تلك البلاد، وتدرس في العادة في المدارس الرسمية، وتتعرض إلى الإعلام العام. يأتي الأستاذ إلى طلاب خريج ثانوية لتوه، دون العشرين من العمر - والطالبة كذلك- ويطرح عليه أسئلة أكبر من حجمه. يقول له: أنتم تقولون - مثلا - أن هذا الكون يحتاج إلى مدير ورب ومدبر. لا، العلم أثبت الآن حسب نظرية الانفجار العظيم - كما قالوا - أن هذا الكون وإدارته يمكن تصويرها من دون مدبر حكيم، بناء على مقدمات علمية ذكرها أصحاب هذه النظرية. فأنت هذا البناء الذي بنيته في ذهنك، العلم الذي تركض وراءه من بلدك إلى هنا، يقول: العالم لا يحتاج إلى منظم ومدبر. أنت الذي أتيت من بلد تراثها الديني يقول: أن آدم خلق دفعة واحدة من ماء وطين، ثم نفخ فيه من روح
الإله. العلم - بحسب ما ذكر في نظرية النشوء والتطور الداروينية - ينفي هذا الكلام. دينكم يقول: عمر العالم - مثلا - ٧٠٠٠ سنة، ٨٠٠٠ سنة، لكن العلم يقول: أن عمر الكون يمتد إلى ملايين السنوات. وهذه المتحجرات، والباقي من تلك الأزمنة والتجارب وغير ذلك، تفيد غير هذا المعنى. فتثار هذه الأسئلة. طبعا لما يكون طالب لتوه، عمره عشرون سنة، قدم من بلده حتى يأخذ العلم من هذه الجامعة، وأمامه أستاذ بروفيسور متخصص، لن يستطيع في الغالب الرد على مثل هذا السؤال. فتثار الشكوك في ذهنه.فيما يرتبط بحياة نبينا المصطفى محمد (ص)، وهذه في الغالب تأتي من طرف الجهات التبشيرية المسيحية: من قنوات، وكتب، وأساتذة، وأحيانا يعتمدون على بعض ما ورد في كتب بعض المسلمين، مما لا ينزه ساحة النبي
(ص). فتنسب إليه أشياء تعافها النفس، وأفعال يعارضها الحس الإنساني، وهي في اعتقادنا غير صحيحة، لكنها موجودة في قسم من كتب المسلمين، وبعض هذه الكتب، معتبر عند بعض المذاهب الإسلامية. فيطلع عليك هذا، ويقول: أنتم تقولون في الكتاب الفلاني، الذي هو صحيح ومعتبر عندكم، أن النبي فعل كذا، قتل بهذا الشكل، عاقب بهذه الطريقة، حصل عليه هذا الأمر. وهذا لا ينسجم مع المبادئ الأخلاقية، ولا مع الإيمان بعدالة الله، فيحرج هؤلاء الناس. فإما أن يشكك في بعض هذه الكتب، وهو أسهل الأمور، أو أن يشكك - لا سمح الله - في نفس النبي (ص) وفي شخصيته، أو أحيانا - وهو الخط الأسوأ - يهتز إيمانه بالكامل بمنظومة الدين. لهذا يعتبر أمر التشكيك - سواء جاء من الخارج أو جاء من
الداخل - أحيانا تحدث تشكيكات في داخل دائرتنا الاجتماعية، وقد تؤثر هذه عند قسم منه. فيما يرتبط بالأمور الدينية في التشيع، أيضا هناك من يتحدث بلسان المشكك الذي يخلف آثارا غير حسنة. سوف يأتي الحديث إن شاء الله بعد قليل: أننا لا نعتقد في داخل الدائرة الإسلامية، أن كل دعوة لإعادة النظر في بعض الأمور، ليست دعوة تشكيك بالضرورة. فقد تكون دعوة إصلاح، دعوة توثيق، قد تكون دعوة لصناعة يقين أكبر. فليس كل دعوة فيها ملاحظة على هذه الفكرة أو تلك، هي دعوة تشكيكية، ينظر إليها بمنظار غير حسن، كلا. وسيأتي بعد قليل الحديث عن الشك العلمي المنهجي، وعن التشكيك التهريجي. ونبين بعض الفوارق بينهما إن شاء الله. أمام مثل هذا الأمر، هناك حلول على مستوى الطائفة والدين والمجتمع، وهناك
حلول على مستوى الأفراد. أما الحل على مستوى الطائفة والمجتمع الديني: فنحن نعتقد أنه لا بد من الدعوة إلى إنشاء مراكز إلى الأبحاث العقيدية التي ترصد الإثارات والتشكيكات، لا سيما فيما يرتبط بالعقائد الأساسية، خصوصا قضية التوحيد والإله، وما يطلق عليه في هذه الأيام: موجة الإلحاد. مع أني لا أعتقد أنها موجة، وأعتقد أن هناك تضخيما كبيرا لها من قبل أصحابها ودعاتها حتى يقولوا: نعم، انظروا، كل المجتمع أصبح ضمن هذه الدعوة. فيشيرون إلى هذا المعنى: أن هذا التوجه، توجه قوي، وله من يؤيده بشكل كبير. ولعل بعض الإحصاءات التي تنشرها قسم من المراكز الأجنبية عن نسب الإلحاد التي تتصورها في المجتمعات الإسلامية، داخل في هذا الأمر. ترى - مثلا - نسبة الملحدين في البلد الفلاني ٣٠%، نسبة الملحدين في