وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً )) . ٢- في حديث عن أمير المؤمنين (ع) :(( لِلْغَائِبِ مِنَّا غَيْبَةٌ أَمَدُهَا طَوِيلٌ، كَأَنِّي بِالشِّيعَةِ يَجُولُونَ جَوَلَانَ النِّعَمِ فِي غَيْبَتِهِ يَطْلُبُونَ الْمَرْعَى فَلَا يَجِدُونَهُ، أَلَا فَمَنْ ثَبَتَ مِنْهُمْ عَلَى دِينِهِ وَ لَمْ يَقْسُ قَلْبُهُ لِطُولِ أَمَدِ غَيْبَتِهِ فَهُوَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .فلاحظ عبارة : يجولون جولات النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه ... فهي كناية عن حالة من البحث عن الحقيقة التي هي متلازمة للإنسان أن يتعرف على قيادته وأن يبحث عنه .والملاحظ في هذا الحديث أن فيه تأكيداً على أصل القضية المهدوية وأصل وجوده وغيبته الطويلة وموقف المؤمنين .وهذا ما يؤكد ما يذهب إليه الإمامية من أن المهدي ولد لابنه الحسن العسكري ثم يغيب غيبة طويلة ولا يصدق
على من يولد آخر الزمان ، كما يذهب إليه علماء مدرسة الخلفاء .والغيبة الطويلة التي تترافق مع حيرة قسم من الناس هذه لا تنسجم مع النظرية التي يقدمها مدرسة أتباع الخلفاء عن أن الإمام المهدي يولد آخر الزمان من أهل البيت .فهذا الحديث يتحدث عن غيبة أمدها طويل وعن حالة من التساؤل والتفتيش عن القيادة الربانية . وعن حالة الشيعة حينذاك، فقسم يقسو قلبه على أثر طول الغيبة وعلى أثر التشكيكات وعلى أثر البعد عن قيادته فيتخلى عن هذه القيادة وقسم آخر يثبت قلبه ويستمر على ذلك حتى يلقي ربه .٣- في حديث أكثر تفصيلاً يتحدث الإمام الصادق عن أبيه الإمام الباقر (ع) : (( لقائم آل محمد غيبتان واحدة طويلة والأخرى قصيرة )) وقد انقضت الغيبة الصغيرة في زمن
السفراء الأربعة ونحن نعيش في الغيبة الطويلة .فكيف يمكنه أن يعيش بيننا ؟ أم هو غائب فلا نراه ؟ ويشرحه ما رواه الكليني في الكافي بسند صحيح : عن علي بن ابراهيم، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي نجران ، عن فضالة بن أيّوب، عن سدير الصيرفي قال: «سمعتُ أبا عبدالله عليه السلام يقول : إن في صاحب هذا الامر شبهاً من يوسف عليه السلام ـ إلى أن قال ـ فما تنكر هذه الاُمّة أن يفعل الله جل وعز بحجته كما فعل بيوسف ، أنْ يمشي في اسواقهم ، ويطأ بسطهم حتى يأذن الله في ذلك كما أذن ليوسف ، قالوا : أَإِنك لأنت يوسف ؟ قال : أنا يوسف )) .فالملاحظ أن في هذا الحديث يتحدث الإمام الصادق
)المتوفى سنة ١٤٨ هجري ) ، أي قبل قرن تقريباً من ولادة الحجة ؛ ومع ذلك يهيء من ذلك الوقت ويعطي الثقافة اللازمة ممن سيكون في زمانه وبعد زمانه .والمعروف أن النبي يوسف غاب عن أهله وبقي حياً بالرغم من المؤامرة عليه ، حيث أخفي في البئر ليكون فيه موته ، ولكن الله حفظه فيه ، فكذلك المهدي .ويسلك الإمام الصادق بأسلوبه الاستنكاري : لماذا تستنكر الأمة هذا الشبه بين وصي خاتم الأنبياء وبين نبي الله يوسف ؟ . فيوسف أخوة ولم يعرفوه بشخصيته ، حيث خفي عنهم رغم تعاملهم معه . حيث يستدل الإمام بذلك ويؤكد : لماذا تنكر هذه الأمة أن يكون أيضاً صاحب الأمر مع الناس ويجلس معهم ويتاجر معهم ويحضر معهم في الحج والمواسم ، وربما
يكون كتفه بكتفك ولكن لا تعرفه أنه هو .فالإمام الصادق هو الذي بلور فكرة الغيبة العنوانية للإمام المهدي وأنه لم يكن اختفاءً جغرافياً .نسأل الله أن يعجل فرجه وخروجه آمين.