قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)
كيف نعرف الله تعالى من كلامه سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى هو اظهر شيء وأوضح شيء على خلاف ما يعتقده البعض ان الله خفي ومجهول وغائب مع انه اقرب لخلقه ووجوده واضح لهم والله يبين ذلك بقوله ( الله نور السموات والأرض ) فالنور لابد ان يكون منير في ذاته ومنير لغيره ولو كان العكس لما كان منيرا فالمصباح ينير الطريق ولابد ان يكون النور فيه لكي ينير لغيره، فالله نور السموات والأرض ومن نوره تتنور الخلائق وتظهر الحقائق ولذلك لابد ان يكون أنور وأوضح من كل شيء وقد عبرت النصوص الدينية عن هذا المعنى عندما نقرأها ففي الدعاء المنقول عن الامام الحسين عليه السلام نقول ( متى غبت حتى تحتاج الى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الاثار هي المظهرة لك عميت عين لا تراك عليها رقيبا وخسرت صفقت عبد لم تجعل له من حبك نصيبا ) فالخلائق هي الغائبة والمجهولة في داخلها بينما الله سبحانه وتعالى فيه النور والضياء والحضور ولا يحتاج الى دليل يثبت وجوده فالله جعل في خلائقه ادله ترشدها لخالقها وما يأتي من الأمثلة والإشارة الى بعض البراهين تدل على ذلك وقد جاء احدهم يقول للإمام علي عليه السلام كيف تستدل على ربك فقال له (هل ركبت البحر قط قال بلى قال فهل كسرت بك الفلك او السفينة قال بلى قال فهل تعلق قلبك حينها حيث لا سفينة تنجيك ولا ساحل يأويك قال هل تعلق قلبك بشيء قال بلى قال فذلك هو الله) كل مخلوق وقت الضيق يتعلق قلبه بخالقه بشكل فطري لا إرادة له فيها، والله سبحانه وتعالى عرف خلقه بنفسه في عالم قبل الدنيا حينما قال الست بربكم قالوا بلى شهدنا، فالله عرف نفسه للخلائق كلها قبل علم الدنيا وقبل الدين والديانات فهو قد عرفهم على نفسه ودلهم على ذلك وشهدوا له بذلك ونطقوا بالشهادة لله بانه هو الخالق والرب ويوم القيامة لا حجة لهم فالمخلوق يحمل في فطرته اعتراف وشهادة بوجود الخالق وهو الله سبحانه وتعالى لا شريك له وهو نور السموات والأرض ومن يقول بانه لا يعرف الله فلا يؤمن به هذا الانسان يكذب فهو يعرف الله ولكنه يعصيه بنكران ذلك ومن مسؤولية الانسان ان يعرف ماذا أراد الله منه ولماذا خلقه وبما سيكافئه حين يؤمن به ومعرفة الله والايمان بوجوده هذه معرفة عامة وفطرية وشاملة لجميع المخلوقات (وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) فجميع المخلوقات من حجر وشجر ومدر وانسان وحيوان وغيرهم من المخلوقات جميعها تسبح لله وتقدسه ولكن الانسان لا يعرف كيف يسبحون وكيف يعرفون الله فكل مخلوق يعرف الله بطريقته وفطرته فكل شيء ينطبق عليه عنوان الشيئية فهو يعترف بوجود الله و يسبحه ويقدسه.
المعرفة الأولى لله هي المعرفة الفطرية
والمعرفة الثانية هي معرفة الله حق المعرفة وتأتي بعد معرفة الله معرفة فطرية وعقلية عامة فهناك تفاوت بين الناس في معرفة الله وتعامله مع هذه المعرفة فهناك من يعرف الله حق المعرفة وهناك من يعرف الله معرفة سطحية، والمطلوب من الانسان ان يعرف الله معرفة صحيحة وهذا ما جاء به الأنبياء والمرسلين والاوصياء ومن مهماتهم تعريف الناس بالله المعرفة الصحيحة وتعريفهم بصفاته وارشادهم لما يجب عليهم حيال هذه المعرفة وكيفية تطبيقها وفي طليعتهم النبي محمد صل الله عليه واله وسلم فجاء بالقرآن الكريم الذي هو كلام الله ويجب على المؤمن ان يتأمل فيه فهو كلام الله المباشر لعباده الذي يقول الله سبحانه وتعالى عنه في كتابه (لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) الانسان يتأثر بكلام من هو مثله من البشر فلما لا يتأثر بكلام الله الموجه اليه مباشرة فحينما يقرأ القرآن بالتدبر والتفكر في آياته وكلماته ومعرفة ما يرغب الله بإيصاله لعباده لتأثر قلبه وانعكس ذلك على حياته وسلوكياته، وهذا ما كان يحدث حينما يقرأ النبي بعض الآيات على نفر من الكفار فيتأثروا بها وتخضع قلوبهم وتتفتح اذهانهم وعقولهم لكلام الله فيغيروا من حياتهم ويؤمنوا بالله وبالرسالة وما جاء فيها.
فالله عرف نبيه بنفسه وانزل عليه الوحي ووصف ذاته بما يليق بها ورسول الله ينقل تلك المعرفة للمؤمنين عبر الخطب والروايات والأحاديث التي يرويها فيزدادوا ايمانا ويقينا وكذلك ما ينقل عن الامام علي والائمة عليهم السلام من أحاديث تصف الله وتعظمه وهناك فرق كبير بين كلام المعصومين عن الله وكلام سائر الناس فهم ببلاغتهم وفصاحتهم ومعرفتهم لله حق المعرفة يكون وصفهم لله عز وجل مميز ويخترق القلوب والعقول لمن يستوعبها ويفهمها.
المعرفة الثالثة هي معرفة ذات الله وحقيقته وهي التي لا يستطيعها أي مخلوق لا نبي مرسل ولا ملك مقرب فما هي ذات الله وحقيقته لا يجوز لاحد ان يبحث في هذا الموضوع لأنه فوق قدرة البشر من انبياء واوصياء وسائر الناس فلا يحاول الانسان ان يتوصل لذات الله سبحانه وتعالى فهو لن يجد شيء وسيزداد جهلا وضياعا فالله سبحانه وتعالى لم يجعل طريقا لمعرفة ذاته الا العجز عن معرفتها فقد اختص الله لنفسه معرفة ذات نفسه ولن يستطيع أحد ذلك ابدا.
معرفة الله لها ثلاث مراحل المعرفة الفطرية والسطحية وهي موجودة لدى جميع المخلوقات وان أنكروها والمعرفة الثانية الأكثر عمقا بمعرفة صفات الله واتباع آياته وطاعته وعبادته والمعرفة الثالثة مستحيلة وهي معرفة ذات الله وحقيقته.
في القرآن مجال كبير وواسع لمعرفة الله وصفاته واسمائه المعرفة الصحيحة وأول آيات القرآن التي تدل الانسان على ذلك تتلى في سورة الإخلاص حينما يقول الله في التعريف عن نفسه ( قل هو الله احد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد ) فقد ورد ان كفار قريش جاءوا الى رسول الله وقالوا يا محمد ان الهتنا معروفة فمن ربك وما هي صفة ربك؟ فأستمهلهم لينزل عليه الوحي فهو لا ينطق عن الهوى وبعد أيام جاء جبرائيل عليه السلام ومعه عشرات الالاف من الملائكة يزفون هذه السورة المباركة وانزلها على رسول وامره بالقول ( قل هو الله احد ...) وبالرغم من قصر هذه السورة وقلة آياتها الا انها تحتاج الى اناس يبحثون ويدققون فيها وكما ورد في الروايات بانها ثلث القرآن وكما نقل عن سلمان المحمدي عن رسول الله في حادثة ان رسول الله سأل أصحابه وكانوا جالسين فقال من منكم يختم القرآن في كل يوم فقالوا كيف لنا بختم القرآن في كل يوم فقال سلمان أنا يا رسول الله فقال رسول الله وما تصنع يا سلمان فقال سمعتك تقول قل هو الله احد ثلث القرآن فانا أقراءها في اليوم ثلاث مرات).
ومن أسباب كونها ثلث القرآن كما يرد في بعض البحوث في كونها ثلث القرآن ان الدين كله والايمان بما جاء في القرآن قائم على أساس الاعتقاد بثلاث أشياء أساسية ، الايمان بالله ومعرفته و توحيد الله عز وجل وثانيها الاعتراف بالنبوة لمحمد صل الله عليه واله وثالثا الايمان بيوم القيامة والمعاد فيتفرع من التوحيد الايمان بالعدل الإلهي ويتفرع من النبوة لزوم الامامة للائمة الاثني عشر ومن الايمان بيوم القيامة الايمان بالبعث بالحساب والعقاب والجنة والنار، وبما ان التوحيد احدهما وسورة الإخلاص جاءت به فهي كافية في صفة الله وتعريف الله وتوصيف الله فهي تعادل ثلث القرآن والدين فمضمونها يعالج قضية التوحيد وهي ثلث الدين في اصوله. وفي الخبر عن فاطمة الزهراء سلام الله عليها انه سألها رسول الله صل الله عليه واله وسلم (يا فاطمة هلا تعتمرين في كل ليلة؟ هلا تقرأين القرآن بتمامه ؟ هلا ترضي الأنبياء والمرسلين عنك؟ فقالت وكيف ذاك يا رسول الله؟ فقال لها يا فاطمة اذا قراءتي قبل نومك قل هو الله احد ثلاث مرات فقد ختمتي القرآن واذا قلتي سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر فكأنك قد اعتمرتي لبيت الله وإذا صليت على الأنبياء والاوصياء فقد ارضيتهم عنك) ففي هذه السورة الشريفة سورة الاخلاص فيها تعريف الله لنفسه عز وجل.
وكذلك أية الكرسي لها مكانة كبيرة وأجر عظيم لمن يقرأها فهي تحتوي على تعريف الله سبحانه وتعالى واثبات الوهيته وتبيين صفاته والآية في سورة البقرة هي (الله لا اله الا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده الا بأذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ) هذه الآيات لها اثار معنوية وسلوكية وتقرأ في العبادات والصلوات كما انها تعتبر من الاحراز المهمة التي يداوم عليها المؤمنون فلها فوائد كثيرة للحفظ والتوفيق من الله وميزة هذه الآية انها تحمل صفة الوحدانية فهو سبحانه وتعالى لا اله الا هو الحي القيوم، وهناك آية أخرى تحمل نفس المعاني التي وردة في سورة الإخلاص وأية الكرسي وفيها توحيد الله وتبيين صفاته وهي في سورة الحشر (هو الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمان الرحيم هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم) من يقرأ هذه الآيات في القرآن الكريم يلاحظ ان هناك تزاوج بين صفات الجلال وصفات الاكرام لله سبحانه وتعالى، بين صفات النفي وصفات الاثبات فمثلا في أية الكرسي الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم مبدوءة بحرف نفي ينفي به الالوهية لغير الله ويكمل بالحي القيوم وهي اثبات لصفة الكمال والحياة الدائمة ، في جميع الآيات القرآنية التي تنفي صفات النقص عن الله يتبعها بصفات الكمال والجمال لله سبحانه وتعالى يسبحه وينزهه عن ما ينقصه فالله لم يكن له شريك في الملك فيضاده ولم يكن له شبيه فيأمر عليه فهو منزه عن كل ما ينقصه ويشينه فتبارك ذي الجلال والاكرام فهو ليس له جسم ولا زمان ولا مكان وفي مقابلها صفات الكمال فهو الخالق الباري المتكبر العزيز الغفار .
وفي الآيات الكريمة كثير يرد ذكر صفات الله التي فيها تعظيم فتبتدأ الآية بأمور يفعلها الله وينهيها ببعض صفات التعظيم والتمجيد كقوله أنه غفور رحيم ، وهو التواب الرحيم، ان الله شاكر عليم وهو السميع البصير وغيرها من الآيات ودائما بداية الآية تنسجم مع نهايتها فالنهاية تكون بمثابة التعليل والتوضيح لبداية الآية فمثلا حينما تذكر العقوبات في بداية الآية ينهي الآية بعزيز حكيم وليس بغفور رحيم فالعقوبة ناشئة من العزة والحكمة ، في بعض الآيات هناك توازن بين الصفات مثل العزيز الغفار فمغفرة الله لا تأتي من ضعف عند الله بل من عزته وقدرته فهو يغفر بالرغم من قدرته على العقاب .