فقال: "ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئا مذكورا"، أولا: نفس البدء بالنعمة هو فضل عظيم، فرق بين أن يأتي شخص ويسألك المعونة، فتعطيه، وبين أنه لا يسألك، وإنما أنت تبتدئه، أنت تبادر إلى الإنعام عليه. الله سبحانه وتعالى ابتدأنا بالنعمة مو في أول حياتنا، مو من أيام حمل أمنا بنا، وإنما ابتدأتني بنعمتك، وفي بعض النسخ "بنعمك"، بنعمك: جمع، بنعمتك يصير جنس النعمة، مو نعمة واحدة، هناك راح يصير لفظ فيه عموم، نعم، جمعة نعمة، جمع تكسير، وإذا لا، اللفظ كان: نعمتك، النعمة هنا لا تعني النعمة الواحدة، التاء هنا ليست تاء الإفراد، وإنما هي جنس النعمة، كل شيء يصح أن يطلق عليه نعمة، داخل فيها، "ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئا مذكورا".
في عندنا تفسير عن الإمام الباقر (ع)، "قبل أن أكون شيئا مذكورا"، يقول: "كان الإنسان مذكورا في علم الله، ولم يكن مذكورا في عالم الخلق". في علم الله مذكور، منظور، منعم عليه، ملاحظ، إله نصيبه، لولا ذلك لألغي من قائمة الوجود فيما بعد، لكن كما ذكرنا قبل قليل، قبل ملايين السنين، الله سبحانه وتعالى يلحظ وجودك أنت ويحيطك بنظره، ويسهل الأمور بنحو، أنت بعد مليون سنة تجي، ولو ألغاك عن نظره، ولو أسقطك من حسابه، لما وصلت نعمة الوجود إليك، لبقيت شيئا غير مذكور إلى الأبد، لكن كنت في عالم الخلق غير مذكور، إلى أن وجدت، أصبحت شيئا مذكورا. أما عند الله سبحانه وتعالى فأنت قبل هذه الأزمنة كنت شيئا مذكورا عنده. كنت شيئا مذكورا عنده، مع أن أنت في ذاك الوقت، لو أردت أن تفكر في نفسك في ذلك الوقت، ربما كنت في صورة ذرات متفرقة هنا وهناك، هاي نطفة والدك، وبويضة والدتك التي نشأت منها، قبل آلاف وملايين السنين، هي عبارة عن ذرات متفرقة في الكون، جدك وجد جدك وهكذا إلى ما لا نهاية، هذا أكل وذاك طعم، فتكون بدنه وبدنه كون هذا الماء المهين، وأمك أيضا كذلك، فكونت البويضة، هذا احسبه في أمك وأبيك المباشر، وما قبله، وما قبلهما من آلاف وعشرات الآلاف من الآباء والأجداد والأمهات والجدات.
"قبل أن أكون شيئا مذكورا، خلقتني من التراب"، إشارة سريعة وننهي بها الحديث هذا اليوم، خلقتني من التراب، يحتمل أن يكون إشارة إلى أصل الإنسان، وهو نبي الله آدم، على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، مثلما أشار الله سبحانه وتعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)، فلما قال هنا في الدعاء "خلقتني من التراب"، هناك احتمال أن يكون إشارة إلى جد البشرية، أساس البشرية آدم (ع)، خلقه من تراب، وأنا أيضا باعتباري ضمن هذه السلسلة، فأنا مخلوق من التراب أيضا، هذا احتمال.
هناك احتمال آخر: أنا الشخص مخلوق أيضا من تراب، ولكن بتكييف آخر، ذلك أن مرجع طعام الإنسان إلى التراب، إما منشأه منشأ نباتي، أو منشأ حيواني، هذا طعام الإنسان، ماكو إله منشأ ثالث، إما أن يأكل من النبات، أو أن يأكل من الحيوان، ومن خلال ذلك ينمو. لاحظ، تتبع طعام الإنسان، كله مصدره أحد هذين الأمرين، ماكو مصدر ثالث، طيب، الطعام هو هكذا، بناء جسم الإنسان يعتمد على هذين المصدرين، يتغذى الإنسان فينمو، يتغذى الإنسان فيكبر، هذان المصدران، كلاهما، سواء كان مصدر نباتي، أو كان مصدر حيواني، هو معتمد على التراب، فلا يمكن أن، لو لم تكن أرض، ولو لم تكن تربة، وما شابه ذلك، لما كان طعام الإنسان مهيأ بالدرجة الأساسية، هذا الطعام الذي يتحول في بدن الإنسان إلى قوة، يتحول إلى قدرة، يتحول إلى عضلات، يتحول إلى أنسجة، يتحول إلى بويضة في بدن المرأة، ويتحول إلى سائل منوي في جسم الرجل، ومنه ومن أصله التراب، يتخلق هذا الإنسان.