فَهَذَا يُقَوِّي النَّفْسَ اللَّوَّامَةَ وَيَحْفَظُ الْإِنْسَانَ مِنَ الِانْحِرَافِ. هَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى لِلْقُرْآنِ؛ رَبْطُ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى بِالْقِيَامَةِ الصُّغْرَى «الضَّمِير». الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِتْيَانُ بِنَمَاذِجَ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، ثُمَّ يَقُولُ: {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}. اللَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَلَا يُقَاسُ عِنْدَهُ الْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}. وَعِنْدَمَا يَقُولُ: {كُنْ فَيَكُونُ} أَوْ {كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} فَهُوَ يُقَرِّبُ الْمَعْنَى لِعُقُولِنَا. مِنَ الْأَمْثِلَةِ فِي الْقُرْآنِ قِصَّةُ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ مَاطَلُوا وَتَذَمَّرُوا، ثُمَّ لَمَّا ذَبَحُوهَا قَالَ تَعَالَى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا * كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى}. مَا الرَّابِطُ بَيْنَ ضَرْبِ الْمَيِّتِ بِجُزْءٍ مِنْ بَقَرَةٍ وَعَوْدَتِهِ لِلْحَيَاةِ؟ لَا رَابِطَ ظَاهِرِيًّا، وَلَكِنَّهَا قُدْرَةُ اللَّهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا يَحْدُثُ بِأَمْرِهِ، أَفَيَعْجِزُهُ أَنْ يَبْعَثَ الْخَلَائِقَ بِنَفْخَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الصُّورِ؟ مِثَالٌ آخَرُ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ قَالَ: {رَبِّ أَرِنِي
كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى}، فَأَمَرَهُ بِخَلْطِ أَجْزَاءِ الطُّيُورِ وَتَفْرِيقِهَا عَلَى الْجِبَالِ، ثُمَّ دَعَاهَا فَجَاءَتْهُ سَعْيًا بَعْدَ أَنْ تَجَمَّعَتْ وَتَرَكَّبَتْ مِنْ جَدِيدٍ. وَمِثَالٌ مِنَ الطَّبِيعَةِ: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ… إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى}. وَكَذَلِكَ قِصَّةُ عُزَيْرٍ الَّذِي أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ، فَبَلِيَ حِمَارُهُ وَبَقِيَتْ أَطْعِمَتُهُ وَشَرَابُهُ دُونَ أَنْ تَتَغَيَّرَ «لَمْ يَتَسَنَّهْ»، لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى. الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: الْقِيَاسُ؛ فَالْإِعَادَةُ أَهْوَنُ مِنَ الِابْتِدَاءِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ}، وَقَوْلِهِ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}. لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ قِيَامَةٌ وَحِسَابٌ بِحُكْمِ الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَهَذَا مِنْ لُطْفِ اللَّهِ، لِكَيْ يَعْتَدِلَ أَمْرُ الْإِنْسَانِ فِي دُنْيَاهُ خَائِفًا مِنْ أَهْوَالِ الْمَحْشَرِ وَنَارِ جَهَنَّمَ الَّتِي تُبَدَّلُ فِيهَا الْجُلُودُ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ، وَيَخْشَى مِنِ افْتِضَاحِ مَلَفَّاتِهِ عَلَى رُؤُوسِ
الْأَشْهَادِ أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَلَيْنَا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، وَلَا تُؤَاخِذْنَا بِسُوءِ أَعْمَالِنَا وَتَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِفَضْلِكَ. يَا رَبِّ، لَيْسَ لَدَيْنَا طَاقَةٌ لِلْحِسَابِ، نَحْنُ أُنَاسٌ نَمْتَلِكُ وَجْهًا حَسَنًا أَمَامَ النَّاسِ، فَكَيْفَ بِنَا لَوِ انْكَشَفَتِ السَّرَائِرُ؟ أَمَلُنَا فِي رَحْمَتِكَ كَبِيرٌ وَبِشَفَاعَةِ الْمَعْصُومِينَ أَعْظَمُ، فَلَيْسَ لَدَيْنَا زَادٌ سِوَى وَلَائِنَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ. وُفِدْتُ عَلَى الْكَرِيمِ بِغَيْرِ زَادٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَالْقَلْبِ السَّلِيمِ. يَوْمُ الْقِيَامَةِ هُوَ يَوْمُ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَفِيهِ يُؤْخَذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، حَتَّى يُنْتَصَفَ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا، وَمَعْنَى «اغْفِرْ» أَيْ غَطِّ وَاسْتُرْ. إِذَا اسْتَغْفَرَ الْعَبْدُ، يُمْهِلُهُ مَلَكُ السَّيِّئَاتِ سَبْعَ سَاعَاتٍ، فَإِنْ تَابَ مُحِيَتْ وَلَمْ تُسَجَّلْ، وَإِنِ اسْتَغْفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، مُحِيَتْ مِنَ الصَّحَائِفِ وَأُنْسِيَتْ مِنْ ذَاكِرَةِ الْمَلَكِ الْمُحَاسِبِ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ الْغَفُورِ الرَّحِيمِ. يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْتِي
هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقُ وَالظَّلَمَةُ يَتَصَبَّبُونَ عَرَقًا وَخَجَلًا. وَلَا بُدَّ أَنْ تَرِدَ الْقِيَامَةُ فَاطِمَةُ (ع) لِتَأْخُذَ حَقَّهَا وَحَقَّ وَلَدِهَا: لَا بُدَّ أَنْ تَرِدَ الْقِيَامَةَ فَاطِمٌ وَقَمِيصُهَا بِدَمِ الْحُسَيْنِ مُلَطَّخٌ، وَيْلٌ لِمَنْ شُفَعَاؤُهُ خُصَمَاؤُهُ وَالصُّورُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ يُنْفَخُ. وَرَدَ فِي الرِّوَايَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نَجِيبٍ مِنْ نُجُبِ الْجَنَّةِ، فَيُنَادِي الْمُنَادِي: «يَا أَهْلَ الْمَحْشَرِ، غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ عَنْ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ حَتَّى تَجُوزَ إِلَى الْمَحْشَرِ». فَتَتَوَسَّطُ الْمَحْشَرَ، وَتُخْرِجُ قَمِيصًا مُخَضَّبًا بِالدِّمَاءِ وَتَقُولُ: «يَا رَبِّ، مَا ذَنْبُ وَلَدِي الْحُسَيْنِ حَتَّى قُتِلَ؟ هَلْ أَخَذَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا؟ هَلْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدًا؟» وَتَنْثُرُ شِكَايَتَهَا وَتُزَلْزِلُ الْمَحْشَرَ بِصَوْتِهَا: وَقَفَتِ الزَّهْرَةُ الْحَزِينَةُ تُنَادِي يَا رَبِّ الْقَوْمِ ضِلْعِي كَاسِرِينَهْ هَجَمُوا عَلَيْنَا الدَّارَ عُدْوَانِي وَوَلُّونِي قَادُوا عَلَيَّ بِحَمَّالِ سَيْفِهِ وَسَقَطُونِي وَنِحْلَةَ أَبُوي تَنَاهَبُوهَا وَاطْرُدُونِي هَجَمُوا عَلَيْنَا بِدَارِنَا
وَلَا رَاقَبُونَا وَتُبْدِي الشِّكَايَةَ وَالدَّمْعُ بِالْخَدِّ مَذْرُوفٌ بِالْحَالِ تَرْفَعُ طِفْلًا بَيْنَ إِيدَيْهَا مَلْفُوفٌ وَتَصِيحُ شَيَّبَنِي يَا رَبِّي يَوْمَ الطُّفُوفِ إِيشْ سَوَّى الطِّفْلُ مِنْ ذَنْبٍ حَتَّى يُذْبَحُونَهْ مَهْجَةُ عَزِيزِي يَا حَكِيمُ بِسَهْمٍ مَذْبُوحٌ وَقَلْبُ الرُّبَابِ مِنَ الْمُصِيبَةِ صَارَ مَجْرُوحٌ مِنْ شَافَتْهُ مْغَمَّضٍ يُعَالِجُ طَلَعَتِ الرُّوحُ وَفَتَّتْ قُلُوبَ الْفَاطِمِيَّةِ. أَفَاطِمُ لَوْ خِلْتِ الْحُسَيْنَ مُجَدَّلًا… نَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ وَنَدْعُوكَ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ الْأَعْظَمِ، الْأَعَزِّ الْأَجَلِّ الْأَكْرَمِ يَا اللَّهُ. اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا، آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، لَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَخَافُكَ وَلَا يَرْحَمُنَا، وَلَا تُفَرِّقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. احْفَظِ اللَّهُمَّ إِخْوَانِي السَّامِعِينَ فَرْدًا فَرْدًا وَاقْضِ حَوَائِجَهُمْ، وَاشْفِ اللَّهُمَّ مَرْضَاهُمْ، لَا سِيَّمَا الْمَرْضَى الْمَنْظُورِينَ وَمَنْ أَوْصَانَا بِالدُّعَاءِ. وَتَقَبَّلِ اللَّهُمَّ عَمَلَ الْمُؤَسِّسِينَ بِأَحْسَنِ الْقَبُولِ. إِلَى أَرْوَاحِ مَوْتَاهُمْ وَمَوْتَى السَّامِعِينَ نُهْدِي ثَوَابَ الْفَاتِحَةِ،