نجد أيضاً أن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام عنده في قصار الحكم وهو فصل خاص في نهج البلاغة بعدما قسم الشريف الرضي رضوان الله عليه (جامع النهج) قسم فيه كلمات الإمام إلى خطب.. رسائل.. قصار الحكم وهي حوالي ٤٠٠ حكمة قصيرة بعضها مبتكر مثل (قيمة كل امرئ ما يحسن) أي أن قيمة الإنسان ليس في طوله وعرضه وماله ولباسه ونسبه وإنما بمقدار ما يحسن ويتقن، إذاً فإن من أسهل الوسائل وأنفعها وأنجعها في إيصال الفكرة هو اختصارها في كلمات قصيرة أو تحويلها إلى مثال من الأمثلة.
فكما لدينا أمثال سليمة وصحيحة في مصدرها وفي معناها كآيات القرآن الكريم وكلمات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن كلماته: (العلم خزائن ومفاتيحها السؤال) فأصلها ومصدرها وفكرتها وثقافتها صحيحة وكذلك أداؤها وبعثها هو أداء وبعث إيجابي، أي أن الإنسان عندما يكون في محفل علم فينبغي عليه أن يسأل حتى ينفتح له ذلك العلم، وأمثال ذلك من كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء كثير.
في المقابل فإن الحياة الفاسدة تعتمد على ثقافة فاسدة، فلو أراد إنسان أن يتتبع فليقرأ ما يذكره المنحرفون كالممثلين والفانين المتهتكين، سوف يجد أن هذا الفنان عندما يتكلم فإنه يعبر عن ثقافة خاطئة مثل أن يقول بأن الإنسان يحتاج إلى ترفيه وفرفشة وأن هذه الحياة لا تستحق أن نحزن من أجلها، نعم ينبغي للإنسان أن يفرح وينزه نفسه ولكن بمقدار الملح في الطعام كما نجد القرآن الكريم يقول: ((وابتغي فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا))، نلاحظ الفرق في الإستعمال هنا فالآية تعني أن نجعل الشيء الذي أعطانا الله إياه كالصحة والمال والجاه والفكر والقدرة نجعله خادماً لنا في الدار الآخرة ولكن هناك مقدار ونصيب من الدنيا، مثلاً لو قلنا لأحد الأشخاص الذاهبين إلى مكة أن يجعل نظره على الطريق وفي هذه الأثناء فلا بأس من شرب الماء أو تناول الطعام ولكن هدفه الأساس هو أن يجعل فكره في الإنتباه للطريق.
كما نجد أن الناس مثلاً في ليالي شهر رمضان يستغلونه في اللهو والغفلة والعبث والحفلات بينما بعضهم يتجهز لشهر رمضان بالعبادة وتلاوة القرآن والإستغفار، فمن أعاجيب الزمان أن أحدى الراقصات في بلد عربي كانت تتحدث بأن الرقص عمل مشروع وأن الله سبحانه وتعالى يحب الإنسان العامل الذي يكسب رزقه من عرق جبينه، نلاحظ أن هذه ثقافة وفكرة خاطئة، وفي بعض الأحيان نجد أن الفكرة الفاسدة والخاطئة تتحول إلى مثل كالمثل المنتشر عند قسم من الناس: (الشيء الذي ينفع المسجد، البيت أولى فيه) أي أنه لو فرضنا عندي كرسي من الممكن أن ينتفع به المسجد فيأتي أحدهم ويقول أن البيت أولى به، أو عندي عشرة ريالات هل أنفقها في المسجد أو البيت؟، هنا تختلف الحالات فأن كانت حالات ضرورة فإن الإنفاق على الأهل أوجب ولكن إذا كان قد أدى القسم الواجب عليه من النفقة على البيت فإن صرفها في المسجد أولى.
بعض الأمثال قد تكون موجدة في الشعر، فالشعر عند العرب يحفظ بشكل أسرع وله تأثير كبير عند الناس كـ:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
أي أنني من أبناء هذا المجتمع، إن صلح المجتمع فسأكون صالحاً، وإن فسد فسأكون فاسداً
فقد قال تعالى: ((لا يضركم من ضلَّ إذا اهتديتم))، نجد الفرق بين المنطق القرآني وبين منطق الشعر الخاطئ.
وشعر آخر:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يُهَدَّم ومن لا يظلم الناس يُظلَم
القسم الأول من هذا الشعر صحيح وهو أن الإنسان إذا لم يدافع عن حقه فسيؤخذ ويسلب فيجب عليه الدفاع عنه ولا سيما إن كان في مواجهة أعداء الله، بينما القسم الثاني من الشعر كله خطأ وليس صحيح فظلم الناس حرام ولا يجوز، فنلاحظ أن مثل هذه الأمثال تسير عند الناس وتتحول إلى ثقافة وأحياناً إلى سلوك، ولذلك رأينا أن نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم إضافة إلى ما ابتكره من كلمات وأمثلة وحكماً قصار فإنه صحح أيضاً بعض الأمثلة المنتشرة عند الناس، فعند الجاهلية كان هناك مثل شائع وهو: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، فتارة يقول النبي بأن هذا المثل خاطئ وتارة يقول بأنه صحيح انصر أخاك ظالماً أو مظلوما ولكن بأن تمنعه عن الظلم، فإيقافه عن ظلمه هو نصر وإعانة له.