المورد الأخر: القضية المالية
قد يدفع المال بعض الناس إلى ارتكاب الجرائم والآثام والمعاصي والذنوب، فمن جملة الدوافع التي دفعت من خرج لقتال الحسين عليه السلام هو المال، فإن عبيدالله بن زياد حينما خطب في أهل الكوفة، قال لهم:
>وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن أوفرها عليكم وأخرجكم إلى حرب عدوه الحسين، فاسمعوا له وأطيعوا< .
ما هي قيمة مائة درهم من أجل الخروج لقتل الحسين عليه السلام؟!
ما هي قيمة الدنيا بما فيها وأنت ترتكب جريمة بهذا النحو؟!
قد يرتكب الواحد منا أمثال ذلك -لا سمح الله- على أثر المال؟!
أليس يهدم البعض أسرته من أجل مقدارًا من المال؟!
التمسك بالمال، وحبّ المال، ودافع المال قد يجعل البعض بخيلا على اهله، وبخيلا على من معه في منزله، فينتهي الأمر إلى أن حياته الأسرية لا تستقيم، أو ينتهي الأمر إلى الطلاق والانفصال.
ذلك المال جعله يخرج لقتال الحسين عليه السلام وبئس ما فعل، وتعلق البعض بالمال يجعله يبخل عن العطاء اللازم، وبالتالي تتهدم أسرته، وأبناؤه -نتيجة الطلاق- يسلكوا طرقًا غير حسنة وغير سليمة، هو في الواقع قتل أبناؤه من الناحية الأخلاقية والدينية؛ لأنه تمسك بهذا المقدار الذي يصّر عليه، فعوضًا من أن ينفق ألفين ينفق خمسمائة، هذا هو التعلق بالمال.
ذاك تعلقه بالمال يوصله إلى القتل، وهذا تعلقه بالمال يجعله يهدم حياته وأسرته، ويخسر أبناءه.
علينا أيها الأحباب، أيتها المؤمنات أن نتأمل في {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}.
لقد التقى مجمع بن عبد الله العائذي بالحسين في الطريق، فقال له الإمام: أخبروني خبر الناس وراءكم فقال له مجمع بن عبد الله العائذي - وهو أحد النفر الأربعة الذين جاءوه-: أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم يستمال ودهم ويستخلص به نصيحتهم فهم ألب واحد عليك وأما سائر الناس بعد فان أفئدتهم تهوى إليك وسيوفهم غدا مشهورة عليك .
هذه الأموال قد تفسد الحياة الزوجية، كما أنها تفسد ما بين الأخوان في مسائل الميراث، التي أصبحت اليوم من أصعب القضايا في بعض الأسر.
يصل الأمر بأن يكيد الأخ لأخيه بسبب مقدار الحصة التي له، هل ناقصة أم زائدة؟
يتعطل أحيانًا الميراث ثلاثين سنة؛ لأن كل واحد يتربص للأخر، فكل واحد يدعي أن حصته أكثر من الطرف الأخر، فيحرم الجميع من الميراث نتاج البله والحمق وسفاهة الرأي.
تصل الأمور أحيانًا بالبعض أن يعطل ميراثه بأكمله لإصراره على مبلغ صغير من المال، فلا يحصل على ميراثه ولا على الزيادة التي طلبها، وقد تكون الزيادة لا سيء أمام ميراثه.
هذا كلّه وحدة مشتركة في عبودية المال والخضوع إليه، والفارق هو عظمة جناية أولئك الذين قدموا على قتل الحسين عليه السلام.
المال يدغ -في كثير من الأحيان- البعض إلى قطعية إخوانه وشتيمتهم والنميمة عليهم وسبّهم وفضحهم، فيرتكب المحرمات من الغيبة والنميمة والافتراء على إخوانه، وإثارة الأحقاد في وسط العائلة، كلّ ذلك بسبب المال الذي دفع أناس لقتل الحسين عليه السلام، ويدفع البعض لارتكاب الذنوب والمحرمات العظيمة مثل الغيبة والافتراء والفتنة وقطيعة الرحم، وهذا ما يجب أن يلفت أنظار المؤمنين والمؤمنات.
هناك من يبرر بأنه مأمور والمأمور معذور، وهو نفس التبرير الذي قاله شمر الضبابي، حينما سمع أحدهم شمر بن ذي الجوشن يقول: اللهم إنك شريف تحب الشرف، وأنت تعلم أني شريف، فاغفر لي، قال له: كيف يغفر الله لك، وقد خرجت إلى ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعنت على قتله قال: ويحك، فكيف نصنع، إن أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر، فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنا شراً من هذه الحمر .