أثر الأمثال الشعبية في الثقافة والسلوك١

أثر الأمثال الشعبية في الثقافة والسلوك١
00:00 --:--

أثر الأمثال الشعبية في الثقافة والسلوك

كتابة الفاضلة أم سيد رضا

قال الله العظيم في كتابه الكريم: ((وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون)).

حديثنا هو مطلع أحاديث حول تأثير الأمثال الخاطئة والشائعة في المجتمع على ثقافة الناس وسلوكهم، فنحن نلاحظ أن هناك عدداً من الأمثال ومن الكلمات فصيحة وشعبية تؤثر في ثقافة الناس بنحو غير صحيح وهي إما في الأصل في مصدرها مصدر غير سليم أو أنها في تفسيرها تفسر بنحو غير سليم، لذلك سوف يكون لنا عدة أحاديث في هذا الإتجاه لتسليط الضوء على هذه الامثال والأقوال وبيان الخطأ فيها إما في مصدرها أو في تفسيرها.

عل سبيل المقدمة نقول أن حركة الإنسان في الحياة مرهونة بثقافته، فالإنسان في سلوكه الحياتي يتحرك على أساس ثقافته سواء كانت هذه الثقافة قليلة أو عالية، صحيحة أو خاطئة، فالذي يدأب على الذهاب للمسجد والصلاة لا يحصل بها على أموال وإنما يبني حركته على أساس أن الذهاب إلى الصلاة والمسجد فيه ثواب وهو سلوك ديني مطلوب وهو محل نجاة، هذه المجموعة من الأفكار والثقافة تدعو لأن يتحرك بإتجاه المسجد، لكن غيره من الممكن أن يقول في داخل نفسه أن عمرنا قصير وما دام قصيراً لنستمتع به، فلماذا أذهب إلى المسجد وأضيع أوقاتي، أو لماذا أقرأ القرآن، فأنا خُلِقت لأن أستمتع في هذه الحياة فلا ينبغي أن أضيع عمري في هذه الأمور. نجد هنا أن هذه ثقافة وتلك ثقافة، وهذه معلومات وتلك معلومات، فتلك تنتهي بالإنسان إلى اتجاه التدين، والثقافة الأخرى تنتهي به في اتجاه التحلل أو اللا هدفية، إذاً فإن حركة أي إنسان إنما تكون رهينة ثقافته وفكرته عن الحياة وعن هدفه فيها وعن النافع والضار، فهم سبل شتى وحركات مختلفة مد على هذا الأساس.

المقدمة الثانية هي أن أسهل شيء في إيصال الفكرة والثقافة هي الكلمات المختصرة والقليلة، فلو أن شخصاً مثلاً جلس يتحدث بالفلسفة والنظرية والكلمات المغلقة وأطال فيها، فالكثير من الناس لا يستوعب هذا المعنى ولا يتأثر به، لكن لو جاء آخر وأعطى مثلاً أو حكمة قصيرة تعبر عن ثقافة وفكرة فإنها سوف ترسخ في الذهن، ولهذا نجد أن الأمثال في كل الطبقات موجودة، حتى أن الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب قد يحفظ الأمثال ويتأثر بها، فقد تكون الأمثال أمثالا تعبر عن أفكار صحيحة وثقافة صحيحة فتجعل مسيرته صحيحة، وقد تعبر عن أفكار غير صحيحة تجعل مسيرته غير صحيحة، فمثلاً عندما يسمع إنسان مثالاً من الأمثال الشائعة وهي (الأقارب عقارب) نجد أنهما كلمتان تحفظان بسرعة، فالصغير يحفظها والشاب يحفظها وكذلك كبير السن يحفظها وهي تعبر عن ثقافة خاطئة وفكرة باطلة لكنها تُحفظ بسرعة، فلو سمع الإنسان محاضرة طويلة فإنه لا يحفظ منها شيئاً كثيراً.

إذاً فإن أسهل الطرق لإيصال الثقافة والتأثير في الناس هو جعلها في أمثلة صغيرة وفي قصار الحكم كما فعل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وقبله سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما نلاحظ أيضاً أن القرآن الكريم استخدم الطريقتين، طريقة فيها بيان الأحكام والتفاصيل والعقائد في آيات طويلة، وطريقة فيها آيات قصيرة تعبر عن أفكار وثقافة مختصرة كقوله تعالى: ((قل هو الله أحد))، فهذه الآية يندر أن نجد شخصاً لا يستطيع أن يحفظها وهي تعبر عن تمام التوحيد، فقد لا تكون بمعنى المثل الذي نتحدث عنه ولكنها استخدمت أسلوب الإختصار في الكلمات   وعبأت هذه الكلمات المختصرة بفكرة، وقد يتحول بعضها إلى أمثال كالمعروف عند المسلمين: (و لا تزر وازرة وزر أخرى) بمعنى أنه لا يعاقب شخص بعمل شخص آخر، فالآية التي جاء منها هذا المثل هي قوله تعالى: ((ألا تزرُ وازرة وزرَ أخرى))، ومثال آخر مأخوذ من الآية: ((أن ليس للإنسان إلا ما سعى)) فهذه أيضاً من الأفكار العميقة المختصرة بأن الإنسان في هذه الحياة لا يحصل إلا على مقدار سعيه، وهكذا في القرآن الكريم نجد هذه العبارات بل ونجد الأمثال كما قال تعالى: ((تلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون)) والكثير من الأمثال التي بينها القرآن الكريم والتي تبقى في الذهن كقوله تعالى: ((لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله))، وقوله تعالى: ((ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء)) وهذا مثال آخر أيضاً. إذاً فإن من أرقى الأساليب التي استخدمها القرآن واستعملها هي ضرب المثل واختصار الفكرة في كلمات محدودة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة