وفي الطرف الآخر فالشعر الحسيني نفع القضية الحسينية في أمور منها أنه سلط الأضواء بشكل واسع وعريض على مواضيع الحسين عليه السلام ، فأنت ترى آلاف بل عشرات الآلاف من القصائد موجودة وأحيانًا كل قصيدة في جهة ربما لم تكن موجودة في القصيدة الأخرى . فهذا الشاعر ركز على جهة لم يركز عليها الشاعر الآخر لذلك ترى نفسك غير مكتفي فلو قرأت مثلًا للشريف الرضي لا تكتفي بهذا بل تذهب لتقرأ للسيد حيدر الحلي فتقول أن السيد حيدر أبدع فترى جاء وراءه من ركز على قضايا لم يتطرق إليها السيد حيدر وعلى هذا المعدل . فهذا يعني أن هذه القضية بمقدار ماهي ولادة للشعراء وللصور الشعرية فإن الشعراء بأنفسهم أيضًا سلطوا الضوء على قضايا مختلفة في الموضوع الحسيني بحيث تجلت صورة الحسين عليه السلام وأنصاره وأهل بيته ، فأي جانب تريده تجد شعرًا فيه وأي صورة تخطر في بالك تجد بعض الشعراء تعرضوا لها .
صارت أيضًا القصائد الشعرية مثل مخزون للعقائد وللتاريخ الإسلامي ومخزون لما ينبغي أن يعرفه المسلم فتجد السيد جعفر الحلي رضوان الله عليه مثلًا في قصيدته الكافية :
الله أي دمٍ في كربلا سفكا لم يجر حتى أوقف الفلكا
تجد تشخيصًا لحالة المسلمين قبل نهضة الحسين عليه السلام وماالذي دفع الإمام الحسين للنهضة والقيام ثم بعد ذلك تعريج على المصيبة فكأنك تقرأ تحليلًا تاريخيًا : لماذا ثار الإمام الحسين عليه السلام
وحين تقرأ قصيدة ابن العرندس مثلًا ترى نفسك أمام شخص يتحدث عن مناقب الإمام الحسين عليه السلام وفضائله وما جاء فيه من الروايات ثم تفاصيل المصرع بلغةٍ أدبية .
وهكذا سائر الشعراء .
فإذن هناك جهات كثيرة تم التبادل فيها بين القضية الحسينية وبين الأدب الحسيني والشعر الحسيني ، وكما استفادت القضية الحسينية وصورة الحسين عليه السلام من الشعراء ، فإن الشعراء أيضًا استفادوا فوائد كثيرة من الموضوع الحسيني . فأنت تلاحظ مثلًا قبل الموضوع الحسيني وقبل أهل البيت بماذا كانت شهرة العرب ؟ غالبًا بأمور ذات طبيعة محدودة كوصف الصحراء ووصف الجَمال ووصف الجِمال وقضايا الغزل والتشبيه فإما أمور وصفية وإما أمور أقرب إلى القضايا الشهوية ولما دخلنا على خط القضية الحسينية صار الكلام عن مبادئ وتاريخ الإسلام وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن معاني الكرامة ومعاني الإباء وعن عزة الإنسان وعزة نفسه وعن مقاومته للظلم ..... وإلخ
وصار عند الشعراء مجال واسع ورحب يتحركون فيه بخلاف ما كان قبل .
فلنرَ بعض ما نتملاه في هذا الجانب في شعر السيد جعفر بن السيد كمال الدين الحلي والذي توفي وعمره ٣٧ وبدأ نظم الشعر وعمره عشر سنوات وشعره من الشعر القوي والبليغ وعنده ديوان شعر قام بطبعه المرحوم الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء وهو أحد الآيات العظام وكان مرجع التقليد في زمانه وتزامن مع مرجعية السيد الحكيم ، وعلميته علمية متفوقة وهو من التلامذة المميزين لصاحب العروة الوثقى السيد اليزدي رحمه الله وقيل أنه هو وأخوه الشيخ أحمد هما اللذان كانا قد كتبا نص العروة الوثقى على وفق مباني وآراء السيد اليزدي أو أن السيد اليزدي كان يكتبها وهما يصيغان العبارة باعتبار أن عندهما مستوى أدبيًا رفيعا ، وبعد وفاة اليزدي وانتقال هذا الجيل كان الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء كان أحد مراجع التقليد . نعم مرجعيته لم تصبح مثل مرجعية السيد محسن الحكيم والذي كانت مرجعيته عامة وأعطاه الله عمرًا طويلًا وهوكان عنده من الإدارة والحنكة ما جعل مرجعيته في العالم الشيعي هي المرجعية الأولى ، بينما الشيخ محمد حسين أيضًا لم يعمر طويلًا ، فقد قُلد في العراق من قبل عشائر وقبائل وحتى في الخليج ولكن لم تكن مرجعية عامة . هذا المرجع الجليل هو بنفسه كما نقل غير واحد أخذ ديوان السيد جعفر الحلي واسمه ( سجع بابل وسحر البلابل ) وأكثره فيما يرتبط بأهل البيت عليهم السلام . أخذه هو بنفسه وذهب إلى بيروت وقام بطباعته هو بعدما توفي السيد جعفر الحلي .