ليلةٍ مضت أن عدد الأشجار والثمار عشرات الآلاف مع أن الإنسان العادي لا يحتاج لكل هذه الأشياء بل يكفيه شيء من الخبز أو الرز والخضروات ونوع أو نوعين من الفاكهة وستبقى حياته . ولكن الله سبحانه وتعالى مبالغةً منه في نعمه نوع لك كل شيء ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) بل ما لم تعرفوه وما لم تخبروه حتى تسألوا عنه . وهذه النظرة هي التي تعبر بالإنسان إلى حالة الإيمان وشدة الاعتقاد بالله وكثرة الحمد لله تعالى . وهنا أقول ليكن ذكرك بالحمد لله رب العالمين على طرف لسانك . وعندنا بعض الأذكار مثل : (إذا قال الإنسان الحمد لله على كل نعمةٍ سابقةٍ ولاحقةٍ فقد أدى شكر النعم ). أو الحمد لله كما يحب ربنا ويرضى .
غير هذا الثواب إذا قلت : الحمد لله رب العالمين كنت محل دعاء كل مصلٍ على وجه البسيطة لأننا إذا رفعنا رأسنا من الركوع نقول : سمع الله لمن حمده . يعني يارب اسمع حمد من حمدك . فهذا الجمع الغفير في كل مكان فهم يدعون لي ولكل حامد لله عز وجل . فقدر إمكانك إذا قلت في اليوم الحمد لله ١٠٠ مرة فنعما تفعل لأن هذه نتيجة النظر . يوجد معنى أبعد من هذا يفسره لنا أئمة الهدى من آل محمد في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام في توجيه الآية المباركة قال ( فلينظر الإنسان إلى طعامه قال فلينظر إلى علمه الذي يأخذه عمن يأخذه) . فطعام الروح والنفس فهما لا يتغذيان على الرز واللحم وما شابه وإنما
تتغذى على العلم والمعرفة . وهذا يحتاج لتدقيق أكثر من الأول لأن الأول أقصى ضرر هو أن يأكل طعامًا ملوثًا فيصيبه مغص فيذهب إلى الطبيب ويتلقى العلاج وينتهي الأمر ، لكنه إذا أخذ للروح طعامًا ملوثًا وعلمًا باطلًا هذا سيجعل برنامج حياته كله برنامجًا خاطئ ويودي به إلى نار جهنم وهنا يصبح الأمر أصعب ولذلك ورد أيضًا ( ينظر إلى علمه عمن يأخذه ) من أين تستقي برنامج حياتك وتأخذ ثقافتك وعلمك وخريطة اتجاهك . في الحديث عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام : ( عجبت لمن يتفكر في مأكوله كيف لا يتفكر في معقوله فيجنب بطنه ما يؤذيه ويودع صدره ما يرديه ) فأنت حين تشتري الطعام تدقق في تاريخ الإنتاج وفي التصنيع ونوعية الشركة ، فكيف لا تتفكر
في أفكارك التي تدخلها إلى وجدانك وضميرك فإن في بعضها ما يردي . وهناك حديث وارد عن أمير المؤمنين عليه السلام يذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج ( ما لي أرى الناس إذا قُرب إليهم الطعام ليلًا تكلفوا إنارة المصابيح ليبصروا ما يدخلون بطونهم ولا يهتمون بغذاء النفس بأن ينيروا مصابيح ألبابهم بالعلم ليسلموا من لواحق الجهالة ) فلماذا لا تنير لترى الأفكار هل هي صحيحة أو منحرفة وباطلة أو سليمة . هذا يفتح لنا الباب على أن نفكر في مصادر المعرفة التي نأخذها ما هي ومن أين . وحديثنا حول أحد قسمي العلم ، فهناك علم تطبيقي كالهندسة والرياضيات وفيزياء وغيرها وحديثنا ليس فيها إنما حديثنا في العلم الذي يشكل خارطة طريق لحياتك وعن ثقافتك وعن رؤيتك للأشياء،
وابدأ من العقائد الأساسية وأكمل الى بقية الأشياء ماهو هدفك في هذه الحياة ، وماذا تريد من هذه الحياة ، كيف تريد الوصول لأهدافك ، ممن تقترب وعمن تبتعد ، وأما العلوم الأخرى فأمرها سهل ، من أين استطعت أن تأخذها فخذها ، من الداخل أو من الخارج من مؤمن أو من غير مؤمن لافرق . فلو تعلم إنسان الرياضيات من شخصٍ متدينٍ جدًا أوتعلمها من شخصٍ غير متدين ، ففي حدود المعرفة بالرياضيات لا يتغير الحال كثيرًا ، ولكن إذا أخذت عقائدك من خط منحرف فبرنامج حياتك كله سيتغير ، وإذا أخذت أحكامك الشرعية ممن هو غير مؤهل فمن الممكن أن يرديك ، وإذا أخذت طريقة الحياة والتعامل من غير محلها من الممكن أن تتأثر تأثرًا كبيرًا ويكون الوقت