بقي الإمام الهادي عليه السلام في المدينة المنورة إلى سنة ٢٣٤ للهجرة تقريباً و كان في أثنائها يتصدى لقضايا الناس الفكرية والثقافية العقائدية والفقهية وفي نفس الوقت كان يعين المحتاجين بقدر ما يستطيع إلى أن أصبح قبلة الناس ومحط أملهم، مع أن المدينة المنورة لم تكن تصنف على التوجه المذهبي الشيعي إلا ان الناس وجدوا فيه مثلاً أعلى للأخلاق والعلم فالتفوا حوله.
قام إمام المسجد النبوي في ذلك الوقت وكان اسمه بريحة العباسي وهو موظف من قبل السلطة العباسية في إمامة الجماعة في الحرم النبوي، قام بالإرسال إلى المتوكل حينها انه إن كان لك حاجة للمدينة فأخرج منها علي بن محمد فإن الناس قد مالوا إليه، وأمثال هؤلاء الكثير ممن يتقنون فن تحريض السلطات الظالمة على العلماء والأئمة والمؤمنين قد نجدهم في كل وقت يسترزقون بهذه الاموال المحرمة ولا ريب بأن مثل هؤلاء يبوؤون بإثم هذا التحريض ونتائجه.
المتوكل العباسي الذي كان شديد الإنحراف عن أهل البيت عليهم السلام أرسل في طلب الإمام الهادي عليه السلام وأرسل معه يحيى بن هرثمة وهو من المنتمين للحكم العباسي وواحد من موظفيهم وأنصارهم الذين توكل لهم الخدمات أرسله حتى يجلب الإمام الهادي عليه السلام معه إلى سامراء ولكن ما رآه يحيى من مكارم ومناقب وفضائل للإمام الهادي عليه السلام جعله على الأقل على المستوى القلبي يميل للإمام الهادي عليه السلام وهذا ليس شيئاً غريباً لأن كثيراً من الناس وإن كانت مصلحته المادية تلتقي مع الخلافة والسلطة إلا أنه لا يستطيع ان يخمد نداء قلبه وضميره للأخير وعلى الأقل يرى أن هذا الشخص استثنائي ولديه من الفضل والأخلاق والمنزلة العظيمة عند الله عز وجل، وهذا ما حدث مع يحيى بن هرثمة، وكذلك يُنقل أن المعتصم العباسي وهو قبل المتوكل العباسي عندما استشهد الإمام الجواد عليه السلام وكان ابنه الهادي صغيراً ولديه من العمر ثمان سنوات تقريباً، امروا بأن يُوضع عند مُؤدب ومُعلم مائلاً ومنحرفاً عن أهل البيت حتى يلقن هذا الطفل وهو الإمام الهادي المبادئ المنحرفة والمخالفة لأهل البيت وكان يسمى بن جنيدي وبدأ يدرسه الدروس الإبتدائية في النحو فإذا بالإمام الذي يفترض أنه تلميذاً عنده وإذا به يفصل ويشرح لهذا المعلم من النظريات والقواعد في اللغة العربية ما جعله يُبهت ويُذهل منه، وفي اليوم الثاني جاء المعلم يعلم الإمام قصار السور فسأله الإمام عليه السلام عن تفسيرها فعجز ذلك المعلم وبدأ الإمام الهادي يشرح له تفسير هذه الآيات بأفضل بيان، وهكذا في اليوم الثالث في علم الكلام والعقائد حتى وجد هذا الجنيدي نفسه أنه أمام رجل عالم كبير فكان هو حريص على الدرس لكن ليأتي لأن يتعلم منه لا إن يعلمه، ومرّ شهر أو شهر ونصف تقريباً وكان والي المدينة ينتظر تقريراً عن التعليم فسأل الجنيدي عن الغلام الذي يعلمه فقال له الجندي: وأي غلام، فقال له المعتصم: أقصد علي بن محمد، فرد عليه الجنيدي وقال: تقصد سيدي علي بن محمد؟! فهذا ليس غلاماً وإني أبين له جانباً من المسألة فيفصلها لي بنحو لم أسمعه من أحد من الناس، وبعد عدة أشهر أصبح هذا الجنيدي من أولياء أهل البيت عليهم السلام، فالإمام الهادي عليه السلام كان يستطيع أن يؤثر على من يكون معه ويقنعه بأنه يتميز بميزات استثنائية.
أُرسل الإمام الهادي عليه السلام إلى سامراء وبقي فترة في أيام المتوكل العباسي وقد أحاطه بوضع متشنج واعتقله عدة مرات وفرض عليه المراقبة وكان يستدعيه في جوف الليل على أثر وشايات أنه يجمع السلاح والكتب وغير ذلك ولكن الإمام عليه السلام كان لا يحتاج إلى ذلك فيكفيه أنه ينشر شريعة جده المصطفى ويعلم الناس الهداية ويرشدهم إلى التقوى، وهكذا استمر به الحال وعاصر ثمانية خلفاء في فترة حياته وهذا يعني أنه بمعدل خمس سنوات يتغير الخليفة إلى أن جاء زمان المعتز العباسي واغتال الإمام عليه السلام بالسم فذهب إلى ربه راضياً مرضياً، نسأل الله سبحانه وتعالى الذي عرفنا بأئمتنا أن يجمعنا بهم في الآخرة إنه على كل شيء قدير.