١٣ أولياء السلطان والأوقاف .. أمانة أو خيانة؟
كتابة الأخت الفاضلة امجاد عبد العال
قال الله العظيم في كتابه الكريم، حاكيا عن يوسف، قال: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ). آمنا بالله. صدق الله العلي العظيم.
لا يزال حديثنا، في موضوع الأمراض الأخلاقية. وقد تقدم الحديث عن الخيانة بشكل عام. وصنفنا الخيانة إلى عناوين متعددة، منها: الخيانة في الولايات: أن يتولى إنسان ولاية صغيرة كانت أو كبيرة، ثم لا يقوم بشأنها ولا يؤدي ما وجب عليه فيها متعمدا، هذا يعد خائنا لمقتضى ولايته تلك.
وأبز الخيانات، في موضوع الولايات، الخيانة التي تصدر من بعض السلاطين في حق الأمة. وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع): "أَعْظَمُ الخِيَانَةِ: خِيَانَةُ الأُمَّةِ". وأكثر الناس ممن يستطيع ممارسة الخيانة في حق الأمة عموما، هم: السلاطين والحكام الفاسدون. وإلا فإن رجلا عاديا مغمورا، حتى لو أراد أن يقوم بخيانة، فإن خيانته لا تكون على مستوى كل الأمة.
نعم، الخليفة الفاسد، الحاكم الجائر، من الممكن إذا تعمد خيانة ولايته أن يكون خائنا لعموم الأمة. وهذا حديث طويل. يبدأ من أن السلطان أو الخليفة أو من يشبهه فيمن يتصدى لمثل هذا المنصب. هل يقوم بما التزم به أو أُلزم به من حفظ مصالح العباد، ومن حفظ استقلال الأمة، ومن تنمية ثرواتها، ومن عدم احتجاب أموالها لشخصه أو لفئة خاصة فيها. المفروض أن السلطان في كل مكان، إما إذا كان قد جاء بتنصيب إلهي أو شبه إلهي، فإنه قد أخذ عليه عهد أن يكون أمينا على من استخلف عليهم، وعلى من تولى عليهم.
بل حتى إذا جاء بطريق بشري، كالانتخاب الشعبي مثلا، أو التراضي الاجتماعي أو ما شابه ذلك، فإن في ضمن هذا التعاقد الاجتماعي بين الناس وبين هذا الشخص قد أخذ عليه أن يلاحظ مصالح المجتمع وتنميته وأن يعمل من أجل إسعاده، وأن يكون أمينا على ثرواته وأمثال ذلك.
ولعل هذا ما أشار إليه مولانا أمير المؤمنين، صلوات الله وسلامه عليه، عندما انتهت حرب الجمل، وأراد العودة من البصرة إلى الكوفة. فالآن الإمام يفترض أنه قد تغلب على هؤلاء أهل الجمل، وأنه قد ربح منهم غنائم واستحل منهم أشياء، إلا أن الإمام لا ينظر بهذا المنظار، وإنما ينظر بمنظار الوالي العادل الذي هو أمين على مصالح هذا المجتمع.
فقد ورد في الخبر، أنه بعد نهاية الحرب، قام في أهل البصرة، وقال لهم: "مَا تَنْقِمُونَ عَلَيَّ يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ"، يعني: الذين ساعدتم الخارجين علي. بالتالي أسس هؤلاء جيشا من تلك المنطقة. ماذا تنقمون؟ لماذا أثرتم ضدي؟ وأشار إلى قميصه وردائه، فقال: "فَوَاللهِ لَهُمَا مِنْ غَزْلِ أَهْلِي". أي: هذا القميص وهذا الرداء من غزل أهلي. ثم كرر الكلام وقال: "مَا تَنْقِمُونَ مِنَّي يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ"، وأشار إلى صرة في يده فيها نفقته، وقال: "وَاللهِ مَا هِيَ إِلَّا مِنْ غِلَّتِي بِالْمَدِينَةِ". فغلتي، الاحتمال، أن عليا (ع) كان لديه بعض الأراضي والبساتين الشخصية. وبعضها كانت صدقات موقوفة على عياله، معروفة: بصدقات علي بن أبي طالب. فهذه من غلتي، يعني: لم آخذ من بلدكم حتى هذا المقدار للطعام. "فَإِنْ أَنَا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكُم بِأَكْثَرَ مِمَّا تَرَوْنَ، فَأَنَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْخَائِنِينَ".
أي أنا أتيت إلى بلدكم وحاربت جماعة خارجين علي، وكانوا بمساعدتكم، وانتصرنا عليهم. فإذا رأيتم عندي غير هذا القميص وهذا الرداء، وهذه الغلة البسيطة، فأنا عند الله من الخائنين. أين هذا الكلام ممن يجعل أموال الأمة مباحة له. أو ما قاله مولانا الإمام الحسن المجتبى، عن أمير المؤمنين (ع)، في تأبينه لأبيه، قال: "وَمَا تَرَكَ صَفْرَاء وَلَا بَيْضَاء إِلَّا ثَلَاثمَائة دِرْهَم أَوْ سَبْعُمَائة دِرْهَم، أَمَرَ أَنْ نَشْتَرِي خَادِمًا لِأَهْلِهِ". هذا المقدار كان قد عزلها من أجل أن يساعد بعض زوجاته في وجود أمة أو جارية. هذا كل الذي تركه، وهو الحاكم على بلد بذلك الطول والعرض.