تعطيل السنة في العصرالحديث ٨

تعطيل السنة في العصرالحديث ٨
00:00 --:--

المبرر الثالث أنهم يعتمدوا على القرآن باعتبار أن القرآن الكريم فيه تبيان كل شيء (تِبۡیَـٰنࣰا لِّكُلِّ شَیۡء)، بيان وتفصيل للناس والدين فيه كامل (ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ) والقرآن كذلك كامل ومحفوظ بنصه ومضمون فيه كل شيء لذلك لا نحتاج للذهاب للسنة. 

الجواب على هذا: ماذا يعني كل شيء الواردة في تبيانيه القرآن الكريم؟ هل عندما نحتاج إلى معرفة قوانين الهندسة أتوجه للقرآن؟ لا يوجد في القرآن قوانين للهندسة، هل يتوجه الطبيب الذي يريد القيام بعملية قسطرة قلب للقرآن؟ بالتأكيد لا. من يريد بناء منزل أو تصليح سيارته؟ قطعا ليس المقصود بكلمة (كل شيء) كل ما في الكون، إنما العموم في (كل شيء) بما يتناسب مع موضوع ذلك الشيء. كأن تذهب لمسجد مرتب وتُعجب بهذا المسجد وتقول: ما شاء الله في هذا المسجد كل شيء.. ما لذي تقصده بكل شيء؟ بالتأكيد لا يوجد بالمسجد نخيل ولا دواب إنما كل شيء يتناسب مع المسجد، فيه مكان للصلاة وقرآن وكتاب دعاء ومكان للوضوء كل ما يتناسب مع أمر المسجد والصلاة فيه هو موجود. (قد يقول بعضهم: إذا أردنا أن نحمل (كل شيء) هذا المعنى وهي مذكورة في القرآن الكريم في قصة بلقيس ملكة سبأ (وأوتيت مِن كُلِّ شَیۡء) هل هذا يعني أن آلة الذكورة موجودة عندها؟ بالطبع لا، إنما كل شيء يتناسب مع مملوكيتها.. عندها أموال وخيول وحراس وذهب وفضة ووزراء، كل شيء يتناسب مع ذلك الموضوع.

(تِبۡیَـٰنࣰا لِّكُلِّ شَیۡء) في القرآن الكريم يعني ما يتناسب مع الدساتير حيث أن القرآن دستور لذلك يتناسب معه وجود القوانين العامة والكلية مثل قوانين المعاملات والعبادات والأخلاق. وليس تفاصيل كأبحاث الكيمياء والفيزياء والرياضيات، إنما ما يتناسب مع التنظيم الاجتماعي الذي يقصد منه من هذا الدستور وهذا هو القرآن ... يحتوي على كل شيء مما يرتبط بالمعاملات والأخلاق كقوانين عامة لكن لا تفاصيل لمثل هذه الأشياء ولا تفاصيل لمواضيع غيرها مثل (عدد ركعات الصلوات) مع أنها واجبة عيناً على كل مسلم، إذاً تبيانا لكل شج يُقصد بها القوانين العامة. 

ثانياً ( تِبۡیَـٰنࣰا لِّكُلِّ شَیۡءࣲ ) لان فيه التوجيه إلى سنة رسول الله صلى الله عليه و آله بأن قال (مَّن یُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ)،  (وَمَاۤ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُوا۟) من خلال ذلك فيه تبيانا لكل شيء لان قسم منه يحتوي على القوانين العامة و القسم الآخر الذي يحتاج الى شرح و تفصيل نرجع إلى من يطع الرسول .

مثال: عندما تعمل في شركة يعطيك المدير كراس فيه كل ما تحتاجه عن الشركة ف تفتح أول صفحة تقرأها قوانينا كذا ، إذا أردت الاستفسار عن الأمور المالية تواصل مع  المسؤول المالي على الرقم كذا و كذا ، الرقم الفلاني للاستفسار عن قوانين التوظيف و اسأل مسؤول شؤون الموظفين و هكذا. هذا الكتاب فيه قوانين و ارشاد لما بعد ذلك حيث انه يوجد مرجع لك ترجع إليه عند الحاجة لتفاصيل أكثر. 

هذا نفسه ما حدث لسنة رسول الله ، تقرأ القرآن كله فيه من القوانين وأحكام و تشريعات و ارجاع إلى سنة رسول الله صلى الله عليه و آله (لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة المباركة التي تضيف لك الكثير مما تحتاجه من المعلومات في المواضع المختلفة (كيفية الصلاة غير مذكورة في القرآن لكنك تستطيع معرفتها بالبحث عن الكيفية التي صلى فيها رسول الله- صلوا كما رأيتموني أصلي- لمعرفة مناسك الحج -خذوا عني مناسككم -) وإلا لو كان يقتصر على القرآن المجرد نفسه لا يتمكن هؤلاء حتى من صلاة ركعتين فكيف بتطبيق بقية أحكام الإسلام .(كأن يقول أحدهم أنا لا أعمل بالسنة واكتفي بما جاء في القرآن الكريم لكن عندما تطلب منه صلاة ركعتين من خلال القرآن دون السنة حيث أن القرآن الكريم لم يذكر كيفية الصلاة ولم يذكر حتى أبسط الأمور: مثل التكبير في الصلاة ، (وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِیرَۢا) دون ذكر التفاصيل عن وقت التكبير وموقعه في الصلاة ، قراءة السور (فَٱقۡرَءُوا۟ مَا تَیَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ) هل يعني أن أكتفي بقراءة ﴿الۤمۤ﴾ [البقرة ١] ؟ قراءة الفاتحة في الصلاة ذُكرت في السنة عن رسول الله (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) وهكذا فالركوع والسجود مذكورين في القرآن (وَٱرۡكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّ ٰ⁠كِعِینَ) / ﴿فَٱسۡجُدُوا۟ لِلَّهِ وَٱعۡبُدُوا۟ ۩﴾ [النجم ٦٢] لماذا هناك اختلاف بين عدد الركعات وعدد السجدات في الصلاة؟ لماذا لا نكتفي بالركوع فقط دون قول (سبحان ربي العظيم – سبحان ربي الأعلى)؟ لو أردا شخص أن يكتفي بالقرآن الكريم في كيفية صلاة ركعتين لما تيسر له فكيف يريد أن ينظم حياته بشكل عام؟ في معاملاته كلها.. في عباداته، في زواجه وطلاقه وحضانته وميراثه؟ لذلك فالاكتفاء بالقرآن الكريم لان فيه ((تِبۡیَـٰنࣰا لِّكُلِّ شَیۡء) لا يكفي دون الرجوع لسنة الرسول صلى الله عليه وآله.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة