زيارة الأربعين ؛ تكريس الهوية الشيعية

زيارة الأربعين ؛ تكريس الهوية الشيعية
00:00 --:--

زيارة الأربعين: تكريس الهوية الشيعية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

 

مقدمات في زيارة الإمام الحسين عليه السلام وخصوصية زيارة الأربعين

نحمد الله الذي أكرمنا بمعرفتهم، أن يرزقنا زيارتهم في الدنيا وشفاعتهم في الآخرة إنه على كل شيء قدير. ونتحدث هذه الليله عن بعض المقدمات في زيارة الإمام الحسين عليه السلام وخصوصا زياره الأربعين، ونعطف عليها بشيء من الحديث حول فوائد وعوائد هذه الزيارة التي أصبحت من الشعارات والشعائر العظيمة لمذهب أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم.

أما فيما يرتبط بالأمر الأول؛ قضية زيارة الحسين عليه السلام ورد فيها الكثير الكثير من الروايات، وقد نقل أغلبها الفقيه الاقدم محمد بن جعفر بن قولويه القمي، وهو تلميذ الشيخ الكليني وأستاذ المفيد، وقد حمل عن الأول كثيرا من علومه، وله كتاب مشهور بين فقهائنا إلى هذه الساعة وهو كتاب "كامل الزيارات". وينظر العلماء إلى هذا الكتاب نظرة استثنائية من حيث أهمية الكتاب ووثاقته، ومن حيث موقع المؤلف الذي يعد من كبار العلماء ويكفيك أنه أستاذ شيخ الطائفة الشيخ المفيد محمد بن النعمان العكبري البغدادي رضوان الله تعالى عليهم.

وعنه نقل الكثير، من جملة ما ذكر في كتابه هذا أنا انقل لكم روايتين والا فهي بالمئات فيما يرتبط بزياره الإمام الحسين عليه السلام:
 

  • الرواية الأولى: وهي معتبرة على كل مسالك العلماء، ما رواه محمد بن مسلم الثقفي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: «مُرُوا شِيعَتَنَا بزيَارَةِ قَبْرِ الحُسَيْنِ، فَإِنَّ إِتْيَانَهُ مُفْتَرَضٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ بِوِلَايَتِهِ».

أمروا شيعتنا بزيارة الحسين ليش؟ لأن زياره قبر الحسين مفترضه، وهذا التعبير استفاد منه بعض العلماء كما سياتي وجوب الزيارة.

  • الرواية الأخرى: عن الإمام الصادق كما نقلتها أم سعيد الأحمسية، وقد أوردناها لجهة تأكيدها على الوجوب على النساء والرجال، ففي الحديث عن الإمام الصادق يقول لأم سعيد الأحمسية:  «زُورِيهِ -يعني قبر الحسين- فَإِنَّ زِيَارَةَ الحُسَيْنِ وَاجِبَةٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ».

 

لأجل هذه التعابير؛ تعبير "مفترضة"، تعبير "واجبة"، وغير ذلك من التعابير، استفاد بعض علمائنا ان زيارة الحسين عليه السلام واجبه على المستطيع. ومن ذلكم العلامه المجلسي رضوان الله تعالى عليه صاحب "بحار الأنوار" ووالده أيضا التقي المجلسي، وهو أيضا عالم من العلماء الكبار، قالوا هذه الروايات ظاهرها انها مفترضه وواجبه ونلتزم به. بل يستفاد من كلمات المحدث البحراني اعلى الله مقامه في كتابه "الحدائق الناضرة" أيضا كذلك الالتزام بالوجوب ولو مرة واحدة في العمر. ويستفاد أيضا من كلام صاحب "وسائل الشيعة" الحر العاملي، فقد عنون أول البحث بعنوان وجوب زيارة الحسين على شيعة أهل البيت يقول روايات واضحة صريحه اسانيدها تامة تقول واجبه الانسان إذا مستطيع لازم يروح.

لكن أغلب الفقهاء قديما وحديثا لم يفتوا بالوجوب، لان إذا افتوا بالوجوب يترتب عليه أثر أن امر واجب ولم يفعله مع قدرته عليه يصير شنو؟ يصير فاسق، عاصي وفاسق. فقال هؤلاء العلماء انه لا، هذه التعابير فيها تشديد للاستحباب كما لو كانت واجبه، وهذا هو الراي الذي التزم به علماؤنا قديما ومراجعنا المعاصرون حديثا أيضا، لا أحد فيما نعلم من مراجع التقليد يفتي بوجوب زيارة الحسين، وإنما يقولون هذه التعابير في الروايات تفيد شدة الاستحباب كأنها واجبه، كأنها مفترضه، كأنها لا يستطيع الانسان ان يتركها ولو في العمر مرة واحدة. هذه في اصل الزيارة.

زيارة الأربعين وعلامات المؤمن

كذلك ونحن في رحاب الأربعين، وردت روايات تشير إلى موضوع زيارة الأربعين بالذات، منها الحديث المشهور المعروف عن الإمام العسكري عليه السلام أن علامات المؤمن خمس:

«صَلَاةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَتَعْفِيرُ الْجَبِينِ، وَالتَّخَتُّمُ بِالْيَمِينِ، وَالْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، وَزِيَارَةُ الْأَرْبَعِينِ».

ما هو المقصود من علامات المؤمن؟

أولا: هذا الحديث وارد عن الإمام العسكري عليه السلام، وعندنا في الفقه بعض التشريعات لم تبين إلا عن الإمام العسكري عليه السلام، هذا وان كان ياخذنا إلى مجال آخر، لكن اكو بعض الاحكام إنما بينت في زمان الإمام العسكري سلام الله عليه. وعندنا قاعده يقولون العلماء ان بيان الاحكام كلها بتفاصيلها في مختلف المسائل لم تأتي بكاملها وتفاصيلها مثلا في زمان النبي محمد، وإنما بين قسم منها الأساس في زمانه، ثم بعد ذلك العترة الطاهرة بدات تبين الأحكام بشكل متدرج وبحسب الابتلاء. بعض الأحكام علمائنا يقول هذا الحكم إنما جاء تشريعه في زمان الإمام العسكري عليه السلام، هذه الرواية أيضا بهذا الجمع إنما جاءت في زمان الإمام العسكري سلام الله عليه.

الامر الآخر: أن هذه الرواية وإن كان ظاهرا ليس لها سند معروف عن فلان عن فلان عن فلان، إلا أنه اعتمد عليها الكثير من العلماء في مسائل فقهية. والرواية التي يعتمد عليها عالم في مسألة فقهية لابد أن تكون عنده على الأقل رواية صحيحة معتبرة، ليش؟ لأن في الفقه يختلف عن سائر الأمور، يختلف عن الأخلاق، يختلف عن سائر الأمور في أنه لما يقول هذا مستحب وذاك واجب وهذا مكروه هو ينبئ عن حكم الله عز وجل، وإذا ينبئ عن حكم الله عز وجل إذا ما عنده دليل يكون شنو؟ مفتري على الله، فلا بد أن يكون عنده دليل بقرائنه المختلفة، دليل ناهض وقوي.

احنا عندنا علماء اعتمدوا على هذه الرواية في مسائل فقهية، وهذا يعني أنها بالنسبة لهم شنو؟ رواية معتبرة تامه يمكن الاستدلال بها على الأحكام الفقهية. ومن علماء كبار منهم المرحوم المقدس الاردبيلي، مقدس الاردبيلي وما أدراك في علمه فقاهته وفي قداسته، ومنهم السيد محمد العاملي صاحب كتاب "مدارك الأحكام" الذي كان كلش متصلب في أمر الاستدلال وما يقبل الا الرواية الصحيحة التي يرويها ثقات اماميون، ومنهم غير هؤلاء. الأول استدل بهذه الرواية في موضوع صلاة الحدي عشر، وفي قضية التختم باليمين واستحباب كل من هذين الأمرين وانه كم هي اعداد النوافل والفرائض، وكذلك السيد محمد.

الان لا ندخل في هذا موضوع شنو معناها؟ المعنى القريب إلى الذهن أن كل مجتمع من المجتمعات له خصائص اجتماعية مميزة له عن غيره يعرف بها هذا المجتمع، مثلا في هذه الازمنة المجتمعات أو الدول تعرف باعلامها أحيانا، تعرف بالزي الذي يلبسونه، الزي التقليدي الذي يلبسه ابناء ذلك المجتمع، العادات، الثقافة الشعبية، لما الإنسان يشوف هذه الامور يقدر يميزها بما هي علامات لهذا المجتمع أو ذاك.

زين، علامات شيعة أهل البيت ما هي وهم موجودون في داخل المجتمع المسلم؟

الحج لا مو علامه مميزه ليش؟ لأنه يذهب هناك شيعة أهل البيت وغيرهم. الصلوات الخمس المفروضه أيضا مو من علامات شيعة أهل البيت خاصة ليش؟ لاشتراك غيرهم معهم في هذه العبادة، وهكذا سائر الأمور الصوم الحج الصلاة العامة ليست مميزه لهم. اكو هناك اشياء مميزه علامات فارقة تقدر لما تشوف هذا الانسان يعمل هذه العلامات ويتزيا بها تفتهم ان هذا من شيعة آل محمد.

 

لاحظوا بشكل سريع:

  • التختم في اليمين: اختص به شيعة أهل البيت، فإن سائر المذاهب يقولون هكذا في استدلالهم الروايات هذه غير مدرسة أهل البيت الروايات تشير إلى استحباب التختم في اليمين، ولكن لانه صار شعار لأهل البدعة كما يقولون لذلك يستحب تركه، لا تتختم باليمين أنت يا من لست شيعيا -كانما علماء يخاطبونه- لا تتختم باليمين، وإن كان التختم باليمين هو مففاد الروايات غيرها إلى اليسار ليش؟ لأن هذا صار شعار لأهل البدعة كما يقولون، فهذه علامه فارقة.

 

  • الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم: في الصلوات الان أنت تسمع وترى غير الشيعة اما أصلا يحذف البسمله في اثناء الصلاه أساسا ما يقراونها، أو إذا قراوها يقراونها ماذا؟ اخفاه. فاذا شفت مجتمع يقرا بسم الله الرحمن الرحيم جهرا يتبين ان هذا المجتمع مجتمع موالي لأهل البيت.

 

  • صلاة إحدى وخمسين: ١٧ ركعة هي الفرائض هاي مشتركة بين جميع المسلمين، لكن ضعفها تضربها في اثنين هي النوافل يصير المجموع ايش قد؟ ٥١، هذا من مختصات شيعة أهل البيت، سائر المسلمين نوافلهم وفرائضهم قد تزيد على هذا المقدار وقد تنقص عن هذا المقدار، اللي يصلي ٥١ ركعة مجموع الفرائض والنوافل هم شيعة أهل البيت سلام الله عليهم.

 

  • تعفير الجبين: أيضا أن جبهتك في أثناء الصلاة لابد أن تكون على العافر على التراب أو ما اشتق منه، هذا أيضا خاص بشيعه أهل البيت، سائر مناهج المسلمين ومذاهبهم لا يلتزمون بامر أن يضعوا جبينهم في الصلاة على العفر، وإنما على أي شيء صادفوه يضعوه عليه، الشيعة لا، ملتزمون بهذا صارت علامه.

 

  • زيارة الأربعين: زيارة الإمام الحسين عليه السلام في يوم الأربعين فإنها من خصائص هذا المذهب وهؤلاء الشيعة، ولها ذكر قديم القرطبي من علماء مدرسه الخلفاء صاحب التفسير المشهور يذكر في كتابه في بعض كتبه ان الشيعة شيعة أهل البيت يذهبون إلى زيارة الحسين في يوم الأربعين، هذا في وقت مبكر جدا، فمو القضية هالايام صاير أو ٤٠ وال ٥٠ سنة أو ما شابه ذلك لا امر قديم.

 

نعم، تحولت إلى شعار عظيم. ربما يقول البعض هاي زيارة الأربعين مو المقصود زيارة الإمام الحسين يوم الأربعين، وإنما هي زيارة ٤٠ مؤمن! هذا كلام لا صحة له ولا تدل عليه أي قرينه، احنا فتشنا الان الحمد لله البحث صار جدا سهل ويسير بهذه الاجهزه في كل الكتب شيعية سنيه غير ذلك محايده نريد نشوف فد رواية واحدة تشير إلى استحباب زيارة ٤٠ مؤمن! زيارة ٤٠ مؤمن ماكو ولا رواية واحدة، اكو تعبير ٤٠ مؤمن في اشياء مختلفه لكن عيادتهم وزيارتهم ٤٠ مؤمن لا يوجد أبدا.

زياره الاربعين يحتمل ان تكون زيارة ٤٠ مسجد، يحتمل أن تكون زيارة ٤٠ عالم، يحتمل أن تكون زيارة ٤٠ مؤمن، يحتمل أن تكون اشياء كثيره، ليش خصصتها بزيارة ٤٠ مؤمن من غير دليل؟ لعله ٤٠ مسجد، لعله ٤٠ حسينيه، لعله ٤٠ عالم روح زور العلماء ٤٠ واحد، فلماذا هذا التخصيص من غير دليل؟ هذا واحد.

 

ثنين، هذا مو شيء جديد هاي الاربعين يقولون علماء اللغه والحمد لله كلكم عارفون: (ال) قد تكون (ال) للجنس وقد تكون (ال) للعهد، يعني مثلا بينك وبين ابنك كلام حول عامل يجيك في النهار تساله اجا العامل هاي العامل شنو كل العمال؟ لا، المقصود ان عاملا معينا بينك وبين ابنك عهد فيه ذاك العامل العامل مو أي عامل، وهذه يسمونها (ال) العهدية، هذا عهد ذكري عهد ذهني هذا امر في اللغه. المهم بينك وبين واحد رحت المستشفى تقصد أنت مستشفى معين كان بينك وبينه كلام مو أي مستشفى، وهكذا سائر الأمور.

فهنا زيارة الاربعين من غير أن يقول وراها شيء يتبين اكو هناك شيء معهود عند المؤمنين ولا عهد الا موضوع زيارة الأربعين. ولذلك في رواية عن نقلها شيخ الطائفة الطوسي رضوان الله تعالى عليه في حول زيارة الإمام الحسين عليه السلام نقلها عن الأئمة قال: «تَزُورُهُ فِي يَوْمِ الْأَرْبَعِينِ، فَتَقُولُ عِنْدَ الزَّوَالِ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا»، وأورد الزيارة المخصوصة المعروفة بزيارة الأربعين. فشيء معهود، شيء معروف، هناك عهد بين الإمام وبين شيعته في هذا الجانب، مو زيارة عاشوراء، مو زيارة النصف من رجب، مو زيارة كذا، وإنما زيارة الأربعين التي تحصل في ذلك اليوم.

فاذا إلى هنا اصل زيارة الإمام الحسين عليه السلام بما ورد فيها من الروايات الكثيرة بحيث دل بعضها ظاهره على انها واجبه وإن كانت آراء العلماء الان وفتاواهم انها مستحبة استحبابا مؤكدا. وخصوص زيارة الأربعين ورد فيها هذا الخبر الذي اعتمد عليه العلماء الكبار واستدلوا به في الفقه، ولا يستدلون برواية في الفقه الا إذا كانت تامه من مختلف الجهات سندا ومتنا ودلاله، والمعنى مالها هو أن المجتمع الموالي لاهل البيت عليهم السلام له مميزات اجتماعية هذه المميزات تفصله عن غيره وتعرف بعضه ببعض، لا سيما في المجتمعات المختلطة. الكوفة مثلا قديما ايام الأئمة كانت مختلطة، زين كيف نعرف هذا من شيعة أهل البيت أو لا؟ يلتزم بمجموعة هذه بعضها ظاهريه مثل هذا الخاتم بعد تطالع ايدك خلاص تعرف، بعضها الآخر في صلاته ظاهر بعضه مثل تعفير الجبين ومثل صلاة إحدى وخمسين، بعضها في حركته الاجتماعية زيارة والذهاب إلى الحسين عليه السلام، فهي علامات مو للمؤمن الفرد، وإنما للمؤمنين كمجتمع موالي لال محمد.
 

فوائد وعوائد زيارة الأربعين

نشير إلى بعض الفوائد والعوائد التي ترتبت ولا تزال تترتب على زيارة الأربعين إلى ايامنا الان، بعد الحمد لله بسبب هذه الآلات والوسائل التي تنقل بشكل مباشر ما يحدث في طريق المشاية وفي المشاهد المقدسة وما شابه ذلك كان الإنسان يعيش بينهم، هذا الامر ما كان متيسر في السابق. نتج عن هذا عن هذه الزياره بهذا الحجم -يتحدثون عن ملايين وكل سنه تزيد عن السنه الثانيه باعداد هائله- يتحقق منها فوائد كثيرة:

  • الفائده الأولى: الشعور بالهوية الشيعية المتبعة لأهل البيت عليهم السلام. أي انسان موالي لأهل البيت قد يكون مثلا في افريقيا في امريكا في اوروبا لا يشعر بحاله من الانتماء إلى تلك المجتمعات الكبيرة الواسعة بما يحمل من عقائد وفكر وممارسه مرتبطه بأهل البيت، في زياره الأربعين يتصاعد الشعور بالهويه التابعه لأهل البيت عليهم السلام، ويشعر هؤلاء على اختلاف لغاتهم ومناطقهم وطبقاتهم الاجتماعية ومستوياتهم الفكرية أنهم كلهم في هذا الإطار وفي هذه البوتقه التي تتجه لزيارة الحسين عليه السلام معظمه لشعائره وقاصده إياه، كلهم فد مسلك واحد ينتمي بعضهم إلى بعض وينتمي الجميع إلى أبي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه. ايش قد لازم يصير شغل على المؤمن حتى يستشعر هويته الايمانيه والدينية شيء كثير، لكن هذه الزيارة خصوصا للذاهبين فيها تختصر المسافات كلها، وإذا بهذا الانسان يشعر في هذه المجموعة بانه واحد من جمع يؤمن بفكر واحد وهدف واحد وشخصية واحدة ويتلقى توجيها واحدا من سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين. هذا فد شيء مهم جدا وهو شعور هؤلاء الناس بل حتى غير الذاهبين إلى تلك الاماكن يستشعرون وحدة الهدف، وحدة الثقافة، يتعاطفون معهم، يؤيدون حركتهم، يحبون مسيرهم، وهنا إذا أحب الانسان هؤلاء وأحب مسيرتهم ينطبق عليه بطل مثل الأربعين جابر بن عبد الله الأنصاري الذي قال: «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا كَانَ مِنْهُمْ، وَحُشِرَ مَعَهُمْ، وَمَنْ أَحَبَّ عَمَلَ قَوْمٍ أُشْرِكَ فِي عَمَلِهِمْ». اللهم انا نحب عمل هؤلاء الزوار وزيارتهم للحسين وبكائهم عليه وخدمتهم في طريقه فاشركنا في اعمالهم وأثبنا كما أثبتهم يا رب العالمين. هذا اول عنصر من عناصر الفائده والعائده التي تحصل من هذه الزيارة المليونية.

 

  • الفائده الثانية: التغير الحاصل في نفوس الذاهبين. يندر ان سمعنا من شخص انه رحت ورجعت وما حصلت شيء، الأكثر ان لم يكن الكل يستشعر حالة من التغير في داخل ثقافته لأنه يرى صور غير معقولة أبدا. هذا الذي يظن بماله بالنسبة إلى ١٠ ريال ١٠ ريال ما يعطيها الا بطلوع الروح، يروح هناك يشوف اناس يصرفون مئات الأُلُوف ويتوسلون بالزائرين أن ياخذوا منهم، يتعارك وياك إذا انت ما تاخذ يمنعك من المسير اذا ما تشيل من عنده! هاي الصورة تهز وجدان الإنسان، كيف انا أظن بـ ١٠ و١٠٠ ريال وهذاك بعضهم يجمعها طول السنه -ها قصص واقعية سمعتموها ورايتم بعضها- طول السنه يجمع على شان هذا اليوم ثم ياتي ويتوسل بالناس أن ياخذوا من طعامه ومن شرابه ومن مضيفه ومن ومن الى غير ذلك. الإنسان لما يشوف هذا يشوف هذا عالم آخَر غير اللي يعيش فيه، حتى بعض الخاطئين لو ذهب الغالب ان لم يكن الكل يحصل في داخله تغير. لكن التغير النفسي ما يطلع نفس الوقت مو (اون اوف) كما يقولون، الحر الرياحي تعرفون قصته من يوم اثنين ثلاثة محرم وهو يعتلج في داخله هذا الصراع ومحاولات التغير وين طلع؟ طلع يوم عاشر تماما، احتاج إلى اسبوع، اكو بعض الأشخاص يحتاجون إلى أكثر من هذا، يحتاجون إلى اقل من هذا، الغالب أن كل انسان يذهب يحصل في داخله تغير كالذين يذهبون إلى الحج والى العمرة نادرا أن يرجع انسان لم يتغير أصلا الا أن يكون جدارا! ولكن التغير تدريجي، مرحلي، شخص صار له ٢٠ سنة ٣٠ سنة في مسير معين لا تتوقع انه بمجرد أن مشت للأيام أو يومين هذا خلاص راح يتغير ١٨٠ درجة، ليس كذلك، ولكن نادرا أن يحصل ان انسانا لا يتغير، والا لما كان من معنى لتشريع العبادات ليش تروح الحج؟ لأنه تغير في داخلك اشياء، ليش تصلي؟ لانها تنهى عن الفحشاء والمنكر. لولا هذه الآثار في العبادات لكان تشريعها أشبه باللغو، تعال انت سوي ه الاعمال روح الحج روح العمره صوم قوم صلي بس ما راح يصير في داخل نفسك اي شيء هذا لغو. كذلك بالنسبة إلى الزياره فيحصل التغيير يحصل التأثير ولكن بشكل متدرج.

 

هذا المهرجان العالمي أكبر تجمع عالمي سلمي يقدم الخدمة. اكو تجمعات كبيرة جدا في العالم مونديال هم في ما ادري ملايين، ولكن الفرق أن هذا الجميع يريد أن يقدم عطاء، اللي يستقبل يريد يقدم عطاء، الزائر يحاول أن يقدم عطاء، وعلى هذا المعدل.

وفيها الإعلان كما قلنا عن الهوية الشيعية من دون معركة، من دون ما ادري تهجم على أحد، من دون عركوية أحد. ان احدث أنحاء الإعلان عن الهويات كما راينا في كثير من مجتمعات المسلمين حتى مثلا فئه قومية أو مذهبيه أو طائفيه أو كذا حتى تعلن عن هويتها تحتاج أحيانا إلى معارك، تحتاج إلى مواجهات، تحتاج إلى قتال، ترى احنا موجودين احنا العرب في المنطقة غير العربية، احنا الأكراد في المنطقة العربية، احنا ما ادري اتباع المذهب الفلاني في تحت سيطرة المذهب الاخر أحيانا تصير معارك وفتن وتاريخ من العداوات ليش؟ لان هذا يريد يعلن عن هويته وذاك الطرف المسيطر ما يريد هذا الإعلان.

في الأربعين عن هوية لشيعة أهل البيت هو اعلان سلمي، لا يتكلموا على أحد، لا يحاربون أحد، لا يهاجمون أحد، لا يستعدون أحد، رايح شايل الله شيء على ظهره لكي يذهب إلى زيارة الحسين عليه السلام، وذاك اللي يستقبله أيضا نفس الشيء ما يسأله، أيضا هناك الكثير من الذين يذهبون في هذا الطريق ليسوا شيعة أهل البيت مع ذلك يعاملون بنفس المعاملة التي يعامل بها أولئك. فهو أشبه بمؤتمر عالمي سلمي لإعلان الهوية الشيعية.

ركب السبايا وعودتهم إلى كربلاء

لا نريد التفصيل أكثر من هذا والوقت قد اخذنا، هلموا نذهب إلى الأساس الذي انشا هذا العطاء إلى المكان والى الزمان الذي أنبت هذه الشجرة الطيبة والنعمة الكبرى.

هلم نذهب إلى نهاية بقاء ركب السبايا في الشام، في الشام بقي ركبوا السبايا حوالي ثمان أيام -يعني من تاريخ ٢ صفر إلى ١٠ صفر على الرأي المحقق- سووا تغيرات كبيرة في الشام حصلت تغيرات كبيرة إلى الدرجة اللي يزيد رأى أن بقائهم في الشام راح يقلب الوضع عليه، فاذا ماذا يصنع؟ لابد أن يغلق هذا الملف بان يرجعهم وخلاص تنتهي القضية.

قيل جاء إلى علي بن الحسين فقال له: يا ابن الحسين ان أحببتم المقام عندنا أقمتم وإن أحببتم العود إلى المدينة بعثنا لكم من يكون معكم إلى المدينة. الإمام زين العابدين وهو امام مفترض الطاعة، لكن يعرف زينب عليها السلام هي كبيرة هذا الركب، هي وصية أخيها الحسين عليه السلام، مكانها من الاحترام محفوظ، ولو هي ميسرة ولو هي أيضا مسبية ولو ضربت. فجاء إليها زين العابدين كما نقلوا: عمة زينب، تريدين البقاء هنا في الشام أو ترجعين إلى المدينة؟ ولو التاريخ ما نقل هذا الخبر انت تعرف خوف شنو راح يكون جواب زينب! فقالت له يا ابن اخي: ماذا أعمل بالشام؟ شنو أنا شفت في الشام غير الشماتة والأذية، وخلفنا أيضا رقيه يتيمه الحسين ماتت على راس أبيها، ايش عندي ابقى في الشام، بل نرجع.

فجهّزت الأمور، وطلب الإمام السجاد رأس أبيه الحسين ومغزل أمه فاطمة الزهراء سلام الله عليها وبعض الأمور اللي لها اعتبار، وجهّزت تلك الرحائل والضعائن على غير الطريق الذي قدموا فيه وإنما طريق آخر يسمى في هذه الأجزاء بطريق الجزيرة وهو طريق مختصر. فخرجت هذه النياق وخرجت هذه الضعائن وشوق يحدوها، وين تروح الان؟ ساروا لمده ثمانيه أيام تسعة أيام حتى لعات كرب... كربلاء! حتى راوا أن هذا الطريق يؤدي إلى كربلاء. هناك هاجت أحزان العقيلة زينب وباقي النساء، إذا رايح الزيارة أنت من تقرب إلى كربلاء أنت هيك حزن، شلون زينب وهي الان فارقت أخاها ٤٠ يوما من الزمان لما بانت علائم كربلاء! كانها بلسان حالها:

يا نازِلِينَ بِكَرْبَلَاءَ هَلْ عِنْدَكُمْ خَبَرٌ بِقَتْلَانَا وَمَا أَعْلَامُهَا

مَا حَالُ جُثَّةِ مَيِّتٍ فِي أَرْضِكُمْ بَقِيَتْ ثَلَاثًا لَا يُزَارُ مَقَامُهَا

بِاللَّهِ هَلْ وَارَيْتُمُوهَا فِي الثَّرَى وَهَلِ اسْتَقَرَّتْ فِي اللُّحُودِ رِمَامُهَا؟

كأني بالخطاب يأتي:

ما غسلوا ولا لفوا في كفن يوم الطفوف ولا مدوا عليه ردا

على الجهة الأخرى كان جابر بن عبدالله كما ذكروا جاء مع عطية العوفي إلى كربلاء، وكان جابر قد ضعف بصره، قال: يا عطية أين الفرات؟ دخل إلى الفرات واغتسل وارتدى برداء ثم نسر على لباسه شيئا من الصعد، قال: يا عطية دلني على قبر الحسين. جاء عطية وجاء جابر، قال: المسني القبر. وضع جابر يده على قبر الحسين -يا ليت احنا وانتم هالحاضرين أيضا نقدر نوضع يدنا على شباك قبر الحسين- ونادى:

حَبِيبِي يَا حُسَيْنُ، حَبِيبِي يَا حُسَيْنُ، حَبِيبِي يَا حُسَيْنُ!

وأغمي عليه. يقول عطية: رششت عليه الماء حتى أفاق، جلس وهو يقول: حبيب لا يجيب حبيبه، وأنا لك بالجواب وقد شخبت أوداجك على أثباجك وفرق بين راسك وبدنك. أشهد أنك ابن حليم في التقوى وخامس أصحاب الكساء، فطبت حيا وطبت ميتا، غير أن قلوب المؤمنين غير طيبة لفراقك -والله كل ما يجي الأربعين والإنسا مو في ذاك- غير أن قلوب المؤمنين غير طيبة لفراقك ولا شاكة في حياتك.

قال أرباب الخبر: بينما هم كذلك وإذا بغبرة قد ارتفعت من جانب، قال عطية: يا جابر أرى ركبا قد اقبل، ماذا نصنع؟ قال: قف وانظر، فان كان ركب الحسين فارجع إليّ، وان كان من بني أمية فأخبرني حتى نلجا إلى ملجا.

قال عطية: ذهبت إلى ذلك المكان قبل أن يصل إليهم، وإذا بالنداء ينادي: وا حسيناه! وابن رسول الله! رجع عطية إلى جابر وهو يقول: يا جابر قم واستقبل حرم الله وحرم رسوله، هذا زين العابدين قد اقبل بعماته واخواته.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة