قسم آخر أيضاً هو تقرير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي صمته وسكوته على شيء يقضي على أن هذا الشيء فعله ليس بحرام، كما لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى شخصاً يعمل عملاً من الأعمال كأن يصلي بكيفية خاصة أو يطوف بكيفية خاصة وأمام عين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن النبي لم يغير عليه ولم ينهه عن فعله أو لم يصحح له عمله فهنا يتبين أن هذا الفعل وهذا العمل هو عمل مشروع وجائز ليس ممنوعاً، إذاً فإن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله هي قول النبي وهي فعله وتقريره.
هل أن النبي صلى الله عليه وآله تحدث عن سنته وقال أن هذه هي سنتي؟
الجواب هو: نعم، فهناك الكثير من الروايات والأحاديث عن النبي أعطت عناوين عامة عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه قال: (من رغب عن سنتي فليس مني)، وقد تحدث عليه الصلاة والسلام عن سنته ضمن عناوين رئيسية وتحدث أيضاً في أحاديث تفصيلية، نتحدث هذه الليلة إلى بعض العناوين الرئيسية التي تتصف بها سنة رسول الله صلى الله عليه وآله.
أول ما نلاحظه في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله هو ما يرتبط بالأمر العقائدي، فالسنة ليست فقط بها مستحب وواجب بل دائرتها أوسع من ذلك، ولذك عندنا حديث رواه الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي أعلى الله مقامه، المتوفى سنة٣٨١ للهجرة وقد ذكرنا سيرته في سنوات مضت، فهو محدث من المحدثين العظام وله أحد الكتب الأربعة التي يعتمد عليها الإمامية وهو كتاب (فقيه من لا يحضره الفقيه) وله فوق ذلك أيضاً ما يقارب سبعين عنوناً من الكتب الأساسية في الثقافة الدينية الإمامية منها (كمال الدين وتمام النعمة) في العقائد، وكتاب (الخصال) في الأخلاقيات وهو من الكتب المهمة جداً، ولديه أيضاً من الكتب التي ترتبط بالأعمال الأخروية والثواب والعقاب (ثواب الأعمال وعقاب الأعمال)، وعنده كتاب (الأمالي) ومعنى الأمالي هو أن يجلس الشيخ أو العالم ويملي على من يستمع إليه وأولئك يسجلون، وفي هذا الكتاب (الأمالي) يقول الشيخ الصدوق هذه الرواية: (من دان بديني وسلك منهاجي واتبع سنتي فليدن بتفضيل الأئمة من أهل بيتي على جميع أمتي، فإن مثلهم في الأمة مثل باب حطة) فمن جملة سنة رسول الله واتباع سنته هو أن يتعبد الإنسان بأن أهل بيت رسول الله هم أفضل من جميع الأمة، فهم مثل باب حطة كما جاء في قوله تعالى: ((وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نعفر لكم خطاياكم))، أي أنهم يدخلون هذا الباب ويقولون حطة بمعنى حُطَّ ذنوبنا يا رب وأنزلها من أعناقنا وأكتافنا ولذلك سمي باب حطة، فبعض الذين كانوا في هذا وأمروا بهذا الأمر استهزأوا بذلك وقالوا حنطة خير من حطة، فلم يُغفَر لهم لأنهم عصوا أمر نبيهم الذي كان طريقاً إلى رضوان الله عز وجل، فأيضاً هنا من استهزأ بموقع أهل البيت النبوي في هذه الدنيا ولم يقبل ولايتهم وإمامتهم وقربهم من الله عز وجل فهو كمن استهزأ بحطة، إذاً فالذي يتمسك بهم ويأخذ قولهم ويفضلهم على غيرهم فهذا يستحق المغفرة والتوبة.
بل أكثر من هذا أنه ذُكر في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله أن علي عليه السلام هو الذي يقاتل على سنتي، ففي حديث طويل جاء فيه: (أنت تقاتل على سنتي)، أي أنه إذا كان الآخرون يقاتلون من أجل مصالحهم ومنافعهم الشخصية وحكوماتهم فإنك يا علي تقاتل من أجل سنتي، فهذا ما يرتبط بقسم من وصف هذه السنة بأنها تمتد لتشمل الموضوع العقدي.