الصفة الثانية من هذه السنة هي أنها سنة التوازن، بمعنى أنه لا يغلب في هذه السنة جانب على جانب، كأن يقول شخص أنه فقط يريد أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يريد شيئاً من هذه الدنيا، أو أن يقول أنه يريد أن يترك النساء أو أن تترك امرأة الزواج لتتفرغ لقراءة القرآن والعبادات والأذكار، فهؤلاء نقول لهم بأن هذه ليست سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ورد في مصادر الفريقين (مدرسة الخلفاء ومدرسة أهل البيت) بألفاظ مختلفة وردت حادثة أو أكثر بعبارات مختلفة وبجوهر ومعنى واحد، فبعضها تقول (بأن هناك امرأة جاءت إلى احدى زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله فرأتها متعطلة متبذلة فتعجبت منها، ولما سألتها زوجة النبي قالت لها: لِمَ أصنع وزوجي صائم النهار وقائم الليل)، وبعض الروايات الأخرى تقول (بأن ثلاثة من المسلمين تعاقدوا فيما بينهم فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر، وقال الثاني: أما أنا فأقول الليل ولا أنام في الليل أبداً، وقال الثالث: أما أنا فأعتزل النساء ولا أمارس شهوتي الجنسية، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا بالناس للصلاة جامعة، فلما اجتمعوا قال لهم: أما إني لأَعبَدَكُم لله وأَخشَاكم لله وإني أصوم وأفطر وإني أصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
هنالك من يرغب في الشيء وهنالك من يرغب عنه، فعندما نقول في الزيارة: (اللهم إني قد تعرضت لزيارة أوليائك رغبة في ثوابك ورجاء مغفرتك) فهنا رغب في، فلما تصبح رغب عن فسينقلب المعنى بالكامل ويصبح انصرف عن ذلك الشيء أي مستخفَّاً بذلك الشيء ومخطئاً له، وأيضاً ليس كل انصراف أو ترك يسمى رغبة عن الشيء، فمثلاً لو أن إنسان لم يصلي صلاة الليل فهذا ترك سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه ليس راغباً عنها، ولكن البعض قد يترك صلاة الليل ويقول بأنها لا فائدة منها ولا قيمة فهنا يقال (رغب عنها) أي تركها مع توهينها وعدم إعطائها قيمتها، ولذلك فمن رغب عن سنة رسول الله فليس من رسول الله ورسول الله بريء منه، إذاً فإن هذه السنة هي سنة التوازن، والذي يترك السنة راغباً عنها فهو مبتدع.
جاءت امرأة إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام وقالت له أني امرأة متبتلة، فقال لها: وما التبتل عندك؟، قالت: إني أترك الزواج، فقال لها الإمام الصادق: اعزبي، فلو كان فيه من الفضل لفعلته فاطمة بنت محمد فإنه لا يسبقها أحد بفضل) أي أنه لو كان التبتل وترك الزواج والعزوف عنه والإنشغال فقط بالدعاء والمناجاة والقرآن لو كان في هذا فضل لكانت فاطمة أولى به والحال أنها لم تفعل ذلك، بل تزوجت وأنجبت وأنشأت تلك الأسرة التي خدمت الأمة، إذا فإن الصفة الثانية لهذه السنة هي التوازن.
أيضاً من صفات سنة رسول الله صلى الله عليه وآله هي أنها واجبة الإتباع، وسيأتي ان شاء الله حديث بأنه كيف تم تعطيل سنة النبي قديماً وحديثاً وبأي مبررات، فقد قُدِّمت مبررات خاطئة بحيث حُيَّدت سنة النبي ثم عُطِّلت بعد ذلك من العمل، سنتحدث ان شاء الله بشكل مفصل عنها.
إذاً فإن سنة النبي واجبة الإتباع، كما جاء في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله في مصادر شيعة أهل البيت يقول: (ما وجدتم في كتاب الله فالعمل به لازم لا عذر لكم في تركه، وما كانت فيه سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي) أي أن القيمة التشريعية لكلام رسول الله وفعله وسنته الثابتة عنه تساوي القيمة التشريعية للقرآن الكريم، وهذه ليست لفترة معينة بل ما كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله هو متجاوزٌ للزمان، فهناك بعض الأشياء واضح منها بأنها قضية في واقعة كقضاء بين شخصين أو تدبير لأمر معين من الزمان فقد تحدث عنها العلماء وذكروا كيفياتها وقرائنها، ولكن إذا كانت كما هو الأصل في سنن رسول الله وأوامره ونواهيه فإنها عامة وشاملة وعابرة للأزمان، لذلك في الحديث عنه صلوات الله وسلامه عليه كما ورد عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال: (قال رسول الله: أيها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة وحرامي حرام إلى يوم القيامة، ألا وقد بينهما الله عز وجل في الكتاب وبينتهما لكم في سنتي وسيرتي) والجميل هنا بأن هذا من الأحاديث التي يُفتَرَض أنه حجة حتى على أتباع مدرسة الخلفاء لأن عندهم أن الباقر من الممكن أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لقي جابر بن عبد الله الأنصاري، فطريقه إلى النبي عندهم طريق وسند متصل.