ما جاء في القرآن الكريم يطلق عليه فريضة، وما جاء في كلام رسول الله وإن كان واجباً كوجوب الطواف سبعة أشواط ووجوب الطهارة قبل الطواف، ولكن هذه إنما جاءت بإبلاغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتسمى سنة لأنها جاءت من خلال السنة لا من خلال القرآن الكريم.
مثال آخر وهي الصلاة، فقد ورد وجوبها في القرآن الكريم وأيضً ورد أصل قراءة القرآن في الصلاة كما في قوله تعالى: ((فاقرؤوا ما تيسر منه))، ورد أصل موضوع الركوع: ((واركعوا مع الراكعين))، ورد أصل القيام: ((وقوموا لله قانتين))، ولكن تفاصيل هذه الواجبات كوجوب قراءة سورة الفاتحة في الصلاة فإن هذا ما ثبت إلا من خلال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الحديث: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) فتبين هنا أن فاتحة الكتاب واجبة في كل صلاة، وأيضاً التشهد والتسليم فهي واجبات ولكنها لم تأتِ بالقرآن الكريم وإنما جاءت بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذاً فإن الشيء الذي جاء بالقرآن الكريم في العبادات يطلق عليه فريضة، والشيء الذي جاء وجوبه وبيانه من خلال كلام رسول الله صلى الله عليه وآله أو فعله فهذا يقال له سنة أي أنه ثبت بالسنة ويترتب عليه آثار فقهية أيضاً، فما ثبت بالكتاب ويسمى الفريضة فإن تركت سهواً أو عمداً أو جهلاً فإنه لا يُقبَل، كالصلاة بدون طهارة، حتى لو كانت ناسياً أو جاهلاً فإنها لا تصح ويجب إعادتها لأن هذا التشريع إنما جاء بالكتاب في قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق))، لكن التسليم والتشهد والفاتحة والأذكار مثلاً حيث أنها إنما ثبتت بالسنة أي بكلام رسول الله صلى الله عليه وآله، فو أنها نُسِيَت لا تبطل الصلاة، إذاً فإن أحد الفروق بين ما سمي بالفريضة وبين ما سمي بالسنة هو أن ما ثبت بالقرآن لا مجال فيه للمراجعة لو أصبح به خلل، ولكن ما ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله إن لم يأتِ به من غير عمد كالنسيان أو الغفلة فهنا من الممكن أن يصحح عمله، وهذا ينطبق على الكثير الكثير من تفاصيل العبادات، لأن أكثر تفاصيل العبادات إنما أخبر عنها نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
المعنى الرابع للسنة: هو أن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله هي ما صدر عنه من قول أو فعل أو تقرير، فالقول هو أوامر النبي ونواهيه كما جاء في حديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم يروي معناه الفريقان: (ما من شيء يقربكم من الجنة إلا وقد أمرتكم به) مروي عندنا في الكافي ومروي عندهم أيضاً في مصادر الخلفاء، فأقوال رسول الله صلى الله عليه وآله منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب ومنها ما هو حرام ومنها ما هو مكروه، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وآله عن تفاصيلها في العبادات والمحرمات والأخلاق والنوافل والأنظمة والتشريعات والمعاملات، فهذه كلها جزء من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وهي أقوال النبي والتي سوف تنعرض إليها بشكل عام خلال هذه الليالي.
القسم الآخر هو أفعال رسول الله صلى الله عليه وآله، فنفس فعل رسول الله هو سنة من السنن، فإن فعل رسول الله لشيء يدل قطعاً بأنه ليس بحرام لأن رسول الله لا يمكن أن يفعل شيئاً محرماً، فيتردد أمره بين أن يكون مباحاً أو مستحباً أو واجباً، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وآله في صدد التعليم للتشريع وبيان الأحكام فهنا نلغي موضوع المباح كما قال صلوات الله عليه: (خذوا عنِّي مناسككم) أي أن هذه أحكام شرعية إما أن تكون مستحبة وإما أن تكون واجبة، وقوله أيضاً: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فهي ضمن هذا الإطار فبعض الأفعال في صلاته تكون واجبة وبعضها مستحبة والفقيه فيما بعد ذلك يجتهد لكي يميز هذا الفعل من أنه واجب أو أنه مستحب.