بالنسبة إلى وجه المشابهة "كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ..."، هناك ثلاث احتمالات متصوّرَة؛ واحد من الاحتمالات: أنَّ وجهَ المشابهة هو في العدد، يعني كما كُتِبَ على الذين من قبلكم شهرٌ من الصيام، ثلاثون يوماً، كُتب عليكم أيضاً شهر من الصيام ثلاثون يومًا. فإذن المشابهة هي مشابهة من حيث العدد، فعدد الأيام التي تُصام هي ثلاثون يوماً (شهراً كاملاً)، وهذا وجه المشابهة، هذا احتمال.الاحتمال الآخر: زمن المشابهة، وهو أنْ يكونَ شهرُ رمضان الزَّمان نفس الزمان، يقول أصحاب هذا الرأي: إنَّ شهرَ رمضان بما هو شهرٌ مبارك - سواء في هذه السنة أو قبل ألف سنة -، فإذا كان كذلك وأراد الله أن يَفرض صومًا على الناس فسيفرض في نفس هذا الشهر، مثل ما أنّ ليلة الجمعة في هذه السنة
١٤٣٧ ليلة مباركة كذلك ليلة الجمعة في سنة ٣٨ أيضًا هي ليلة مباركة، كما أن شهر رمضان الذي عندنا الآن هو شهرٌ مبارك، كذلك زمنه قبل ألفين سنة هو شهر مبارك، وإذا أُريد أن يتم تشريع صيام فسيتم تشريع الصيام في نفس هذا الشهر، لذلك ذهب هؤلاء إلى القول بأنَّ المشابهة هي في الزمان، مثل ما أنتم مفروض عليكم صوم في شهر رمضانأ كذلك فرض عليهم الصوم في نفس هذا الشهر، وإنْ كان ليس اسمه رمضان، فقد يكون - مثلاً - اسمه شهر نيسان، وقد يكون اسمه في ذلك الوقت عندهم شهر إبريل، ولكن هو نفس هذا الشهر.الاحتمال الثالث: هو أن تكون المشابهة في أصل فرض الصِّيام، ومعنى الصيام: هو وجوب الكَفِّ والإمساك عن مجموعةٍ من المُحَرَّمَات بمناسبة الصيام.الاحتمالان الأول
والثاني فيهما ملاحظات، نحن تحدثنا في سنة ماضية عن كيفيَّة الفرض، وأعداد الفرض على اليهود والنصارى في الصيام، ولا نعيدها الآن، ولكنْ بشكل إجماليٍّ يُقال: بأن الموجود الآن لدى النصارى واليهود من أيام الصيام لا تتفق مع عدد ثلاثين؛ فبعضهم يوصلها إلى خمسين، وبعضهم يوصلها إلى ستين، وبعضهم يوصلها إلى سبعين، ويختلط فيها الأمر الواجب بالمندوب عندهم . فإذن فكرة أن يكون المشابهة لجهة العدد بعيدة؛ لوجود الاختلاف، إلاَّ إذا قال أحدهم أنه قد يكون في أصل التشريع هو نفس المقدار ولكن على أثر طروّ التحريف الذي حصل عندهم تغيَّرَ.كذلك الحال بالنِّسبة إلى احتمال أن يكون في نفس زمان شهر رمضان؛ لأنَّ هذا الشهر بهذا العنوان لم يكن معروفًا في تلك الأزمنة، وهو لا يعادل شهرًا مُعَيَّنًا ومُحَدَّدًا في الأشهر
الرُّومية، يعني - مثلاً - من الممكن الآن شهر رمضان يصادف - مثلاً - في مايو، وبعد سنتين يصادف يوليو أو - مثلاً - أبريل وغيره، وتتغير الدورات الزَّمنية.فالفكرة أنَّ المشابهة في أصل فرض الصيام، ومعناه أنَّ الله (سبحانه وتعالى) فرض عبادةً تتقوَّم هذه العبادة بأنْ تَكُفَّ النَّفْسَ عن مجموعةٍ من الأمور لتهذيب هذه النفس.حبس النَّفس، وإمساك النفس، ترويض النفس على الامتناع عن الملذَّات، هذا المعنى موجود في مختلف التَّشريعات والأديان السَّماوية.هذا المعنى لعلَّه أقرب وجوه المشابهة .البحث الثاني: في قوله "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ...". هل هناك فرق بين أن يقول: كُتِبَ عليكم الصَّوم، وأنْ يقول: كُتِبَ عليكم الصِّيام؟هذه المسألة في الفترة الأخيرة أثيرت بعد أنْ قام أحد الباحثين القرآنيين من غير أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بالحديث على
أنَّ هناك فرقًا كبيرًا بين الصِّيام والصوم، وأنَّ المطلوبَ منا - وهذه فكرته أنا أشرحها مع شيء من أدلته - نحن العباد هو الصيام وليس الصوم، يقول الصوم شيء عظيم جِدًّا وكبيرٌ؛ لأنَّ الحديثَ القدسيَّ يقول: "الصوم لي وأنا أجزي به"، والموجود عندنا في القرآن: "كتب عليكم الصيام", حسناً، هل هذا يساوي هذا؟! يقول: لا، في القرآن الكريم لا يوجد كلمات مترادفة، والترادف في القرآن الكريم غير موجود، نعم في تعبيراتنا نحن موجود؛ تقول: اقعد أو اجلس، بينما في اللغة العربية يوجد فرق كبير بينهما، هلمّ وتعالَ يوجد فرق، أرسلنا وبعثنا يوجد فرق، نحن نقوله لكن في القرآن – حسب تعبير هذا الباحث – يقول لا يوجد فرق، هناك فرق دقيق ولا يُستَخدَم هذا إلاّ في موضعه وذاك في موضعه.فإذن