كيف تم تغييب نهضة الحسين عن الأمة ؟

٣ محرم ١٤٤٨ هـ | ١٩-٠٦-٢٠٢٦

كيف تم تغييب نهضة الحسين عن الأمة ؟
00:00 --:--

كيف تم تغييب نهضة الحسين عن الأمة؟

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك وعلى ابن عمك أمير المؤمنين وعلى أهل بيتك الطاهرين صلى الله عليك يا سيدي ويا مولاي يا أبا عبدالله الحسين.. ما خاب من تمسك بكم وأمن من لجأ إليكم يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما.

روى شيخنا الصدوق -أعلى الله مقامه- في كتابيه علل الشرائع والأمالي، بسنده إلى جبلة المكية، قالت: سمعت ميثم بن يحيى التمار يقول: "والله لتقتلن هذه الأمة ابن نبيها في المحرم لعشر يمضين منه، وليتخذن أعداء الله ذلك اليوم يوم بركة، أعلم ذلك بعهد عهده إلي أمير المؤمنين عليه السلام. قالت: فقلت له فكيف يتخذونه يوم بركة قال لحديث يضعونه أنه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم واستوت فيه سفينة نوح وفلق البحر لموسى بن عمران وبني إسرائيل" صدق سيدنا ومولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.

حديثنا في هذه الليلة -بعون الله- يكون بعنوان: كيف تم تغييب قضية الحسين عن الأمة الإسلامية؟ وما هي الأساليب والطرق التي اتبعت في سبيل ذلك؟

ومن المعلوم أننا لا نحيط بجميع الأساليب والطرق ولكن بمقدار ما يتسع الوقت نتعرض إليه ومن هذا الباب إن شاء الله ينفتح للإخوة المؤمنين الواعين وللأخوات المؤمنات ينفتح أبواب كثيرة.

افتتحنا هذا المجلس بحديث رواه الشيخ الصدوق، صاحب كتاب من لا يحضره الفقيه وأحد المشايخ الثلاثة العظام الذين ألفوا الكتب الأربعة التي عليها مدار الاستنباط عند الفقهاء، غير من لا يحضره الفقيه اللي هو كتاب فقهي، الشيخ الصدوق كان مبارك الانتاج.. لعل من الموجود من كتبه الى الآن نحو سبعين عنوانا من العناوين، واحد منها: علل الشرائع.. يعني: لماذا حصل هكذا؟ توجيه للأسباب التي شرع فيها هذا التشريع أشبه ما نقول اليوم بفلسفة الأحكام، وعنده كتاب آخر بعنوان الأمالي.. أمالي مثل مجالس يجي يقعد في المجلس ويتحدث فيستمع كلامه ويدون. في هذين الكتابين ذكر بسنده إلى امرأة اسمها جِبلَّة أو جَبَلَة والأصح جِبِلَّة المكية وهي تروي عن مِيثم ابن يحيى التمار المشهور في الألسنة مَيثم بفتح الميم ولكن الأصح من حيث اللغة هو بكسر الميم باعتبار أنها مصدرها وَثَم ومُوثِم وتنقلب الياء فتكون الميم مكسورة. على كل حال.. المشهور بفتح الميم ولكن في اللغة قالوا بكسرها، ومِيثم معناها حسب التعبير اللي قدامه يكسره يدق الأشياء يحطم الأشياء، وَثَم الشيء يعني حطمه وكسره.

مِيثم التمار اختصه أمير المؤمنين عليه السلام من جملة من اختص بعلم المنايا والبلايا وإخبارات المستقبل كما اختص حبيب ابن مظاهر مثلا وغيرهما، وهذه قضية أخبار المستقبل مو كل واحد يقدر يتحملها لابد أن يكون عنده استقرار إيماني واطمئنان نفسي، أخبره عن مقتله هو، وكيفية مقتله بالتفصيل، وأخبره أيضا أن هذه الأمة تقتل ابن نبيها، أي الحسين عليه السلام. وفوق هذا ستتخذ -هذا طبعا لابد أن يكون قبل سنة أربعين، قبل سنة شهادة أمير المؤمنين.. فقدامنا على الأقل واحد عشرين، اثنين وعشرين سنة قبل وقوع الحدث- مِيثم بقي إلى قبل عشرين يوم من شهادة الحسين يعني استشهد مصلوبا مقتولا بيد كما قال الإمام ابن الأمة الفاجرة ابن زياد، قتله وصلبه وأمر بقطع لسانه في قضية مفصلة في شهر ذي الحجة سنة ستين. قبل شهادة الإمام الحسين بعشرين يوم، عشرين ذي الحجة يكون مقتله سلام الله عليه ورضوان الله عليه.

فيقول هذا الكلام: أن هذه الأمة تقتل الحسين وهو ابن بنت نبيها، فوق هذا تتخذ يوم قتله يوم بركة، تتبرك بهذا اليوم. كلكم حافظين زيارة عاشوراء: "اللهم إن هذا يوم" شنو "تبركت به بن أمية وابن آكلة الأكباد" فالإمام يخبره من ذاك اليوم.. هذه ما تتعقل المرأة الراوية من ميثم هذا الكلام.. اشلون يقتلون الحسين! وفوق هذا يتخذونه يوم بركة! كيف يصير هذا.. ما معقول! فأخبرها ميثم أنهم يضعون أحاديث عن رسول الله يربطون فيها بين هذا اليوم، يوم عاشوراء، وبين كل البركات اللي حصلت للأنبياء، حصلت في هذا اليوم: متى نجا إبراهيم من النار؟ يوم عاشوراء. متى نوح خلص من الطوفان ورست به السفينة على الجودي؟ يوم عاشوراء. متى انفلق البحر لبني إسرائيل وموسى؟ يوم عاشوراء. متى قبل الله توبة داود؟ (خر راكعا وأناب) فتاب الله عليه بعد ذلك. متى هذا صار؟ يوم عاشوراء فلأجل أن يجعلوا هذا اليوم يوما مباركا يربطون بينه وبين حوادث الأنبياء كلها، وأن البركات والخيرات والانتصارات اللي صارت للأنبياء كانت في هذا اليوم. بمعنى آخر: وما حصل من انتصار بني أمية وقتل الحسين أيضا ضمن هذا السياق، يصير شنو؟ يوم مبارك.

من الأساليب التي اتبعها واتخذها الاتجاه الأموي، غير ما ذكرنا في ليلة مضت من أنهم غيروا المصادر وبدلوها إلى مصادر كاذبة ومختصرة ومبتسرة، وغيبوا المصادر الأصلية التي فيها حقائق ما وقع على الحسين وأهل بيته.. هذا أسلوب تقدم الحديث عنه. أيضا اشتغلوا على صعيد الأفكار بحيث يدينون نهضة الحسين عليه السلام إلى الآن كتب من علماء الاتجاه الأموي يجي يقول لك: ولم يكن في خروج الحسين إلا كل شر. ما حصل فيه خير لا إله ولا إلى الأمة وإلى الإسلام! وإنما أولا هذا خروج والخروج نفسه هذا -في الاصطلاح الديني- يعني: نهضة باطلة ضد حاكم عادل. فهم يقولون: خروج الحسين بهذا المعنى.. خرج على إمام زمانه. ولقد تمثل هذا الدور بأسوأ ما يمكن -معبرا عن هذا الاتجاه- الفقيه المالكي ابن العربي، ابن العربي عندنا: محي الدين، اتجاه عرفاني وما شابه، مو هذا. أكو ابن العربي المعافري في المغرب كان.. مالكي المذهب، وهذا نصب نفسه مدافعا عن السلاطين بالذات بني أمية، ووقف في وجه كل من خالفهم. وقال: إن الحسين عندما خرج على إمام زمانه فقد قتل بسيف جده. النبي يقول: لازم يقتل الحسين -كما كذب هذا القائل: لأن النبي يقول: "من جاءكم وأمركم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان" وهذول التزموا بهذا الحديث، فقتلوا الحسين. ومقتل الحسين أمر عادي وطبيعي ولو تكرر في هذا الزمان نسويه.

غير هذه الأفكار، وهي باب واسع جدا، أتحدث عن جهتين هذه الليلة، الجهة الأولى: اتخاذ يوم عاشوراء عيدا في المناطق المسلمة التي خضعت لسيطرة وتأثير الاتجاه الأموي. والأمر الثاني: إشاعة التعبد بصوم يوم عاشوراء، واللي هذا صار تقريبا حالة عامة في مدرسة الخلفاء. وكلاهما باطلان من الناحية الشرعية، وكلاهما -بعلم وبغير علم- ضدية للحسين عليه السلام ونكاية برسول الله محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد.

نجي إلى القسم الأول: من البدايات، بنو أمية ثم بنو العباس اتخذوا يوم العاشر يوم بركة يوم عيد يوم فرح يوم سرور وكما ذكرنا هذا ميثم ناقلا عن أمير المؤمنين عليه السلام قبل حصول الحادثة بأكثر من عشرين سنة! أنه سيتم اتخاذ هذا اليوم يوم عيد يوم تبرك يوم فرح يوم سرور يوم توسعة على العيال. الإمام الصادق عليه السلام، الإمام الباقر، في زيارة عاشوراء، هذا على الرأي الذي يقول بأن زيارة عاشوراء هي رواية باقرية، وإلا أكو هناك رأي آخر يذهب إليه علماء بأن زيارة عاشوراء هي حديث قدسي وهدية ربانية وضمان إلهي لمن زار هذه الزيارة، وهذا لعلنا نتحدث عنه بعد العشرة الأولى، إن شاء الله.

في هذه الزيارة، يقرر حالة موجودة: هذا اليوم يوم عيد اتخذه بنو أمية، يوم بركة اتخذه بنو أمية؛ مما يعكس وجود هذه الحالة في زمان الإمام الصادق عليه السلام، مع أن بني أمية في زمانه قد انتهت أيامهم، لاسيما في أواخر أيامه صلوات الله عليه. لكن اتخذ كطريقة وأسلوب. والمقريزي في كتابه الخطط المعروف بالخطط المقريزية، هذا مؤلف غير شيعي، في مصر، كان يتحدث عن أن أهل الشام، في زمان عبد الملك ابن مروان، كانوا قد اتخذوا يوم عاشوراء يوم بركة وعيد وتوسع على العيال وتوزيع للحلويات، هذا في زمان عبد الملك، لنفترض في زمان يزيد واضح الأمر.. لما دخلوا إلى الشام والأعياد والاحتفالات اللي صارت.. لا زمان عبد الملك متأخر سنوات كثيرة عن هذه السنة. لما جاء العباسيون أيضا؛ نكاية بأهل البيت عليهم السلام؛ لم يقضوا على هذه السنة الخبيثة؛ مناكفة للبيت العلوي ولا سيما في الشخصيات اللي كان عندها نوع من أنواع العداوة لأهل البيت عليهم السلام من خلفاء العباسيين.

غير أن الأمر اللي صار سياسة عامة، حدث في بلاد المغرب كله وبلاد مصر والشام.. وذلك في زمانين، بعد انتهاء الدولة الفاطمية في مصر ومجيء الدولة الأيوبية، ورئيسها كان صلاح الدين الأيوبي؛ لأنه قضى على كل حالة شيعية في مصر وفي بلاد الشام.. وإلا الرجل ما كان إليه أي أثر من الآثار الصالحة: انهزم أمام الصليبيين ووو إلى آخره..  اللي يريد يقرأ يقرأ كتاب سيد حسن الأمين رحمة الله عليه، ابن سيد محسن الأمين، عن صلاح الدين وعن الأيوبيين، شيء حسب التعبير، ما أبقى له سترا!

زين، ليش إذن صلاح الدين اليوم، في كل مكان اسمه، تماثيله، الكتب عنه، كذا كذا... لأنه استطاع أن يكنس -هذا التعبير دقيق- أن يكنس كل أثر للتشيع في بلاد مصر والشام اللي سيطر عليها. اللطيف: هو كان واحد من غلمان الفاطميين ونمى عندهم وترقى في العسكر مالهم، وما كانوا يميزون بين هذا الشيعي وهذا السني، وهذا من جماعتنا وهذا كذا... فاستغل ذلك وشوي شوي إلى أن سيطر على الوضع وعزل الخليفة الفاطمي، وشرع بعد ذلك بتغيير كل مظهر من مظاهر التشيع في مصر وفيما والاها. يذكر هذا المقريزي، قلت أنا: أستشهد به لأنه مو شيعي يعني حتى يكون متهم، قال: وجاء دور بني أيوب أيام صلاح الدين فألغوا ما كان عند الفاطميين من مراسم الحزن في أيام عاشراء، ومن إقامة استرادقات -خيام للنياحة على الحسين- ألغى ذلك كله ومنع منه وجعل طعاما جديدا بأسماء مختلفة بعضها: عيشورية، بعضها ما أدري كذا.. توزع بعنوان: الفرح والابتهاج في هذا اليوم. وأمر بأن يجلس الوزراء وهو.. لاستقبال الناس باعتبار أن هذا اليوم يوم عيد يوم مبارك. ما يقدر يقول مباشرة؛ لأنه قتل فيه الحسين بن علي، ولكن قالوا لأن الله نصر موسى ونصر عيسى ونصر داود ونصر آدم ونصر ما أدري منو.. فإحنا قاعدين نحتفي بهذا.. ورح نتحدث عن موضوع صوم عاشوراء بعد ذلك.

فجرّت هذه القضية إلى بلاد مصر وسائر بلاد الشام، صار هذا اليوم يوم عيد يوم زينة.. صارت أكلات خاصة في هذا اليوم تطبخ، ويتنوّق فيها.. ويحسّن الطعام فيها، وتوزع الحلويات، ويؤمر الآباء بإلباس أبنائهم ملابس الزينة، ويتزاورون! هذا مهرجان فرح...! طيب ليش؟ لكي تبقى هذه الحالة، الناس بعدين يصير عندهم حالة موجودة إلى اليوم.. تدري؟ إلى اليوم هذا الشيء موجود.. الآن أنت أي بحث تسوي إلك في الانترنت أنه عاشوراء في هذه البلاد كيف يكون؟ يقول لك: هذاك الصوب!

نفس الكلام فعله السلاجقة الأتراك بعد قضائهم على البويهيين الشيعة الذين كانوا في بغداد. وفي سنوات قريبة أيضا، نفس الكلام ونفس الترتيب ونفس الأسلوب. فهنا لديك العراق وما ولاه، لديك مصر والشام وسط العالم الإسلامي، لديك بلاد المغرب كلها بما يشمل ليبيا الحالية والجزائر وتونس والمغرب الخاص ، هاي كلها بلاد المغرب كان يسيطر عليها الأدارسة. الأدارسة هم سادة من نسل الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، في قصة مفصلة كيف استولوا على بلاد المغرب، بعد قضية فخ وشهادة شهداء فخ.. صاروا وراحوا إلى هناك واشتغلوا وكذا.. وحديث مفصل، تحدثنا قبل -ربما- سنتين أو ثلاث سنوات عن موضوع التشيع في المغرب العربي وتاريخه، فتأسست دولة الأدارسة.

دولة الأدارسة أيضا كانت بحكم انتمائها النسبي أولا، وانتمائها المذهبي ثانيا؛ لأن فيه رأيين حول الأدارسة هل هم شيعة إماميون كما يذهب إليه بعض الباحثين أو أنهم لا.. شيعة زيديون. بس كلا الفريقين -لا شك- يتعامل مع محرم وعاشوراء بطريقة الحزن والنياحة على أبي عبد الله الحسين.

جاء وراءهم عدد من الدول منهم الأغالبة، منهم المرابطون، ولا سيما المعروف: المعز ابن العز ابن باديس الصنهاجي. خلى أبين إلك ملاحظة، أنت إذا شفت واحد معظم جدا في كتب التاريخ المخالفة، روح دور شسوه هذا بشيعة أهل البيت.. اتشوف العنصر الاكبر لتمييزه على غيره ورفع شأنه واعلاء منزلته هو: دوره في القضاء على ما يرتبط بالتشيع. وهذا الرجل واحد منهم: العز ابن باديس الصنهاجي، قريب من ٤٨ سنة حكم بلاد المغرب، وهذا قضى قضاء تاما على كل أثر للتشيع هناك، وحارب من كان يقيم العزاء في تلك البلاد. وهذا ينقلون.. يقول لك أنه مرة ذات يوم الظاهر يوم عاشوراء أو أيام محرم.. فرأى جماعة مجتمعين في ذلك المكان، بالتالي جماعة يتذاكرون مآثر ومآسي الحسين عليه السلام، فسأل شنو هذولة؟ قالوا له: هذولة يسبون الصحابة! عجيب! يسبون الصحابة! هاي بعد اللافتة الدائمة! فأمر بقتلهم جميعا! شوف العدالة شلون.. شوف الإنصاف شلون.. لا تأكد لا تبين لا تحقق.. قتل مو واحد ولا اثنين.. مجموع! زين فاتخذ من ذلك الوقت حتى يتغير هذا الأمر، اتخذ ذلك اليوم يوم فرح وسرور إلى الآن. قلت لك أنا ما أطول عليك في هذا.. اكتب عاشوراء في المغرب العربي، أي محرك بحث.. شوف شنو يطلع لك.. شوف! رح يطلع لك دمى وألعاب و"بابا عيشور"  كما يقولون، يعني مثل مهرج أو كذا وطبل ودق ورقص.. زين والنساء يتزين والأطفال والحلويات تباع والأكلات الخاصة بهذا اليوم؛ باعتبار أنه يوم من أيام الفرح والسرور.

زين الجيل الأول ممكن أن يعني يبقى في ذاكرته أنه ترى أيام قبل كانوا يعزون كانوا كذا.. الآن تغير الجيل الثاني ما يعرف.. الجيل الثالث.. من سنة ٤٥٠ هجرية إلى الآن.. خلص.. بعد هذا المنهج الجديد في اتخاذ عاشوراء عيدا ومحل بركة وسرور وزينة وغير ذاك.. هذا بعد يصير في الأخير .. أنت لو جيت إلى شباب أو اطفال أو نساء أو كذا وتخيرهم بينهم تعال البس ثياب سودة وعزي وابكي أو لا.. تعال العب وكل أكل زين وما ادري كذا وفرفش.. من الطبيعي أن المجتمع يتجه بذلك الاتجاه. فأنت تلاحظ: في شرق العالم الاسلامي، وسط العالم الاسلامي، غرب العالم الاسلامي.. جاءت جهات وسلطات غيرت المنحى الذي كان عليه المسلمون من الحزن على ابن بنت رسول الله والنياحة عليه والبكاء، تغيرت إلى أعياد أفراح مسرات عادات جديدة تقاليد كثيرة، ما نقدر نتعرض إلى تفاصيلها الآن.. يطول بنا المقام.

هذا الطريق الأول الذي سلكه الاتجاه الأموي وفُرض على المسلمين بعامل القوة أولا ثم بعامل التكرار والزمان ومرور الأيام والقرون. أما العامل الثاني فنذكره بعد الصلاة على محمد وآل محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد.

اتخذ طبعا -مو كل الناس يفرفشوا إلى آخره- من الممكن أن رجال مثلا متعبدون شيبة، ما يناسب لهم.. فماذا نصنع لهؤلاء متدينون.. نقول لهم لا.. هذا اليوم كان محل نزول البركات على الأنبياء كلهم ولذلك شكرا لله نحن نصوم هذا اليوم. نصوم لأن موسى بن عمران انتصر على فرعون.. نصوم لأن نوح نجا من الطوفا، نصوم لأن الله قبل توبة آدم، نصوم لأن سائر الانبياء حصلت إليهم مثل هذه الأمور الاستثنائية. فيستاهل الله الواحد يحمده يستاهل الله الواحد يشكره.. اشلون؟ بأن نصوم في ذلك اليوم.

لما واحد يكون ذكي يقول: زين يتبين إذن انتصار بني أمية على الحسين، موبعيد عن هالشكل، مادام هذا يوم مبارك، يوم فيه الانتصارات الإلهية، البركات الربانية، فهذا من ذاك. فجعلت أحاديث وروايات في اتجاه صوم يوم عاشوراء، بعنوان البركة، بعنوان الشكر لله على نعمه، وعلى نصره أنبياءه. احنا المسلمين -خارج دائرة أهل البيت- نصوم هذا اليوم. لذلك مع أن أصل الصوم، أصل الصوم عبادة من العبادات العظيمة "الصوم لي وأنا أجزي به أو أجزى به" هلقد عظيم الصوم. لكن موقف أئمة أهل البيت عليهم السلام كان موقفا شديدا تجاه القيام بهذا الصوم؛ لماذا لأن فيه رسالة، فيه مضمون، ينتهي إلى أن انتصار بني أمية على الحسين ومقتل الحسين، هذا كان من نعم الله على الأمة فانت ما لازم تحيي هذا اليوم بهذا المعنى. ذاك يريدك تصوم حتى يعبئ الأمة بهذا الاتجاه! أنت المفروض ما تسوي هالشكل.

ولذلك وردت عندنا روايات ناهية عن هذا الأمر، اللي يريد تفصيل .. كثير كتب كتبت في هذا الباب، حول موضوع صوم يوم عاشوراء والروايات الواردة فيه من طرق القوم والرد عليها وما ورد من طرق أهل البيت.. ومن أفاضلها، من أفضل هذه الكتب: صوم عاشوراء بين البدعة الأموية والسنة النبوية، آية الله الشيخ الطبسي. وهناك كتاب آخر، أيضا كتاب مهم وجدير بالقراءة، لآية الله الشيخ جعفر السبحاني، أطال الله عمرهما، بعنوان: صوم يوم عاشوراء، موجود على الانترنت لمن أراد الاطلاع.

في بعض روايات الأئمة عليهم السلام، يقول فيها: أنه -كما عن الإمام الرضا- أن هذا يوم -يعني يوم عاشوراء- يوم يتشأم به آل محمد، فمن صامه فحظه حظ ابن مرجانة وآل زياد" اللي يصومه يحصل نصيب ابن مرجانة عبيد، يصير نصيبه نصيب آل زياد. يقول الراوي فسألته: وما حظه في ذلك؟ "قال: النار" يعني وش تبغي يعني.. يحصل ابن زياد! فمن صامه بعنوان التبرك من فجره الى مسائه، هذا سيعطي رسالة: هذه الرسالة هي رسالة باطلة، رسالة أموية، بدعة أموية، أرادوا أن يعبئوا الجو الاسلامي على كل المستويات، أطفال خليهم يلعبوا.. زينة أكل فرفشة لعب، مو أطفال.. كبار في السن متعبدون: تعالوا صوموا، بعنوان أن هذا اليوم يوم من أيام البركة والعطاء الإلهي.

الإمام عليه السلام أمير المؤمنين يشير إلى ميثم التمار، بأنهم يتخذونه عيدا يتبركون به؛ حتى يصير حالة عامة في المجتمع، وفي البداية لا يكون هناك ربط.. يقولوا داود ونوح وموسى وعيسى وحزقيل وما ادري منه وفلان .. ولكن في الواقع، هم يريدون أن يربطوا بين شهادة الحسين ومقتله وبين أن الناس يشكرون الله على ذلك، ويفرحون بمثل هذا الأمر.

وحسب الرواية هذه، الإمام أمير المؤمنين يقول لمِيثم او مَيثم يقول: أنه هؤلاء سيضعون أحاديث في هذا الباب حتى يقنع الناس.. وسوف ترى الآن يجي قدامك أيام عاشوراء، يوم عاشوراء، حول استحباب صوم عاشوراء. ليش؟ يقول لك: النبي قال احنا أولى بموسى من بني إسرائيل فاحنا لما انتصر هاليوم، نصوم. النبي في كتبكم: حزن على مقتل الحسين قبل حصول المقتل بنحو خمسين سنة من الزمان، وبكى وأبكى من كان حاضرا معه بروايات لا يمكن لأحد ردها. زين فشمعنى أنت تروح تدور على فرح موسى بن عمران وتترك حزن رسول الله محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد

"ولو كان خيرا ما سبقونا إليه" لو كان هذا الأمر صالحا وصحيحا لكان علي سابقا وكان الحسنان سابقين إلى مثله وكان أئمة الهدى عليهم السلام. لكن القضية كانت ضمن هذا الإطار، هذا أحد الأساليب وأحد الطرق في تغييب نهضة الحسين: إما بدق الدفوف والطبول والزينة وما شابه ذلك وإما بالاطعام والمكسرات ولباس الزينة والتعيد وما شابه ذلك أو بالنسبة إلى الكبار والفئة الكبيرة من السن مشغولين بالصوم باعتبار أنه شكر لله على هذا اليوم وعلى هذه المناسبة.

فمرت الأجيال سنوات وراء سنوات قرون وراء قرون، أصبحت هذه الأمة في أكثرها كما ذكرنا في ليال مضت في أكثرها ترى يوم عاشوراء.. أولا لا ترى قضية الحسين قضية ينبغي أن تستذكر. وإذا أريد استذكار عاشوراء فإنما يستذكر بطريقة الفرح والسرور والأهازيج والأناشيد واللعب والحفلات وما شابه ذلك. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

هذا يبين مسؤولية المؤمنين من شيعة أهل البيت في التبليغ والبيان، من يمتلك القلم عليه أن يفعل ذلك وأن يكتب، من يمتلك اللسان عليه أن يتحدث، من يمتلك المال عليه أن يبلغ، من لا يمتلك هذا.. يمتلك التقنية اللازمة في أمور الانترنت.

ذكر الدكتور عبدالجبار الرفاعي في كتابه معجم ما كتب عن الرسول وأهل بيته أن العدد المكتوب عن الإمام الحسين مما وصل اليه هو بمختلف اللغات يصل الى ٣٢٠٠ عنوان، هذا اللي وصل إليه.. مو معلوم أن هناك اضعاف من هذا لم يصل إليه بعض الكتب هم كدائرة المعارف الحسينية حوالي مئتين مجلد مطبوع إلى الآن وقد تصل إلى خمسمية وستمائة مجلد ويستاهل الحسين عليه السلام.

ولكن أين من ينشر هذا؟ كم من هال ٣٢٠٠ كتاب هو موجود على الانترنت؟ كم كتاب -أنت أيها الشاب أنت أيها الشابة أنت أيها الأخ تقدر تنزل كتاب عن الحسين على الانترنت ولا تصنع ثق أنك مقصر في حق الحسين. أنا المتحدث أقدر أتكلم ما أتكلم ثق أني محاسب يوم القيامة. أخجل أباوع في وجه الحسين عليه السلام أنا صاحب مال ما عندي قدرة كتابة ما عندي قدرة نشر.. بس أقدر اعطي مالا لمن ينشر .. لماذا لا أصنع ذلك حتى لا يبقى يوم الحسين عليه السلام اللي أقرح جفون أهل البيت عليه السلام يصير يوم مسرحيات ويوم فرح ويوم طبول ويوم عيد ويوم كذا. ونحن بإمكاننا شيعة أهل البيت بطريق من الطرق أن نخفف هذا الأمر. إذا ما تقدر تلغيه خفف منه.. أشعل شمعة واحدة مما تستطيع. خلي في برنامجك في حياتك أن تخدم الحسين عليه السلام بنشر سيرته وفضائله ونهضته وأموره صلوات الله عليه.

وله حق علينا الحسين، ضحى بالغالي والنفيس من أجل هداية هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه. بينما كل الناس يحجون إلى مكة المكرمة آمنين مطمئنين وإذا بالحسين عليه السلام لا يشعر بالأمان

لبيك يا ربي أنا خايف ... وكل الناس مأمونة

الحسين عليه السلام يقطع حجه.. كان مفروض يحج هذه السنة.. لكن على أثر هذه المؤامرة الأموية ومحاولة اغتياله صلوات الله عليه وهتك حرمة البيت أيضا وهذي سابقة خطيرة، ما يريد تقع الإمام الحسين عليه السلام.. على أثر ذلك قرر أن يخرج من مكة المكرمة باتجاه كربلاء فجاء إلى الناس.. قيل في يوم الثامن وقيل ليلة الثامن، وخطب في الناس تلك الخطبة التي تحفظونها، وقال: "أيها الناس خط الموت على ولد ادم مخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم رضى الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه فيوفينا أجور الصابرين لن تشذ عن رسول الله لحمته بل هي مجموعة له في حضيرة القدس تقر بها عينه وتطمئن بها نفسه ألا وأني خارج بهذه الفتية غدا مصبحا إن شاء الله"

ودع البيت والمقام والمشعر الحرام وكأني بمكة وأطرافها والبيت وأكنافه كل ينادي: في أمان الله يا ابن رسول الله في امان الله يا ابن حجة الل.ه رجع الامام إلى مضاربه ومنزله فأقبل عليه محمد ابن الحنفية قال: أخي أبا عبد الله ألم تعدني أن تعيد النظر في أمر خروجك. قال: يا محمد إني رأيت جدي رسول الله في المنام وهو يقول لي إن لك مقاما في الجنة لا تناله إلا بالشهادة.

جاءه ابن عباس، حاول أن يثنيه عن حركته خوفا عليه وإشفاقا على أهله، فقال له الإمام الحسين عليه السلام: لو كنت في أي مكان من الأرض لاستخرج بنو أمية هذه العلقة من جوفي. يعني لا يتركني هؤلاء وإنما يسعون في قتلي وسفك دمي وإني خارج لأمر الله عز وجل. فقال له ابن عباس: فما حملك هذه النسوة؟ قال: شاء الله أن يراني قتيلا وشاء أن يراهن سبايا. قال أبا عبد الله اتركهن في مكة ونحن نردهن إلى المدينة.

سمعت زينب أبي وأمي من داخل الخيام، سمعت محاولات ابن عباس أن يثنيه عن أخذها وأخذ باقي النساء فصاحت بصوتها: ما لك يا ابن عباس ولنا اتركنا مع الحسين، نحيا بحياته ونموت بمماته.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
الفاضلة أمجاد عبد العال
إعداد وتحرير

إجمالي المساهمات: ١

أرشيف المحرر
البحث في الموقع
الأكثر قراءة