محورية العقل في توجيهات الامام الكاظم عليه السلام
تفريغ نصي الفاضلة رباب محيسن
تصحيح الفاضل أبي محمد العباد
المقدمة:
من وصية سيدنا ومولانا الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر سلام الله عليه لهشام بن الحكم رضوان الله تعالى عليه إنه قال ( يا هشام وإنّ الله تبارك وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه ، فقال: ( فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧)الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَاب(١٨) )[١] ، يا هشام: إنّ الله عزّ وجل أكمل للناس الحجج بالعقول، وأفضى إليهم بالبيان، ودلّهم على ربوبيته بالأدلاّء، يا هشام: إن الله وعّظ أهل العقل ورغّبهم في الآخرة، فقال: ( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ )[٢]، يا هشام: ثمّ بيّن أنّ العقل مع العلم، فقال: ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ )[٣]، يا هشام: إن لله حجتين على الخلق حجة ظاهرة وهم الأنبياء وحجة باطنة وهي العقول).
هذه الوصية من وصايا الإمام الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم وقد نقلها أحد أعلام الامامية المتوفى في القرن الرابع الهجري وهو الحسن بن شعبة الحراني رضوان الله تعالى عليه في كتابه تحف العقول عن آل الرسول، مزامناً ومعاصراً لثقة الإسلام الكليني، وهذا الكتاب بالمناسبة يعرب عن مستوى وحسن مؤلفه في حسن اختياراته، ولذلك ينبغي للإنسان الذي يريد أن يتثقف ثقافة منتخبة من أفضل ما قاله أهل البيت عليه السلام في المسائل التربوية والأخلاقية فليرجع إلى هذا الكتاب، منتخب هذا المؤلف ابن شعبة الحراني، من كل معصوم من المعصومين عيون وصاياهم ومحاسن كلماتهم نخل وانتخب أفضل الخطب وأفضل الوصايا وأفضل الكلمات التي بها معاني تربوية وأخلاقية عالية، وكأنما يصنع برنامج تربوي للإنسان المؤمن، ونحن ننصح إخواننا وأخواتنا من أهل المطالعة والمعرفة أن يرجعوا إلى هذا الكتاب القيم ففيه من جملة ما نقل من كلمات الإمام الكاظم عليه السلام ووصاياه نقل وصيته - أي الإمام الكاظم - لأحد أعاظم أصاحبه وأصحاب أبيه وهو هشام بن الحكم.
هذه الوصية تكتسب أهمية من أربع جهات :
الجهة الأولى: المتكلم
كان يكون المتكلم مثلا معصوم وهذا يكتسب لجهة أن المتحدث والموصي ليس شخصاً عادياً.
الجهة الثانية: المخاطب
تكمن أهمية الخطاب والوصية والحديث من جهة المخاطب أن المخاطب رجلا ليس عاديا من النخبة مثلاً من العلماء من ذوي المستويات الغير العادية، هذا قد يختصه المعصوم ببعض الكلمات الذي قد لا يستوعبها عامة الناس ومن هم دون هذا المستوى باعتبار أن نكلم الناس على قدر عقولهم، فإذا كان واحد من الناس على مستوى عال من التعقل، يعطيه الإمام بمقدار استيعابه من باب أن هذه القلوب أوعية وخيرها أوعاها، هذا عنده وعاء العقل عنده وعاء عظيم وكبير فيفرغ عليه الإمام بما يستوعب ذلك الوعاء، بينما لو كان الشخص أقل علماً وعاءه قليل، ظرفيته محدودة لا يعطيه هذه المعلومات.
الجهة الثالثة: مضمون الخطاب
المضمون تارة في المسائل الأصلية الكبيرة وقد يكون في المسائل الجزئية وقد يكون في العقائد وقد يكون في المسائل الفقهية والفروع، وقد يكون في الواجبات الأساسية وقد يكون في المستحبات والمكروهات، فمضمون الخطاب والحديث والوصية يعطي لها أهمية استثنائية بحسب المضمون الذي يوجد فيها.
الجهة الرابعة: الظرف الزمني السياسي والإجتماعي
إن الظرف الزمني السياسي والاجتماعي المعاش قد يكون أيضاً مأخوذاً بعين الاعتبار، فإذا كان الوضع وضع استثنائي قد يعطي لهذه الوصية أهمية خاصة.
إذن نقاط اجتمعت في هذه الوصية، القائل لها هو سيدنا ومولانا الإمام أبو الحسن موسى بن جعفر الكاظم سلام الله عليه سابع أئمة أهل البيت عليهم السلام ممن طالت فترة إمامته وامتدت قريب من خمس وثلاثين سنة، وهذا قليل في حياة الأئمة لعل ثلاث او أربع من الائمة المعصومين عليهم السلام امتدت فترة إمامتهم إلى طول هذا المقدار مع إن عمره الشريف لم يكن كبيراً، فعندما استشهد مسموماً في السجن كان عمره خمس وخمسون سنة ولكن فترة إمامته فترة طويلة، الإمام معصوم مسدد من قبل الله عندما يقول كلاماً يكون كلاما مهما مفيداً نافعاً.