الزنادقة التي يعني تأسس كمنصب في أيام المهدي العباسي وكان أي شخص يتبنى فكرا غير سليم يُعرَّض للقتل وهناك طريق آخر سلكه العلماء وهو أنهم كانوا يتناظرون ويتناقشون حتى مع هؤلاء، يُنقَل في أحوال الإمام جعفر الصادق أنه جاء إليه أبو شاكر الديصاني في الكعبة عند البيت الحرام وبدأ يقول له ما هذه الأعمال غير العُقَلائِية التي تقومون بها من الطواف ومن السعي ومن الكذا؟ ربما لو كان فيه وسط سياسي لربما كان يُقتَل ولكن أقبل عليه الإمام جعفر بحديثه وبيَّن له فلسفة هذه الأمور فرجع ذلك الرجل وهو مُقتنع بحكمة هذه الأمور، نحن نعتقد أن مثل هذه الأفكار لا تحتاج إلى سلطة سياسية تُقاومها لأن السيف لم ينتصر أبدا على فكرة ولا ينبغي تركها للمستويات الثقافية الدنيا وإنما ينبغي
أن يتناولها العلماء في مجالس الرأي في مجالس الحديث والنقاش وإلا لو تُرِكت كما حصل في بعض بلادنا الإسلامية مع الأسف حالات أشخاص يعني لا يُصنَّفون في الأفق الثقافي وإنما كما قالوا حسبة لله يأتون ليقتلوا هذا الإنسان أو يذبحوه أو يفعلوا به كذا وكذا، يَحضُرني هنا من باب الشيء بالشيء يُذكَر، أحدهم يقول دخلت في مسجد في بلد من البلدان الإسلامية فوجدت جماعة قد أحاطوا برجل وهم يوسعونه ضربا وصفعا وركلا فتعجَّبت ما هو السبب؟ فإذا بي أرى شخصا قد دخل وهو متعجل فلما رأى الجماعة يضربونه زاده ضربا بقوة، فقلت لعلّ هذا الشخص يعرف الذي جاء أخيرا ما هو ذنب ذلك الإنسان فذهبت إليه وقلت له ماذا أذنب هذا الشخص حتى تضربوه هذا الضرب الشديد؟ قال والله أنا
لا أعلم بذلك ولكن رأيت هؤلاء يضربونه فقلت لا شك أن لديهم سبب لكي يضربوه فضربته حِسبة لله ورجاء لأجره، في كثير من الحالات عندما تكون هذه القضايا الفكرية والثقافية مُتاحة لغير أهل العلم غير أهل المعرفة غير المتخصصين غير المثقفين وأنا لا أتحدث عن علماء يعني مَن يعتمرون العِمَّة لا وإنما مَن هو عارف وعالم بهذه القضايا الثقافية، ينبغي أن تُعالَج كل هذه الأفكار في تلك الدوائر لا تُترك للاستبداد السياسي لكي يتخذ إجراءً ولا تترك أيضا للحالة الاجتماعية العامة حتى تتخذ إجراءً وإلا كان ما يُفسَد من خلال ذلك أكثر مما يُصلَح. خديجة بن قنة: لكن أهل العمائم وأهل العلم هم الذين في النهاية يُمهِّدون الطريق للحكام للتعامل مع هذه الظواهر بهذه الطريقة أليس كذلك؟ فوزي آل سيف:
نعم، هذا الكلام صحيح ولكنه ليس الاتجاه الصحيح، هذا تشخيص لواقع حصل في أمتنا الإسلامية منذ فترات بعيدة عندما سمح بعض العلماء أو الفقهاء من قضية فتنة خَلْق القرآن وقِدَم القرآن وكانت يعني استفاد منها الحكام لكي يفتكوا ويبطشوا بخصومهم فلما جاء الطرف الآخر بطش بخصومه ضمن عمل سياسي، هذه اتجاهات ما كانت اتجاهات صحيحة وإلى اليوم أيضا لا تزال بعض هذه الاتجاهات قائمة ونحن نعتقد أن هذه تزيد الأمر سوءاً سواء كانت قد أتت من عالِم أو من غيره. خديجة بن قنة: فضيلة الشيخ تقولون لا يجب أن يُعامَل هؤلاء بحدّ السيوف لكن كما قلت أيضا في الواقع السيوف قطعت أعناق الكثير من هؤلاء المُفكرين وأصحاب آراء مختلفة منافِية لقِيَم المجتمع والمُقدَّسات الدينية، أين الطمأنينة هنا إلى قول الله
سبحانه وتعالى {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ}؟ فوزي آل سيف: صحيح، هو ما تفضَّلتم به من الاستشهاد بالآية أفضل دليل على أن ذلك الاتجاه ليس الاتجاه الصحيح، الاتجاه الصحيح الذي يُقرِّره الدين يقول {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ} لا إكراه سواء قلنا أن معناها يُمنَع الإكراه، يَحرُم الإكراه في الدين كما يذهب إليه بعض من نظر في هذه الآية أو قال بعض أن لا إكراه هي إخبار بحيث الدين لمَّا كان من شأن القلب والاعتقاد فلا يمكن الإكراه فيه، فالإكراه آنئذ يكون عملا عابثا عملا أحمق، أنت تستطيع أن تُكرِه إنسان في حركة يده ورجله ولسانه لكنك لا تستطيع أن تتحكم في حركة قلبه، فلا إكراه يعني لا يمكن الإكراه في الدين حتى لو أكرهته