١٨الحقوق المتبادلة بين الآباء والاولاد فقها واخلاقا

١٨الحقوق المتبادلة بين الآباء والاولاد فقها واخلاقا
00:00 --:--

إنسانا يؤذي والده بالكلام السيء، يسبه، يشتمه، هذا الإنسان يكون عاقا لهذه الجهة. أو أن يضرب أباه أو أمه، واضح أن هذا من مظاهر العقوق ومن محققاته. أو أنه يفعل فعلا مباحا ولكن بقصد إيذاء أبيه. فيدري مثلا أن والده أو والدته لا تحب الأمر الفلاني، لكنه يتعمد القيام بذلك الشيء، لكي يؤذيها، أو يؤذي أباه. مثلا: هو يريد أن يسافر للدراسة، ليس قاصدا أذية والده، وإنما يرى أن ذلك مستقبله، وأن هذه فرصته، ولكن والده لا يرتاح إلى سفره، ووالدته تتألم من فراقه، هذا ليس عقوقا لو سافر. الأفضل له أن يتحرى راحتهما. ولكن لو قال مثلا: هي هذه فرصتي. قد لا تتكرر. أجد في نفسي شوقا إلى الدراسة، ولكن والدتي سوف تتأذى من مفارقتي، أو والدي كان ينتظر

أن يعتمد علي في بعض شؤونه، فهو لا يرتاح إلى سفري. أنا هنا عندما سافرت، لم يكن سفري؛ لأجل إيذائهما، ولا بقصد عنادهما، فلا يعد هذا عقوقا. نعم، لو كان بقصد الإيذاء، لأنه أعلم أن والدي يتأذى، أسافر. لأن والدتي تتألم، أبحث عن السفر حتى أؤلمها وأؤذيها نفسيا. هذا من محققات العقوق. وإلا في غير هذه الحالة، ليس كذلك. المحرم من الناحية الشرعية، هو عقوق الوالدين، بضرب أو بسب وشتم أو بتعمد عمل مباح لأنه يؤذيهما. لأنهما يتأذيان بهذا، أنا أقوم به. ليس لأن هذا العمل مباح، وأنا أريد فعله لأن لي فيه حاجة، ولكن هما يتأذيان بتبع ذلك. أنا في أصل اختياري لهذا العمل، لم يكن قصدي إيذاءهما، وإنما يحصل هذا الشيء. وهذا لا يعد عقوقا.

فإذن، في المرحلة الأولى، ينبغي أن نفرق بين الخطاب الأخلاقي الوعظي. وهو كثير جدا في الشريعة، ومن المستحسن للإنسان أن يتبعه قدر الإمكان: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). قرن عبادته ربنا بالإحسان إلى الوالدين. هذا خطاب أخلاقي وعظي فيه تحريض على تحري مواضع الإحسان.

حتى فيما لو تأذى الإنسان من بعض تصرفات أبيه، ما جاء في رواية صحيحة، عن الحناط، عن الإمام الصادق (ع)، في ذيل الآية المباركة: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ)، قال الإمام (ع): "إِنْ أَضْجَرَاكَ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ". أحيانا يصعب التواصل بين الأب وبين الابن على أثر اختلاف الجيل. هذا يفكر بنحو معين، وهذا يفكر بنحو آخر. القدرة على التفاهم أحيانا قد لا تكون تامة. فيشعر بعض الأبناء بأن حديث أبيهم أو أمهم حديث ممل، مضجر، مستفز. لا لغة مشتركة بينهم. هذا من أبناء السبعين، وهذا من أبناء العشرين. هذا حركة الحياة لديه بهدوء، بتلاحق بطيء وتدريجي. وذاك من جيل السرعة والحركة والحالة العملية. هذا يفكر بنحو وذاك يفكر بنحو آخر. والأب يريد أن ينصح ابنه، ويريد من ابنه أن يستمع إليه، لكن ذاك الابن يتضجر. انظر لو – مثلا - أنت لا تعرف اللغة الألمانية لكن شخصا ما أخذ يخطب عليك باللغة الألمانية، ستضجر من عنده، لن تستطيع أن تتعاطف معه وتتفاعل. هكذا هو الضجر. يقول: حتى بهذا المستوى، أن تقول لهما: أف، أن تبدي انزعاجا على مستوى اللفظ، لا تفعل. "وَلَا تَنْهَرْهُمَا إِنْ ضَرَبَاكَ"، حتى إذا ضربك الوالد – مثلا – على أثر كبر سنه، أو غير ذلك، لا تنهر هذا الوالد، بل قل لهما قولا كريما. قل لهما: غفر الله لكما. الله يغفر لك. فأنت قد ربيت ونصحت ووجهت، (وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا). تذكر هذا التاريخ. وبالتالي هذه توجيهات أخلاقية وعظية كثيرة مرتبطة بالأبوين.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة