهم الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، وإلا باقي أئمة أمه الهدى سلام الله عليهم أنت تجد قبورهم متباعدة بعيداً عن أمهم الزهراء وجدهم رسول الله صلى الله عليه واله، وكان ذلك في غالب الأمر على غير إرادة منهم، ولكن هؤلاء السادة الأطهار كانوا إلى قرب أمهم الزهراء سلام الله عليها.
نعم، هناك مصيبة كانت ولا تزال موجودة، هي أن قبورهم قد عُفِّيَتْ وصارت تراباً، هذا كل واحد من هؤلاء الائمة عليهم السلام هداة إلى الخلق وسائط بينه وبين خلقه، وإذا بقبورهم هي أقل من قبور سائر الناس! أنت قبر والدك، قبر جدك، قبر عليه إشارة وعليه علامة وعليه اسم وتقدر تروح وتقدر تقعد وتقدر كذا، وفي بعض الأماكن لا سيما إذا كان له منزلة في بعض الأماكن حتى علماء تجد قبة على قبره وتجد مزاراً له وتجد وتجد، إلا هؤلاء الصفوة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليهم. والمعزى في ذلك جدهم رسول الله وأمهم الزهراء سلام الله عليها، وإذا كان الحديث عن الإمام الحسن المجتبى فهو سبط رسول الله الأكبر والمعصوم بعد أبيه صلوات الله وسلامه عليه، الإمام الثاني والمعصوم الرابع بعد رسول الله والزهراء والإمام أمير المؤمنين، ولكن تجد هذا التعامل من قبل المسلمين معه! فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكان الشاعر يخاطب الزهراء عليها السلام في أن تبكي ولديها الحسين والحسن:
نُوحِي عَلَى الأوْلادِ يا زَهْرَة الحَزِينَة في كَرْبَلاءِ واحدْ، واحدْ بِالمَدِينَة تَفَرَّقُوا عَنكِ وصَارَ الشَّمْل تَبْدِيد واحدْ مْن جَعْدَة قَضَى واحدْ مْن يَزِيدْ
واحد من جعدة وواحد من يزيد، واحد دفن عندك واحد عنك بعيد، قبر الحسن يمك وقبر حسين وينه! هذا حال فاطمة الزهراء، بس الأمر في الإمام الحسن لا، أيضاً باقي الأولاد أيضاً هذه المرأة الطاهرة ثكلت بأبنائها جميعاً، وكأنها في كل يوم لها مصاب وعزية ومأساة. كأني بها صلوات الله وسلامه عليها:
أنا دَهْرِي رَمَانِي بِالرَّزَايَا بِكُلِّ غَالِي شَتَّتَ أَوْلادِي عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي ما أَشُوفْ سَاعَة مِنَ الْحُزْنِ مِرْتَاحْ بَالِي وَأَعْظَمْ عَلَيَّ لَوْنِ عَيْنِي عَلَى الْحُسَيْنِ
آه وفاطمتاه وسيدتاه وبنت رسول الله.
نسألك اللهم وندعوك باسمك العظيم الأعظم الأعز الأجل الاكرم يا الله، اغفر لنا ذنوبنا، كفر عنا سيئاتنا، آمنا في أوطاننا، لا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، ولا تفرق بيننا وبين محمد وآله طرفة عين. احفظ اللهم إخواني السامعين فرداً فرداً، اقض حوائجهم، واشف مرضاهم لا سيما المرضى المنظورين ومن أوصانا بالدعاء. وتقبل اللهم عمل المؤسسين بأحسن القبول إلى أرواح أمواتهم ومواتى السامعين، نهدي ثواب الفاتحة تسبقها الصلوات.