وعوداً على موضوع مسلم ابن عقيل ، عندما جيئ به وقد شتر وجهه بالسيف وكتف ، تنقل هنا أكثر من حادثة ، الأمر الأول في قضية شرب الماء، لما سقطت دماؤه في القدح امتنع من الشرب والسبب هنا واضح وهو سبباً شرعياً نظراً لأن هذا الماء يفتر ض( مهما كان ) هوماء ينطبق عليه عنوان الماء القليل في نظر الشارع فأي قطرة تصيب ذلك الماء من النجاسة يصبح نجساً ، لا يجوز له أن يشرب ، وكذلك لم يكن مسلماً مثلاً في درجة من الإظطرار كالإنسان الذي سيموت من العطش إن لم يشرب حتى يقال أنه يحوز لمسلم أن يشرب حتى ولو كان الماء نجساً.. طلب مسلما الماء مرة أخرى فحدث مثل المرة الأولى ، حينها تعفف مسلم عن الشرب .. فهو إذاً انساناً ملتزماً حتى بهذا المقدار، وهو أنه لا يشرب هذا الماء النجس مادامت القضية ليست قضية اضطرار إلى درجة الموت عطشاً ، في نفس الفترة وفي نفس الحادثة تقول الروايات أنه استدنى عمر ابن سعد وقال له أنه لي عندك وصية ، فسأله وما هي تلك الوصية ؟ فقال مسلم : أنني مديون بأربعمئة درهم ، وهذا سيفي ودرعي يستحقان أكثر من هذا المقدار، فبعهما وسدد ديني ..
بنو زهرة وبنو هاشم يرتبطون في الجدود في قريش ، فرأى مسلم أن أقرب واحد من الممكن أن يقوم بتنفيذ هذه الوصية هذا الذي بينه وبينه صلة قرابة ، فقام عمر ابن سعد ولكي يبين موالاته لابن زياد وقال لابن زياد ان مسلماً أوصاني بكذا وكذا.. فعاتبه ابن زياد على ذلك ،عبيد الله ابن زياد والذي هو بهذه القسوة عاتب عمراً ،حيث قال لعمر: لم يكن هناك داعٍ لِأَن تخبر عنه .. (؟ما خانك الأمين ولكنك أأتمنت الخائن )
إنما هي وصية .. أحدٌ ما مديون وأوصاك بوصية شخصية فما الداعي لِأَن تخبر الناس بهذا الأمر ؟ وقد أبى عمر أن يقوم بهذه الوصية .. حتى يبين للحكومة أنه معها ، أي وأنه حتى بهذا المقدار فإنه لا ينفذ وصيته..فطلب مسلم ابن عقيل من شخص آخر ان يقوم بالوصية وقد قبلها ذلك الشخص، ونفذ وصيته..
وهنا تستوقفنا أمور:
الأمر الأول: ان شخصاً ما على سبيل المثال قد أتى من يوم خمسة شوال و دخل الكوفة وبقي إلى ثمانية ذي الحجة وهو خلال هذه الفترة آلاف الناس قد جاءوا إليه ، فمن كانت لديه أموال سلمها ومن كانت لديه تبرعات أحضرها ، هذاالشخص الذي بايعه ثمانية عشرألفاً بما يشكلون من قوة عددية وقوة مالية ، ومع ذلك يموت مسلم ابن عقيل مديون أربعمئة درهم ؟ هذه هي النزاهة ..في حين أن قسم من الناس لايمضي عليه وقت من وجوده في الوزارة أو الإرادة ، تراه تجري السيول من الأموال في حساباته الشخصية..
ومسلم الذي بقي ثلاثة أشهر في الكوفة، وثمانية عشر ألف يقولون له نحن نبايعك ، هم كبارأهل الكوفة ، ثم يقضي مسلم مديون بأربعمئة درهم ، وأول ما يفكر فيه يفكر في ديونه..أين هذا وأين قسم من الناس ،من يكون مديوناً عند هذا وعند ذاك ولا يفكر حتى في حياته العادية فضلاً عن قرب موته..يستأجر شيءاً ولا يدفع قيمة الإجار ..؟يشتري شيءاً ولا يدفع الباقي ،يدفع عربوناً ثم يتناسى .. يافلان إن عليك ديناً، فلا يجيب إلا: ليس لدي مال الآن أو يسوِّف ويقول خيراً يكون..
أين هذا من ذاك ! ..فأربعمئة درهم أمر بأن تسدد عنه، وهذا يبين لنا هذا المعنى وهو أن صور قضية الديون وبالذات في كربلاء كأنما تريد أن تعظ الناس..
والأمر الثاني : شخص يقال له مالك ابن النضر الأرحبي، جاء إلى الإمام الحسين في الطريق ودعاه الحسين إلى نصرته ، ثم علم الحسين ( ع ) أن هذا الرجل مديون بدين فقال له :لا.. إذهب سدد دينك ، وفي بعض الروايات تقول أعطاه أموالاً وحلل لتسديد ذلك الدين ..