بين رحمة النبي وعقوبات الشريعة الاسلامية

بين رحمة النبي وعقوبات الشريعة الاسلامية
00:00 --:--

من جملة ما يثار في مثل هذه القضايا هو السؤال بأنه كيف للنبي أن يكون رحمة ويأتي بنظام في العقوبات فيه قطع اليد والقتل والجلد وغير ذلك، فالرحمة هي حقوق الإنسان والتي لا تتناسب مع ذلك الأمر وبذلك فإن الدين والنبي لا يكونا رحمة.

إن الجواب على ذلك يطول ولكن نشير إلى بعض الإشارات عليه:

١ – أن الإسلام قبل ان يصنع نظام للعقوبات فإنه يهيأ المجتمع بشكل يسعى فيه ان لا يكون هذا الشاب او تلك الشابة وراء ما يوجب عقوباتهم، فمن لديك شهوة جنسية فعلى أباه أن يزوجه وكذلك فإن الإسلام يطلب من المجتمع تسهيل امر الزواج كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( خير نساء أمتي اقلهن مهراً )، وقوله أيضاً: ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه )، فيستطيع أن يشبع شهوته هنا دون الحاجة إلى اتخاذ طريق الحرام، وأيضاً الإنسان الذي يربى على أساس القناعة ويحمل والده وأهله مسؤولية الإنفاق عليه والصرف فإنه لا يجد في نفسه حاجة إلى أن يسلك طريق السرقة حتى تقطع يده، ويجب أيضاً أن يعلم الإنسان على أن حل المشاكل في الدنيا ليست بتصفية الطرفة الآخر وإنما بالكلمة الطيبة والتفاهم الحسن ومنع الغصب والإنفعال فحينها لن يجد ذلك الشاب او الرجل نفسه مسوقة لكي ينتقم ممن يخالفه عن طريق القتل والجرح وغير ذلك.

٢ – إن الإسلام يشترط اشتراطات كبيرة جداً ومفصلة في امر ثبوت الجريمة، فلا يقيم الحد على الإنسان بمجرد أن يقال عنه أنه مجرم، فبعض الأحيان يصعب جداً إثبات الجناية والجريمة على الإنسان بل والاكثر من ذلك فإنه يقول للإنسان استتر إن الله ستير يحب الستر، فعندما يرتكب ذلك الإنسان جريمة عليه أن يستغفر ربه وحينئذ لوكان الحق حقاً إلهياً فلن يعاقب كما قال تعالى في كتابه الكريم: (( إلا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم ))، فليس مطلوباً من الإنسان أن يعترف امام الناس أنه أجرم أو ارتكب خطأً وإنما يجعل ذلك بينه وبين ربه فعندما يستغفر الله عز وجل ويطلب منه التوبة حينها لن يكون مطالباً إلا إذا كانت جريمته في حق من حقوق الناس، مثل أن يسرق شخص شخصاً آخر فإنه لو تاب عن السرقة لا يكفي ذلك وإنما يحتاج ان يوصل المال لصاحب المال، ولا يشترط عليه بأن يعترف امام الشخص المسروق بانه سرقه ولا يشترط أن يعلن عن ذلك بل المهم هو ان يوصل ذلك المال الذي سرقه لصاحبه بأي طريقة من الطرق حتى وإن كانت بطرق غير مباشرة ويستغفر ربه والله يتوب عليه.

إذاً فإن الإسلام يشترط إشتراطات كبيرة في هذا الجانب حتى لا تثبت الجريمة على الإنسان، فإذا مع كل ذلك ومع تربية الدين والمجتمع لهذا الإنسان بذلك النحو ثم التشدد الكبير جداً أصر الإنسان على جريمته وجب عليه ان يعاقب، كقضية القتل مثلاً فيها أن من يقتل نفساً عمداً ومع سبق الإصرار فإنه يُقتل لأن الرأفة بهذا الشخص هو فتك وتخريب للمجتمع ولن يأمن أحد على دمه ونفسه، وكذلك السارق عندما يسرق ويُترك بدون عقوبة فلن يأمن أحد على أمواله وما يمتلك، فلو نظرنا إلى العقوبات الموجودة في مجتمعنا الآن وهي عندما يسرق الإنسان أو يقوم بتهريب المخدرات وغير ذلك من الجرائم فإنه يُسجن، فبذلك يقوم المجتمع بالصرف عليه لأنه عندما يسجن يتطلب ذلك إنشاء مباني لأجله بالإضافة إلى ذلك الأكل والشراب الذي يقدم له والأشخاص الذي يقومون بالخدمة لأجله من حارس وبواب وغيرهم فهؤلاء لا تأتيهم الاموال من السماء وإنما كلها من الناس، فإن النظام الذي جاء به الإسلام وهو معاقبة المجرم ليبقى عبرة لغيره يجعل الإنسان يفكر كثيراً ولن يقبل بأن يصيبه كما أصاب المجرم الذي قُطعت يده او قُتل، ففي الواقع بأن عقوبات الدين وتشريعاته هو من انحاء الرحمة بالمجتمع ككل وإن كان فيها قسوة ظاهرية على نفس المجرم.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة