وعندنا رواية أخرى من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) يرويها السيد عبد العظيم الحسني عن الإمام الجواد (عليه السلام) أنَّ عدد الأنبياء مئة وأربع وعشرين ألف نبيّ، والرواية أيضاً على بعض المسالك والآراء ليست قوية، وعلى مسالك أخرى تعتبر معتبرةً، لكن هذا المعنى متسالَم عليه، يعني من الثابت المشهور عند مدرسة الخلفاء هذا العدد عن الأنبياء، ومن الثابت المشهور في مدرسة أهل البيت هذا، فقد نصَّ الشَّيخ الصدوق (أعلى الله مقامه) -المتوفّى سنة ٣٨١ هجرية- في كتابه (الاعتقادات عند الإمامية) عند ذِكْرِ اعتقادنا أنَّ الأنبياء مئة وأربع وعشرون ألف نبي، وأنّ الأوصياء مئة وأربع وعشرون ألف وصيّ، وعندما جاء الشيخ المفيد لم يعلّق على هذا الكلام وهذا يعني أنّه قبله.
القسم الأكبر من هؤلاء لم تُذكَر قصصهم، بل لم تُذكر أسماؤهم لا في كتاب ولا في سنّة ولا في غير ذلك، مئة وأربع وعشرون ألف نبيّ أنَّى لشخصٍ أن يذكرهم!، لو تعمل لهم قائمة فستحتاج إلى شيء كثير فضلاً عن الحفظ، وهؤلاء أكثرهم يدخلون في ضمن "وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ"[١٢]، والمذكور في القرآن عدد من هؤلاء الأنبياء المرسلين، ففي سورة الأنعام في ثلاث آيات ذكر ثمانية عشر نبيًّا ورسولاً، يقول تعالى: "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ"[١٣]، ثمانية عشر نبيًّا ورسولاً ذكروا في هذه الآيات في سورة الأنعام.
باقي من ذُكر من الأنبياء ذكروا متفرقين في آيات مختلفة، مثل آدم، فآدم هنا غير مذكور ولكنَّه مذكور في سورة البقرة، وفي هذه الأيّام من المؤكَّد أنَّكم تقرأون الجزءَ الأوَّلَ من القرآن وفيه سورة البقرة، وكثيرًا ما يتكرَّر اسم آدم، وهكذا هود، ولا سيّما في سورة الأنبياء والشعراء، بل سورة هود نفسها، وصالح أيضاً، كذلك شعيب وإدريس وسيّد الأنبياء محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
هل هناك أنبياء خارج الشرق الأوسط؟
هناك سؤال آخر يطول فيه الحديث ولكن نشير إليه إشارة: نحن نلاحظ أنَّ جغرافيَّة الأنبياء هي الشَّرق الأوسط تقريباً، الجزيرة العربية، مكة، المدينة، والعراق جنوبه وشماله، وبعض أطراف تركيا الجنوبية أنطاكيا وهذه المنطقة، ومصر سيناء، وبلاد الشام، بهذا المجموع فلسطين، وسوريا، وربَّما بعض أطراف لبنان، أمَّا باقي الأماكن كالصِّين -مثلاً- هل عندهم نبيٌّ صيني؟ هل اليابان عندهم نبي ياباني مثلاً؟، أو أنّه لا يوجد أنبياء إلى هناك؟
للإجابة على هذا السؤال يمكن أن نطرح عِدَّة مقدّمات:
واختصارًا نقول أوّلاً: ينبغي أن نشير إلى حقيقة؛ وهي أنَّ التَّوزيع السُّكَّاني للبشر في جغرافيا العالم ليست دائماً هي التي نراها، يعني اليوم الصين مليار ويزيدون، ولكن قبل عشرين ألف سنة غير معلوم هذا العدد موجود أو لا، ولا أنّه بالضرورة كان هناك استيطان، والشاهد على ذلك هذه مكة، فمكَّة التي هي الآن قبلة المسلمين مزدحمة، هذا الازدحام طول السنوات، بل منذ نشأ فيها نبيّ الله اسماعيل[١٤]، فقبل مجيئ نبيّ الله إبراهيم وإسماعيل إلى ذاك المكان، كانت أرض مكة قاحلة لفترة طويلة جدًّا من الزمان وعندما تواجد فيها ماء حلّق الطَّير في الفضاء، وهذه علامة للبدو الرُّحَل البعيدين الذين كانوا من الأطراف، والذين يبحثون عن الماء، فلمَّا رأوا هذه الطيور لا تجتمع إلاّ على الماء أتوا هنا، وقليلاً قليلاً بدأو يسكنون، أين ذلك اليوم "بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ"[١٥]، فإن لم يوجد زرع وماء فمن يبقى هناك؟ بينما اليوم تجد عكس ذلك، فليس التوزيع الجغرافيّ للعالم في كل الفترات التاريخية كان بنفس ما نراه الآن، هذا أوَّلاً.