خطبة الزهراء الثانية رؤية وتحليل

خطبة الزهراء الثانية رؤية وتحليل
00:00 --:--

السيدة الزهراء عليها السلام بدلاً من ان تتحدث عن حالها البدني لمن زارها فإنها تتحدث عن حال الامة الإسلامية المريض وهذا له معنى عظيم لأن البعض قد تكون الدنيا عنده نفسه كما يعبرون عنه ( إذا نجوت فلا يضرني من هلك )، والبعض الآخر يهتم بحال الامة ومن يكون على الضلال ويأسى لحالهم، فقالت الزهراء عليها السلام لهؤلاء النسوة: (أصبحت والله عائفة لدنياكن قالية لرجالكم لفظتهم بعد أن عجمتهم وشنئتهم بعد أن سبرتهم) ومعنى ذلك أنها سلام الله عليها أبغضت هؤلاء الرجال بعد اختبار وتجربة لأنهم أمروا بمودة ذات القربى ولكنهم فشلوا في اول امتحان لهم وأمروا بطاعة أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن بايعوه بالولاية في يوم الغدير قاموا بالتنازل عن بيعتهم وترك امير المؤمنين عليه السلام.

وتعقب على ذلك: ( فقبحاً لفلول الحد واللعب بعد الجد وخور القناة وخطل الرأي وبئس ما قدمت لهم أنفسهم ان سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون )، فهذه من صفات بعض المجتمعات والفئات التي يكون فيها معدل العواطف عال ولكنهم حين الإرادة والعمل لا يكون لديهم موقف وكأنهم يشابهون ما قاله الفرزدق في توصيف أهل الكوفة عندما قال: قلوبهم معك وسيوفهم عليك.

بعد ذلك قالت سلام الله عليها: ( ويحهم أن زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الوحي الأمين والطبين بأمر الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين)، فهنالك إشارة إلى ذلك الخط اقرشي المناوئ لأمير المؤمنين عليه السلام عندما قالت زحزحوها، فالزحزحة ليست بالشيء البسيط وإنما تحتاج إلى بذل مجهود كما قال تعالى في كتابه الكريم: ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) أي أنه يحتاج إلى سعي وبذل مجهود حتى يخرج من النار ويدخل الجنة، ونلاحظ من ذلك أن هناك نية مسبقة من القوم للقيام بهذا العمل حتى يزيحوا هذه الصخرة التي أخذت بالأعناق وهي قضية أمير المؤمنين عليه السلام كما قال الشاعر: وضربته كبيعته بخم معاقدها من القوم الرقاب، فهذه البيعة معقدها الرقاب وهي شيء صعب بالنسبة لهؤلاء القوم لأن البيعة معناها أن يبيع الإنسان نفسه ويشتري بمن يبايع رضا الله سبحانه وتعالى، ولهذا قاموا وزحزحوا هذه البيعة عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الوحي الامين والطبين، ومعنى الطبين هو من لديه أقصى درجات الخبرة بأمور الدنيا والدين وهو أمير المؤمنين عليه السلام.

من جملة مناظرات ابن عباس عندما سأل أحد الخلفاء عن سبب زحزحة هذه الرسالة عن أمير المؤمنين فقد كان رده هو: بأنهم استصغروا سنه، فقال له ابن عباس: سبحان الله ما استصغره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما أعطاه سورة براءة وأخذها من ذلك الآخر واستصغرتموه أنتم، فنلاحظ إذاً أن القضية ليست في صغر السن وإنما كان سبب تأخير أمير المؤمنين عليه السلام عن الخلافة هو لأنهم نقموا منه نكير سيفه وشدة وطأته وقلة مبالاته بحتفه ونكال وقعته وتنمره في ذات الله عز وجل، فحولوا هذه الصفات إلى مثالب.

وتكمل الزهراء عليها السلام فتقول: والله لو تكافوا عن زمام نبذه رسول الله إليه لاعتلقه ولسار بهم سيراً سجحاً لا يكلم خشاشه ولا يتعتع راكبه ولأوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً تطفح ضفتاه ولأصدرهم بطاناً قد تحرى بهم الري غير متحل مه بطائل إلا بغمر الماء وردعة سورة الساغب)، ومعنى ذلك أنهم لو كفوا عن الشيء الذي أعطاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام وهو الزمام والقيادة لتغيرت الأمور وسارت بهم سيراً سجحاً أي متسلسل وهادئ وهانئ، لا يكلم خشاشه ولا يتعتع راكبه أي لا ينجرح فيه الإنسان، ولأوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً وهذا تعبير عن حسنات الشريعة الإسلامية وخيراتها ونعيمها وبركاتها، ولأصدرهم بطاناً قد تحرى بهم الري وهذا تشبيه بالدليل الذي يعرف مناطق المياه في الصحراء حتى لا يعطش ويهلك من معه وهو يأخذ الشيء القليل منه بغمر الماء أي القدح الصغير وهذا تطابق مع كلام أمير المؤمنين عليه السلام في توصيف خلافة بعض الخلفاء فهو وصف خلافتهم بأن صاحبها كراب الصعبة أي الناقة المتمردة إن أشنق لها خرم أنفها وإن أسلس لها تقحم فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس وتلون واعتراض.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة