مقاييس الثواب الإلهي
تفريغ الأخت الفاضلة أم سيد رضا
قال الله العظيم في كتابه الكريم: (( من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون )).
المقاييس الإلهية في الثواب والجزاء والأجر هي مقاييس تتناسب مع الله سبحانه وتعالى ولا تتناسب مع ضيق العبد ولا صغر العمل وقلته، وحيث ان الإنسان عادة ينظر إلى الأشياء بمقاديره ومقاييسه لذلك قد يتعجب احياناً ويتساءل ويتشكك في مقدار العطاء الإلهي، وهذا راجع إلى ضيق وعاء الإنسان وإلى حدوده الصغيرة والقليلة، فلو أن رجلاً متوسط في المستوى المادي قال لأحدهم بأنه سوف يهديه هدية ثمينة فإن هذا الشخص سوف يأتي في ذهنه بأن هذه الهدية الثمينة لن تتجاوز الخمسة آلاف ريال مثلاً لأن المستوى المادي للرجل متوسط، فالإنسان يرى أن الهدايا التي تهدى في هذه الدنيا هي ضمن هذا الإطار ويرى بأن سعة الإنسان وقدرته وأمواله هي ضمن هذه الحدود فلا يعقل أن يعطيه هديه بخمس ملايين مثلاً لأن كل ثروته هي بهذا المقدار، ولذلك فإن الإنسان يقيس هدايا الإله وجزاءه بمقداره هو وبمقدار ما يعطيه سائر الناس وعامتهم، فلو انه انتقل إلى خارج هذا المقياس إلى مقياس الله عز وجل الذي لا تزيده كثرة العطاء إلا جوداً وكرماً فإنه ينبغي أن يغير مقياسه.
نلاحظ في القرآن الكريم بأنه جاءت آيات متعددة تتحدث عن مقاييس الله عز وجل ومنها: (( من جاء بالحسنة فله خير منها ))، فالذي يأتي بالحسنة يحصل على خير منها، ومعنى خير هنا إما ان يكون بمعنى التفضيل كأن يقول هذه السيارة أفضل من تلك السيارة وقد تأتي بمعنى خيرات عائدة عليه من تلك الحسنة أي انه سيرجع إليه الخير النابع من تلك الحسنة التي فعلها.
هناك مقياس آخر أيضاً في قوله تعالى: ((من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها))، فالحسنة بعشر أضعاف ومنه ما ورد في الأحاديث بأنه من صام ثلاثة أيام من آخر شهر شعبان ووصلها بشهر رمضان فهو صوم شهرين متتابعين لأن صيام هذه الثلاثة أيام من شعبان هي حسنات والحسنة بعشر امثالها فتكون ثلاثين حسنة أي صيام شهر كامل مع شهر رمضان فيصبح شهران متتابعين، ولعل أكثر الأعمال الصالحة والحسنات هي بهذا المقدار ( ١=١٠ ).
المقياس الثالث في قوله تعالى: ((من ذا الذي يقرض الله قرضاَ حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة))، هذا يأتي في معنى خصوص القرض إذا تقيدنا بكلمة من يقرض الله وقد ورد في روايات أنك إذا أقرضت أخالك المؤمن فكأنما أقرضت الله عز وجل، فقد ورد عن المعصومين عليهم السلام انه إذا جاء يوم القيامة يسأل الله العبد فيقول: (يا عبدي مرضت فلم تزرني، افتقرت فلم تعطني، احتجت فلم تقرضني، فيجيب العبد: أنك يا إلهي أجل من أن تمرض واجل من ان تفتقر وأجل من ان تحتاج، فيقول عز وجل: ذاك عبدي المؤمن مرض ولم تزره وافتقر لم تعطه واحتاج ولم تقرضه)، وقد يأتي بمعنى آخر أيضاً كأن يعطي صدقة أو عطاء مثلاً فهي هنا بعنوان القرض، فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ومعنى كثيرة هنا إما أن نقول كما فسره أئمتنا عليهم أفضل الصلاة والسلام بأنها ما زاد على ثمانين، فقد سُئل الإمام عليه السلام أنه إذا نذر أن يتصدق لله بدراهم كثيرة فكم يعطي؟ فقال عليه السلام: بل بثمانين وما زاد، فإن أخذنا كلمة كثيرة بهذا المعنى فهذا يعني أن الله تعالى يضاعف للمؤمن الذي يقرض الله تعالى بثمانين ضعفاً وهذا شيء كثير جداً.