في داخلك عبد أو فرعون ٣٤

في داخلك عبد أو فرعون ٣٤
00:00 --:--

وَالْخِلَافَ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ الْعَطَبَ‏، يَا هِشَامُ إِيَّاكَ وَمُخَالَطَةَ النَّاسِ وَالْأُنْسَ بِهِمْ إِلَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُمْ عَاقِلًا وَمَأْمُوناً فَآنِسْ بِهِ، وَاهْرُبْ مِنْ سَائِرِهِمْ كَهَرَبِكَ مِنَ السِّبَاعِ الضَّارِيَةِ"، صدق سيدنا ومولانا الإمام موسى بن جعفر الكاظم صلوات الله وسلامه عليه. هذه الفقرة من كلمات الإمام عليه السلام وما بعدها يمكن أن تكون شارحة لكثير من الروايات والكلمات التي وردت في تفضيل العزلة عن الناس وتحبيذها، هناك الكثير من الروايات تقول بما معناه: (إن الخير في أن يعتزل الإنسان الناس وأن يعبد ربه)، هذا كل الخير، لعل إنسانا يقول أولا هذا غير ممكن في الحالة الطبيعية أن يعتزل الإنسان الناس، وينفرد عنهم، هذا غير ممكن، للإنسان حياة فردية، وله حياة اجتماعية، رزقه مرتبط بالمجتمع غالبا، معاشه مرتبط بالمجتمع، شخصيته مرتبطة بالمجتمع، بعض

الواجبات أو المستحبات أيضا مرتبطة بالمجتمع، فكيف يمكن لهذا الإنسان أن يعتزل وينكفئ على نفسه من دون أن يختلط بهم؟ إذا ما كان ممكنا، أو ما كان صالحا، فكيف إذن يوجه الأئمة عليهم السلام في بعض توجيهاتهم إليه؟ والجواب على ذلك مثل هذه الكلمات هي التي تفسر لنا العزلة المطلوبة، والاختلاط المطلوب، لا العزلة النهائية والتامة مطلوبة، ولا الاختلاط الدائم والكون في المجتمع المتواصل أيضا مطلوب، وإنما إذا كان الإنسان يستطيع أن يصنف هذا الاختلاط به نافع، لأنه مستقيم على سبيل المثال، ذاك الاختلاط به غير نافع، لأنه يدعو إلى الشر، لأنه يسبب الغفلة، لأنه لا يحث على الخير، فمثل هذا الحديث يقول لك ذاك اعتزل هؤلاء الناس الذين هم من هذا الصنف، واختلط بهؤلاء الناس الذين هم من هذا

الصنف. محيطك الاجتماعي ينبغي أن يكون محيطا هادفا نافعا تواجدك فيه، لابد أن يحقق لك فائدة إما في الدنيا وإما في الآخرة، وأما المحيط الذي قد يضرك دنيويا، وقد يضرك أخرويا، وقد يلطخ سمعتك فالاعتزال عنه بلا شك هذا خير لك من الاختلاط معه. لذلك يقول: (يا هِشَامُ مُجَالَسَةُ أَهْلِ الدِّينِ شَرَفُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ...) أهل الدِين، الدِين ليس شيئا محدودا بالعبادة، ولا هو مرتبط بالملابس، وإنما يكون هذا الدين مؤثرا في حياة ذلك الإنسان، إذا جئت إلى إنسان، هذا الإنسان منضبط أمام شهواته، فلا يركض وراءها، متمسك بالأخلاق، فلا تراه يستعدي الآخرين، أو يغتابهم، أو ينم عليهم، أو يمكر بهم، أو غير ذلك، وفي جوانب العبادة أيضا، جوانب التذكر لله عز وجل هو من أهل ذلك، هذا الإنسان هو من

أهل الدِين. الدِين ليس لباسا، الدِين ليس مظهرا باللحية مثلا، الدِين ليس بالإعلان أنه أنا متدين، وإنما هو حقائق في داخل القلب، ومظاهر على السلوك، يخاف الله عندما يتذكره، هذا الخوف يكون نابعا من تعظيم شأن الله في داخل نفسه، هناك قسم من الناس لا يعظم شأن الله عز وجل، ولذلك تراه في الملأ بشكل وفي الخلأ بشكل آخر، أمام الناس ملتزم متدين لا يتحرك إلا وفق السليم حتى إذا خلا بينه وبين نفسه ارتكب المآثم والكبائر، هذا هَوَّن نظر الله إليه، جعل الله أهون الناظرين. يعني كيف إذا إنسان مثلا جاء أمام ولد عمره (١٠) سنوات أو (١٢) سنة، لا يمكن أن يتعرى أمامه، صحيح أم لا؟ يتعرى بالكامل لا يمكن، لماذا يخشى من ابن الـ(١٠) سنوات هذا أن

ينظر إليه فيسقط من عينه أو يخبر عنه، لكن نفس هذا الإنسان الذي يخشى من طفل عمره (١٠) سنوات لا مانع عنده مثلا أن يمارس العادة السرية بينه وبين نفسه، رجلا أو امرأة. صحيح هذا الآن في هذا المكان لا يوجد طفل عمره (١٠) سنوات، ولكن رب الأرباب ناظر وحاضر وشاهد، فكأنما جعل نظر الله أهون وأصغر من نظر ذلك الطفل، ذلك الطفل يتقي من؟ يخافه ويراقبه، لا يرتكب الخطأ في حضوره، بينما أمام الله سبحانه وتعالى الذي يراه في كل وقت يمارس ذلك الفعل المحرم، رجل يمارس خيانة، امرأة تمارس تلك المعصية. الدِين إذا موجود بدرجة من الدرجات في داخل القلب يمنع هذا عن فعل هذا الحرام، أو إذا استزلهم الشيطان يلومه الضمير، بقايا الدِين في داخله تؤرقه وتقرعه

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة