عدي بن حاتم الطائي ومواقف مبدئية

عدي بن حاتم الطائي ومواقف مبدئية
00:00 --:--

بعد ذلك ولّاه النبي (ص) على صدقات قومه -أي طيء-، وهذه فكرة كان يقوم بها النبي (ص)، وقد تبيّن في علم الاجتماع والسياسة أنه ليس من المناسب أن تولي مسؤولاً من خارج القرية على أموال الناس الذين لا يعرفهم ولا يعرفونه، هذا حتى لا يشعر الناس بأنهم محكومون لغيرهم، بل محكومون بأنفسهم.

الله -عز وجلّ- قد بعث في كل قوم نبيّاً منهم: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). إذ لو أن الحكومات تلتفت لهذا المعنى، تتجنب الكثير من المشاكل والحساسيات، وهي أن تأتي بآخرين، من مناطق مختلفة، من مذاهب مختلفة، من عشائر مختلفة، وتستبعد أهالي نفس هذه المناطق التي تُحكَم.

ملاحظة: النبي (ص) بالأصل كان يولي على الصدقات مسؤولاً منهم، وأيضاً وافداً منهم قدر الإمكان. فعيّنه على صدقات قومه وذهب؛ لكنه شهد مع النبي (ص) حجة الوداع، ولذلك هو يُعد أيضاً من رواة حديث الغدير.

وباعتبار أن منطقته -منطقة حائل- تقع خارج المدينة المنورة، وهو ولم يهاجر إليها بل كان يزورها بين الفينة و الأخرى، فلم يُلحَظ منه نشاط مميز فيها إلا في بعض الحالات، حيث أنه صادف يوم وفاة الرسول (ص) هناك، وشهد أحداث السقيفة وما جرى فيها على أمير المؤمنين (ع) ويُنقل له نص في هذا المعنى: ما رحمت أحداً من الخلق كرحمتي لأمير المؤمنين (ع) عندما جيء به يُقاد قودا لكي يبايع.

فالتفت إلى قبر النبي (ص) وقال: يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا أن يقتلوني، وهم يقولون له بايع، فقال: فإن لم أفعل؟ قالوا: فإذن تقتل، قال: تقتلون عبد الله وأخا رسوله، قالوا: أما عبد الله فنعم وأما أخو رسوله فلا، إنك لا تستفيد من قرابة الرسول (ص).

وتمسك عدي بن حاتم بأمير المؤمنين (ع)، وينقل عنه أحاديثَ في فضله، كما ذكرنا، مثل حديث الغدير وبعض الأحاديث الأخر، ولكن أيضاً لم يمنعه هذا أن يشارك في الأعمال العسكرية التي كانت في زمان الخليفة الأول أو الخليفة الثاني، فقد اشترك في حرب اليمامة ضد مسيلمة الكذاب واشترك أيضاً فيما بعد في فتح العراق، كان له دور وإسهام مهم في هذه الأثناء وفيما بعد عندما صارت الخلافة لأمير المؤمنين (ع)، وكان من المبايعين له والمحشدين لأهل طيء في نصرته، وشهد مع الإمام علي (ع) أكثر حروبه.

وموقفه في حرب الجمل أنه ذهب إلى قومه وبدأ يخطب فيهم في حق أمير المؤمنين (ع) ويستنهضهم، فجند منهم قرابة ٦٠٠ جندي، وفي هذه الحرب أيضاً أبلى بلاءً حسناً حتى فُقئت عينه -وهو في ذلك الوقت قد تجاوز الثمانين من العمر، بالاعتماد على ما يقوله بعض المؤرخين أنه بلغ ١٢٠ سنة-، وهذا يعد مرتبة استثنائية أن يشارك أحد في مثل هذه العمر، وهو في غاية العنفوان والحركة والجهاد الحربي والعسكري.

عندما نزل أمير المؤمنين (ع) الكوفة واستقر بها، وتبعه أولاً بنو هاشم وأكثر أصحابه ومن يحوطه، انتقل هو من منطقة طيء إلى الكوفة، وذلك سنة ٣٥هـ. كان عدي بن حاتم لصيقاً بالإمام (ع)، وكان دوره وعمله -في هذه الفترة- أكثر مما كان عليه الحال وهو في حائل؛ حيث أنها كانت بعيدة نسبياً عن المدينة -حيث كان الإمام (ع)- وليس بمقدوره متابعة ما يجري هناك.

عندما استشهد أمير المؤمنين (ع) نهض لنصرة الإمام الحسن (ع). وله في هذا المجال موقف متميز؛ لأن الإمام الحسن (ع) عمل على استدامة خط أبيه المرتضى (ع) بمحاربة ومقاومة معاوية، وانتدب الناس للقتال.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة