عدي بن حاتم الطائي ومواقف مبدئية

عدي بن حاتم الطائي ومواقف مبدئية
00:00 --:--

الخطاب الأول للإمام الحسن (ع) كان فيه نعي أمير المؤمنين (ع)، وفيه كان يبشر بانطلاقة من جديد لقتال معاوية، وكان المعسكر والاجتماع في النخيلة -خارج الكوفة-، فأي شخص يريد أن يتهيئ للقتال يجب أن يكون هناك، وكذلك من يحتاج إلى سلاح وغير ذلك، فأصبحت النخيلة مكاناً للتدريب وتنظيم الجيش.

يترتب الجيش هناك ويتحرك في اليوم الثاني، بداية الحركة متذبذبة وضعيفة لأسباب مختلفة. من أواخر أيام الإمام علي (ع)، كانت الروح المعنوية للجيش الكوفي منخفضة، وقد أشار إلى ذلك في خطبه الأخيرة. وكذلك استمر هذا الضعف إلى حين الإمام الحسن (ع)، حيث لا بوادر تشير إلى أن هذا الجمع يريد أن يشارك بحرب.

فقام عدي بن حاتم وقد اجتمع الناس في مسجد الكوفة ونادى: أيها الناس، أنا عدي بن حاتم الطائي -حتى يعرفون مكانه ومن هو هذا المتكلم-، ثم قال: سبحان الله! تعساً لهذه القلوب، أين خطباء المصر الذين ألسنتهم في أيام الدعة والسلم كالمخاريط؟! فإذا جدّت الحرب يراوغون كالثعالب! أين هؤلاء المتكلمين! أراكم وقت الحرب تتراجعون يا عجباً لكم، يدعوكم ابن بنت رسول الله (ص) الحسن بن علي (ع) للخروج إلى قتال عدوه وعدوكم وينتدبكم إلى النخيلة فلا يخرج إلا جماعة متذائبون. فبدأ يخطب فيهم ويحشّد حتى انبعث قسمٌ من الناس على إثر هذه الخطبة.

في ذلك الوقت -على افتراض أنه كان من أبناء المائة والعشرين- فهو الآن في التسعين من عمره. ورغم ذلك لازالت مواقفه مشهودة ومميزة في تحشيد الناس لقتال جيش معاوية.

لمّا استقدمه معاوية وجلس معه أراد أن يستثيره فيتندم على مواقفه السابقة، فيقول له: يا ابن حاتم ماذا فعل الطرفات؟ -يقصد أولاده الثلاثة طريف٣ وطرفة ومطرِّف-. أراد معاوية أن يوظف هذا الأمر، فقال: ما أنصفك علي بن أبي طالب (ع) أبقى أولاده الحسن والحسين (ع) ومحمد، وأرسل أولادك ليقتلوا، فقال عدي في موقف يعبر عن شدة انتمائه وكذلك فطنته ونباهته: أنا الذي ما أنصفت علي بن أبي طالب (ع) حيث قتل في سبيل الله وأنا بقيت بعده، وكان ينبغي أن أقتل أنا قبله.

ثم قال له معاوية: إن هناك بقية من دم عثمان، لابد من المطالبة بها، وأنتم مطالبون من بني عثمان وتُؤاخذون على ذلك. فقال له عدي: يا معاوية، إذا سُلَّ سيفٌ سُلَّت سيوف، والله إن السيوف التي قاتلناك بها في صفين لهي لا زالت على عواتقنا. وهنا أحس معاوية أنه ليس بهين، فقال لعمر بن العاص: اكتبها، فإنها من الحكم -إذا سُلَّ سيف سُلَّت سيوف-.

في نفس المجلس أو في مجلس آخر أراد عبدالله بن الزبير أن يذكره بمواقفه السابقة، فقال له: متى فُقئت عينك؟ في حرب الجمل كان قد ضُرب عدي بسهم في عينه وذهبت، فهو يريد أن يذكره بذلك الماضي، فقال عدي: فقئت عيني يوم فرّ أبوك هارباً خائفاً، وقُتل خالك طلحة، وضربت على قفاك، ولولا رحمة الله للحقت بخالك، وكنا على الحق وأنتم على الباطل، في ذلك الوقت فقئت عيني. هنا يتجلى موقف الرجل صاحب البصيرة والمعرفة وصاحب الموقف.

استمر على هذا الاتجاه وبقي في الكوفة، إلى زمان المختار الثقفي كان موجوداً، لكنه لم يشهد معركة كربلاء. وأظن أن الأمر له ما يبرره إذا قلنا أن ما نص عليه مثل صاحب أُسد الغاب أن عمره ١٢٠، وبعضهم قال بعد المائة. لو فرضنا أن عمر المائة والعشرين كان هو المتوسط، إذن ففي زمان معركة كربلاء كان عمره بين ١١٢ – ١١٣ سنة، ومن الواضح أن هذا العمر ليس بعمر يمكن فيه القتال.

بهذا النحو، ولكنه لم ينجو من عنت الأمويين، ففي زمن زياد بن أبيه لمّا تولى على الكوفة، صارت قضية حجر بن عدي (رض)، وفيما بعد قام أحد بني طيء وهو عبدالله بن خليفة الطائي، والذي يعتبر شاعراً مفوهاً وقديراً، بنعي هؤلاء الذاهبين والشهداء وكان أيضاً هو ضمن الحركة الاحتجاجية ضد زياد بن أبيه. فطلب عبد الله بن خليفة ولكنَّه اختفى، فرأى زياد بن أبيه عدي بن حاتم الطائي (رض)، وهو رجل كبير في السن فأخذه وألزمه بإحضار عبدالله بن خليفة إليه، فقال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة