أسبابْ قوّة وبقاء المَذهب الشيعيْ.
لنبدأ هذا الجانبْ بالسؤالْ عن السّر الموجود في مذهبْ التشيع، وما الذي يجْعله غيُر مَدعوم كمَذهب بل كان مُحارب من جميعْ الجوانبْ ومع ذلكْ بقي وانتشر. أحدْ النقاط الرئيسيّة والتي تُعتبر نقطة قوة مُهمّة للتشيع وهي اعتماد هذا المَذهبْ على الجَانب العلمي والبُرّهاني فيْ عقائده وأحكامه، وفي الواقع تُعتبرْ هذه النقطة هي نُقطة التفاضلْ القصْوى أيّ أنّ الأعلمْ هو الأكثرْ إتباعا والأعلم هُو لأكبرْ تقديراً. يكونْ الأعلمْ في المقدمة دائماً بغضْ النظرْ عن كوّنه سيّداً أو غيرُ سيّد، عربي أو غيرُ عربي.
وقدْ نلاحظْ في بَعض المَذاهب، أنّ الإنسانْ قد يتميّز لأنّه قرَشياً فيعتبرونْ أنّ هذه ميَّزة كونه عَربي إذْ يُضاف إلى هذه الميزة في نظرهمْ تكافئ النسب والذي تُطلق زيجَات على ضوئه. ففي بعض المذاهب يكون الأعجمي غيرُ مُكافئاً للعربيّة فنجدْ أنّه لوكان أحدَهمْ أعجمي وتزوّج بعربية فبإمكانه رفع قضيّة وفسخْ النكاح لأنهم غيرُ متكافئان فهذا أعجمي وتلك عربيّة على حدْ اعتبارهم.
أمّا التشيّع فلديّه القيمَة الكُبرى والعُظمى إذ أنّ اعتماده على العلم، فلو كان الرّجُل أعجمياً أو باكستانياً أو تركياً ولكنّه أعلم المَوجودينْ فيقلده العرب ويتبعونَه ولو كانوا عرب قحاً كابرا عن كابر. فلمَاذا يحدث ذلك التقليدْ؟ لك لأن لديّه هذه الميّزة وهي وجودْ العلمْ لديّه وهذا الأمر جَعل شيعة أهل البيتْ عليهم السلامْ يَعتمدون على حَوزات العلمْ ومَدارسْ العلمْ باعتبارهَا مرتكزاً رئيسياً للمذهب إذْ أصبَح الانتماء للحوزة العلميّة قويْ وذلك لاعتماد المَذهب على العلم، فلا يُوجَد مالْاً منْ خلالهَا يُعتمد عليّه ولا يُوجد سُلطات سيَاسية تتبناه حتى من خلالها يُعتمد عليها.
فكانْ يعتمدْ المذهبْ الشيعيْ عَلى وجُود بُرهان ودليلْ وقوة علميّة لذلك نجدْ أنّ للحوزة العلمية عمليّة كُبرى في مذهب أهل البيتْ عليهم السلامْ وموقعيه أكبر بكثيرْ منْ مَوقعيه المَدرسة الدينية في سائر ْالمذاهب الأخرى إذْ كان هُناك فرقاً ملحوظاً بين مَوقعها الديني بالقياس إلى مَوقع الحَوزة العلميّة في مذهبْ التشيع عند الشيعة فكان للحوزة العلميّة قداستها واحترامها وأغلبْ أتباعها كانوا أكثرْ نظراً لهذا الجانبْ الذي فيها.
سيرَة الإمامْ السيّدْ الخوئي رَحمَه الله.
في الواقعْ، لقدْ اطلعتْ على سيَر العُلماء واطلعت على الإمامْ السيّدْ الخوئي ولم أعْهَد أحداً منْ تاريخ التشيّع منْ عُلماء الطائفة قدْ حَصَل على هذا التوفيقْ بأنْ يَدرُس عَلى مُستوى البَحث الخارج مدة مَا يقُارب ٧٠ سنة بالتمام والكمالْ وكذلك درستْ ولم أرَ ولعله يُوجدْ ولكنّي لم أعثر عَليها، ولكن على الرّغم منْ كثرة المُطالعة في هذا الجانبْ، فإني لم ارَ شخصيةً منْ علُماء الطَائفة قدْ درَس بَحث الخارجْ ورُبما هُناك من دَرَس تخصصي ولكنّه دَرَسه لمدة ٧٠ سنة! فأنا لم ارَ أنتج منْ هذا المُدرس فقد بحثَ وأوضحَ الدرس إذْ أصبَح منه إنتاج كثيرٌ ومُبارك لذلك نحنُ نرى أنّ ما يُذكر في حَياته أنه دَرَس ٧ دورات أصولية كاملة وشرع في ٨ لكن حالته الصحيّة لم تسعفه بذلك.
على سَبيلْ المثال، نجدْ كتاب (كفاية الأصُول) للأخوند الخرسَاني وهذا الكتاب بحُدود ٤٥٠ صفحة بحَسب بعضْ الطبعاتْ. فيقولْ صَاحب الكفاية في هذا المَوضوع ويوضحُه ويأتي بأدلته ثم يأتي بأدلة منْ يُوافْق الاخوند في ذلك ثمَّ يأتيْ بأدلة المُعارضين له، ويبدأ بعدَ ذلك بنقدْ هذه الأدلة وتبيانْ صحتها أيّ هل هي صَحيحة أمْ لا وهل هي سليمة أم لا؟ ثم يَختار رأي مُعين إما من الإثنين وإما أنْ يكون رأيٌ جديدْ، ثمّ يَستدل عليّه.
الحضور على مُستوى مراهقة الاجتهاد فمنهُم منْ يَكون مُجتهدا فيكونْ هُناك مَجالٌ للأخذْ والرد هذا الكتاب هو مُحور الدراسات الأصولية وقليلٌ من العُلماء الذين درسوا هذا الكتابْ ثلاث دورات أصولية فلماذا ذلك؟ لأنّه عادةً إذا دَرَس العالمْ فإنّه يَبدأ في إنضاج مَبانيه وأفكاره الخاصّة إلى أنْ يتم الكتاب كاملاً، ثمّ يأتي إليه مَرّة ثانية فيدرسُه ويُرْكز هذه المباني ويثبتها وربما يُغير بعض هذه المباني، ثمّ يأتي المرّة الثالثة ويصبحْ أمراً إضافياً. لكنْ أنْ يأتيْ شخصاً يقوم بدراسة الكتاب ٧ مرات من أوله إلى آخره فهذا ليس لنا عَهدٌ فيه إلا قليل في زمانْ عَهد الأخوند الخرسانيْ وهو صَاحب الكتاب نفسُه، فكانتْ دَوُراته الأصولية مُختصرة على مدى ثلاث سَنوات ثمّ يُتم الدّرسْ السيّد الخوئي إذْ أنّ بعضْ دوراته استغرقتْ ٨ سنوات وبعضها ٩ سنوات وكان بعض دوراته أقل ومع ذلك وخلال ٧٠ سنة تقريباً فإنّ هذه الدورات السبع استغرقت اغلب حَياته. فكان يَدرُس هذا الكتاب ويعيده وينتج أفكاراً جَديدة، ولهَذا فقدْ كان لديّه ابتكارات كثيرة في مَجال علم الأصول.