الظلم في حياتنا الزوجية ٢٥

الظلم في حياتنا الزوجية ٢٥
00:00 --:--

هذان الحديثان؛ ليكونا مدخلا لنا للحديث عن الظلم في حياتنا القريبة منا، حياتنا الأسرية. وهي أقرب شيء للإنسان، على خلاف ما يتصوره. أحيانا لما تقول: الظلم. فأول ما يتباذر إلى الذهن ماذا؟ ظلم فرعون. عادة الإنسان يذهب بعيدا. بينما الظلم، قد يكون هو في يده، هو نفسه مصداق من مصاديق الظلم. لما تقول له: مثلا، هناك ظلم وهو ظلمات يوم القيامة، فأول ما يتباذر إلى ذهنه ظلم الطبقة السياسية، أو الحاكمين، أو المتسلطين، أو ظلم يزيد، أو بني أمية، أو المنصور العباسي، أو ما شابه ذلك. لا، تعال، وانظر في داخل دائرتك، فأنت الأقرب، وقد تكون أنحاء الظلم المتحققة فيك، ليست قليلة. فلنأخذ بعض النماذج في هذا. حتى نحذر منها.

الحمد لله، من يسمع، إن شاء الله، بريؤون من هذه الأمثلة والنماذج. لكن التذكير شيء حسن، وإثارة الذهن أمر محبذ. في داخل الأسرة، العلاقات فيما بين الزوج والزوجة وبالعكس، وفيما بين الأب والأولاد، وبالعكس. هذه قد تشوبها شائبة الظلم، فيكون مرتكب هذه الأفعال مشمولا للأحاديث التي ذكرناها قبل قليل، بل والأحاديث التي ذكرناها في وقت سابق، من أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن من الدواوين ما لا يترك، بل القصاص فيه لا محالة، وهو ظلم العباد لبعضهم البعض.

زوجان، في داخل أسرة، يمكن أن تكون العلاقة بينهما علاقة عادلة، وممكن أن تكون العلاقة بينهما علاقة ظالمة. أي أحدهما ظالم، والآخر مظلوم، قد وقع عليه الظلم. من أمثلة ذلك: قيام أحد الطرفين - ولنفترض هنا في المثال الأول: الزوج - بالإساءة اللفظية إلى زوجته: بشتمها، بالكلام السيء عنها. إحداهن كانت تتشكى، وتقول: أن زوجي أبا فلان لا يسميني إلا البقرة. "قومي يا البقرة، وقعدي يا البقرة، وجت البقرة، وراحت البقرة"، وعلى هذا المعدل، وأنا أبدي له أني لا أرتاح إلى هذا، فإما أن تسميني باسمي العادي، أو أم فلان. فأنا أقول لك: يا أبا فلان، وبالاحترام أخاطبك. هذا من الإساءة اللفظية، ومن الظلم.

من ظلم هذا الزوج لزوجته: الإساءة باللفظ إليها. وإذا تعدى عند البعض - لا سمح الله - إلى أمر القذف: يا فاعلة، يا تاركة، وكذا، فهذا بالإضافة إلى أنه ظلم، في بعض الحالات يوجب الحد، إذا لم يثبت عليها ذلك. فلو نسبها - والعياذ بالله - إلى عمل محرم، وقال لها: يا فاعلة كذا وكذا، بالألفاظ التي يعرفها بعض هؤلاء الخاطئين. فهذا بالإضافة إلى أنه ظلم، فمن الناحية الشرعية هو يستوجب الحد. فأنت تقذف امرأة، ولو هي زوجتك! فالذين يقذفون المحصنات من المؤمنات، هؤلاء لهم ماذا؟ عقوبة مقررة في الشرع. وهذا من الظلم لو كان غير ذلك: يا غبية، يا جاهلة، يا كذا، يا فلانة، يا حيوانة ... هذه الألفاظ، هذا الفحش في الكلام يعتبر ظلما من الظلم.

هنا، قد تكون الزوجة - كما هو حال كثيرات من النساء، جزاهن الله خيرا - يصبرن وتصبر على سوء خلق زوجها. خصوصا إذا كان من البيئات التي هذه الكلمات هي المتداولة عندهم. فترى هي أنه إذا ترد عليه، وتأخذ وتعطي معه، قد تنشب معركة. قد يضرب، قد يطلق، يتفرهد هذا البيت. فبعض النساء العاقلات تصبر على سوء خلق زوجها من الكلام الجارح، والعنف اللفظي، وهذه في أعلى الدرجات. في الحديث عن نبينا المصطفى محمد (ص): "مَنْ صَبَرَتْ عَلَى سُوءِ خُلُقِ زَوْجِهَا، أَعْطَاهَا اللهُ مِثْلَ ثَوَابِ آسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِم". آسية بنت مزاحم، ضربت مثلا للذين آمنوا في سورة التحريم، (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ)، وفي بعض الروايات، وصفت أنها: من سيدات نساء الجنة، وفي بعضها: "حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ"، يعني: تكفي هذه النماذج. وذكرت إلى جنب خديجة ومريم وفاطمة سلام الله عليها. وفاطمة أفضلهن جميعا. فهذه المرأة التي تصبر على سوء خلق زوجها، وتعنيفه إياها، وشتمه وظلمه لها، تنال مثل ثواب آسية بنت مزاحم. فهو يحصل على العقاب، ولا يمر الأمر هكذا، وسيأتي الحديث في هذا بعد ذلك. ولكن، هي لو صبرت وتحملت؛ لأجل صيانة بيتها الزوجي وحفظ عيالها، أعطاها الله في الآخرة مثل ثواب آسية بنت مزاحم.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة