سيرة مفصلة عن الإمام الرضا عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم.
مقدمة في فضل زيارة الإمام الرضا عليه السلام ومعرفته
نتحدث هذه الليلة عن شيء من سيرته الشريفة، حرصاً منا على ألا تخلو مناسبة الإمام من ذكر سيرته وتاريخه، من أجل التأكيد على معرفته؛ فإن معرفة الأئمة كمعرفة النبي، وهي أيضاً كمعرفة الله عز وجل، من أصول العقائد التي كلما ازداد الإنسان منها حصل على ثواب أكثر وارتقت درجته في الإيمان بشكل أكبر، فضلاً عن آثار هذه المعرفة من السعي إلى الاقتداء به وتسهيل التاسي به.
ولادة الإمام الرضا عليه السلام ونشأته
الإمام الرضا عليه السلام كانت ولادته كما هو معروف في شهر ذي القعدة من سنة ١٤٨ هجرية. وقد أخبر الإمام الصادق عليه السلام عن ولادة الإمام وعن دوره ومنزلته في حادثة قل نظيرها؛ وذلك أن الإمام الصادق عليه السلام -جد الإمام الرضا- كان يتحدث عن صفات ولده الإمام الكاظم، فذكر أن من بركات هذا الإمام أن في نسله يولد عالم آل محمد، وليتني أدركته. هذا كلام الإمام الصادق عليه السلام، وفي هذه الكلمه القصيره نجد جهتين:
- الجهة الأولى: أن الإمام الصادق -الذي هو أوضح الأئمة في دوره العلمي والفكري- يلقب الإمام الرضا عليه السلام بأنه عالم آل محمد. وهذا يشير إلى منزلة الإمام الرضا العلمية عندما يتحدث عنه صادق أهل البيت وعالم أهل البيت ويقول: «هذا عالم آل محمد».
- الجهة الأخرى: فقد أنبأ عن خبر غيبي، وهو قوله: «وليتني أدركته». فإن الإمام الصادق عليه السلام بالفعل لم يدرك ولادة الإمام الرضا، وكان بين شهادة الإمام الصادق وولادة الإمام الرضا مقدار من الأشهر؛ ذلك أن كليهما -أي الإمام الصادق- استشهد في سنة ١٤٨، والامام الرضا عليه السلام ولد في سنة ١٤٨ أيضاً، لكن الصادق عليه السلام استشهد أما في ١٥ رجب من نفس السنة كما ذهب إليه مؤرخون، أو في يوم ٢٥ من شهر شوال كما عليه آخرون. وعلى كل تقدير، فسواء كانت ولادته في النصف من رجب أو شهادته في النصف من رجب -أي الإمام الصادق- أو في ٢٥ شوال، فانه لم يدرك ولادة الإمام الرضا عليه السلام في شهر ذي القعدة. وهذه من الأنباءات الغيبية.
وفوق كل ذلك، أن الإمام الصادق -وهو من هو في منزلته- يتمنى أن يدرك حفيده علي بن موسى، يقول الإمام الصادق بالنسبة إلى الإمام الرضا: «وليتني أدركته». ومن هذا نعلم بمقدار كيف وكم كان هذا الإمام عزيزاً على جده جعفر بن محمد سلام الله عليهم. يتبين من هذا أن الدور الذي سوف يقوم به الإمام الرضا دور مهم جداً في الناحية العلمية والارشادية وتوضيح معالم الدين، بحيث الإمام الصادق يلقبه بأنه عالم آل محمد.
والدة الإمام الرضا عليه السلام وفلسفة "أم الولد"
كانت ولادة الإمام عليه السلام من جارية يطلق عليها في الفقه الإسلامي "أم ولد". وعندما يتحدثون عن أحكامهن يقولون: أحكام أمهات الأولاد لهم أحكام خاصة. الأئمة عليهم السلام -من الإمام الصادق بعده فصاعداً إلى الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف- كانت أمهاهت اللائي ولدنهم من أمهات الأولاد.
عندنا النكاح كما تعلمون في الفقه الإسلامي؛ النكاح الشرعي والعلاقة الخاصة المحللة بين الرجل والمرأة إما أن تأتي من خلال النكاح والمهر وما يرتبط بذلك، وهذا الموجود عند كل الناس وفي أيامنا هذا هو النموذج الوحيد؛ أن إنساناً يخطب امرأة ويعطيها مهراَ ويجرى على أثر ذلك عقد بينهما فتتحلل له وتلد له. هذا كان ولا يزال موجوداً ويعبر عنه بأنه نكاح مهيرة، يعني تعطى المهر، والأئمة عليهم السلام قبل الإمام الصادق عليه السلام -من الإمام الصادق فصاعداً- كانوا على هذه الشاكلة أمهاتهم مهيرات.
وهناك طريق آخر للنكاح في الاسلام وهو كان في الأزمنة السابقة، وهو: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ... فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}. هذا قسم آخر من النكاح في تلك الأزمنة كان موجوداً، بحيث يشتري الإنسان جارية ويقاربها بملك اليمين؛ نفس شرائها هو تعبير عن مهرها، فإذا قاربها هذا الرجل وولدت له بنتاً أو ابناً فإنها بعد موتي المالك تنعتق، تصير حرة ويقال لها "أم ولد".
الإمام الرضا عليه السلام كانت أمه أم ولد، تسمى نجمة أو تكتم. وقد سماها الإمام الكاظم عليه السلام بعد ولادة الإمام الرضا بالطاهرة، تمييزاً لها عن سائر نسائه. تعلمون أن الإمام الكاظم عليه السلام كان له زيجات كثيرة وكان له أولاد كثيرون، ذكر الشيخ المفيد رضوان الله تعالى عليه أنهم ما بين ٣٢ إلى ٣٥، بل زاد بعضهم إلى ٣٨. فلما ولدت نجمة أو تكتم الإمام الرضا عليه السلام لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام، لقبها بالطاهرة بعد ذاك الاسم الذي جاءت به نجمه أو تكتم. أصبح منحصراً، والأكثر كان يعرفها بالطاهرة، ثم كانت تعرف بتكتم، يعني تلك التي تستر ولا تبدو للناس. تكتم يعني تستر.
تقريباً الأئمة ليش سووا هذا؟ هذا إلى بحث طويل أشاروا إليه في كتاب "كاظم الغيظ عليه السلام"؛ هذا إلى آثار أخلاقية، إلى آثار ثقافية، إلى آثار اجتماعية، كان يدعم فكرة الإسلام في إلغاء الفوارق الطبقية والعرقية بين المسلمين، وأنه إنما جاء الإسلام لكي يجعل الناس على قدم المساواة بالذات في أمر النكاح. ولذلك فقد زوج رسول الله صلى الله عليه وآله زينب بنت جحش -وهو التي صارت فيما بعد زوجة له، وكانت من علياء قريش- زوجها إلى زيد بن حارثة. وزيد في العرف الاجتماعي في ذلك الوقت أولاً كان من عائلة في التصنيف الاجتماعي لا ترقى إلى قبيله قريش، وثانياً هو أيضاً جاء باعتباره عبداً مستعبداً على طريقة ما كان يصنع العرب عندما يهاجم بعضهم بعضاً يأخذون الرجال عبيداً ويبيعونهم، وكان هذا الزيد من هذا القبيل؛ اشترته السيدة خديجة بنت خويلد سلام الله عليها وأهدته إلى رسول الله محمد.
لماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك؟ قال: ليتضع النكاح. ولكن الطرف الآخر، ولا سيما الحاكمين، كان عندهم شعور مفرط بالعزة القومية وأن العرب ما أحد يدانيهم ولا أحد يصل إليهم. الأئمة عليهم السلام، في امتداد لسنة رسول الله وطريقته، قالوا: إمامكم الذي هو عنده علم الله عز وجل وعلم النبي واللي لازم الكل يتبعه، هذا أمه من أمهات الأولاد ممن تشترى! القضية القومية ليس لها أثر، إنما {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} هذا هو المقياس: إن أكرمكم عند الله أتقاكم. فأنجبت هذا الولد، وكفى به بها فخراً في أن تنجب عالم آل محمد، سيد من كان في زمانه الذي قام عليه الإسلام بشكل كبير.
دور الإمام الرضا عليه السلام العلمي والفكري
الإمام الرضا عليه السلام عمره كان قصيراً بالقياس إلى عمر غيره، فقد كان عمره الشريف كله ٥٥ سنة، ومضى في سنة ٢٠٣ هجرية مسموماً على يد المأمون العباسي كما سياتي بعد قليل.
في بدايات عمره الشريف، الإمام الكاظم سلام الله عليه كان يشير إليه بمزيد من الاهتمام ويعامله بما يناسب المكانة التي سوف يتبواها فيما بعد، وهي مقام الإامامة. فمثلاً كان يخاطبه أولاً بكنيته، مع أنه كان في ذلك الوقت صغير السن -يعني ثلاث سنوات وأربع سنوات- من ذاك الوقت الإامام الكاظم عليه السلام كان يخاطبه بكنيته، وقد كناه بأبي الحسن: «إلى يا أبا الحسن، اين ابني أبو الحسن؟ هلموا إليّ بأبي الحسن» وهكذا، والحال أن عمره من حيث السنين كان صغيراً.
وكان يخاطبه أيضاً بلقبه المهم وهو "الرضا"؛ أن الإمام عليه السلام كان يشير ويقول: «ائتوني بابني الرضا». وفي هذا معنى سيبطل المعاني الباطلة التي قيل إنها كانت السبب في تلقيب الإمام بالرضا، وأن ذلك كان في زمان المأمون -يعني سنة ٢٠١ لما ولاه ولاية العهد- فكان أن قبله المأمون وارتضاه فصار رضا! هذه الفكرة غير صحيحة أبداً، إنما كان لقب الرضا أول من ذكره هو الإمام موسى بن جعفر وابنه لا يزال في السنوات الأولى من عمره يخطو. نعم، ورد أيضاً أن الإمام الرضا عليه السلام إنما لقب بهذا اللقب لأنه كان لله رضا في سمائه ورضا لخلقه في الأرض، لكن منو اللي لقب بهذا اللقب؟ كان أباه الإمام موسى بن جعفر وفي بدايات عمره، ودون العاشرة، وقبل لا يصير المأمون ولا يصير خليفة ولا يصير كل هذه الأمور.
التدريس والتعليم في المدينة المنورة
الإمام عليه السلام بكر في أمر نشر العلم والمعرفه في المدينة المنورة. الإمام كان مدة بقائه في خراسان حوالي سنتين وكسر من الشهور، وإلا باقي عمره الشريف كان في المدينة المنورة؛ استثنِ سفراً إلى الحج، واستثنِ أيضاً ما ذكر من أنه بعد بداية إمامته سافر إلى الكوفة وسافر إلى البصرة وبين للناس معاجزه وكراماته واتصاله بالله عز وجل حتى يقتنع شيعة أهل البيت بأن هذا هو خليفة أبيه موسى بن جعفر. وغير هذا، طول المدة كان في المدينة المنورة، وكان يمارس التدريس والتعليم والتفسير وبيان الأحكام والعقائد. وكان له أسطوانة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله؛ إذا عجز العلماء في ذلك الوقت عن مسألة من المسائل أشاروا إلى مجلس الإمام الرضا عليه السلام، وكان في ذلك الوقت عمره ٢٠ سنة! البعض من أولئك العلماء المتصدين للفتوى وللتفسير بعضهم تخطى الـ ٧٠ والـ ٦٠، ولكن عندما كانوا يعجزون عن المسائل كان يشار إلى الأسطوانة التي يجلس عندها الإمام علي بن موسى سلام الله عليه، وكانوا يأتون إلى الإمام وياخذون حاجتهم من المعرفه ومن الإجابات.
لابد أن أشار هنا إلى نقطة مهمة؛ البعض من الناس -بناءً على التوجيه الخاطئ والتفهيم غير الصحيح- يتصورون عندما يتكلم عن دور الإنسان الحاكم أو الوالي أو الإمام أو النبي، يتصورون أنه لابد أن تكون له أعمال وأدوار كبيرة: غزوات، حروب، سياسات، عمران، بناءات، غير ذلك. أما شنو هذا يدرس ويعلم ويفسر وما شابه ذلك؟! وهذا من التعبئة الخاطئة عن الدور الحقيقي الذي هو مطلوب من الرسل والانبياء والأئمة. البعض يتصور إذا إمام ما قاتل، ما حارب، ما خاض حروباً، ما سوى سياسات، ما قام بأعمال استثنائية، ما قاد الأمة قيادة ظاهرية، ما أسس مؤسسات عظيمة وضخمة، هذا يتبين ما عنده دور! شنو يدرس وشنو يعلم وشنو يفسر وشنو كذا؟ لكن هذا المعنى ناشئ عن عدم معرفة الدور الحقيقي للأنبياء والرسل والأئمة.
الله سبحانه وتعالى عندما يصف سيد الأنبياء محمداً، ماذا يقول؟ يقول: أنا أرسلناك مقاتلاً محارباً، تبني الجسور، تبني العمارات، تقاتل، تفتح بلاد، غزوات؟ لا! يقول: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}. زين، هذا أرسلناك إليه أرسلناك لكي تكون مبشراً شاهداً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا}. هذا دورك.
في الأثناء إذا اعتراض هذا وكانت الظروف مناسبة للقتال، قاتل. في الأثناء إذا صارت حروب، حارب. ولكن مو شغلك الأصلي هو القتال! وهذا يفهمنا ما ورد في كلمات أمير المؤمنين وكلمات الإمام الحسين عليه السلام وغيره من أني أكره أن أبدأهم بقتال؛ احنا مو جايين لأجل القتال بالدرجة الأولى، احنا أصحاب دعوة، إذا قبلت هذه الدعوة بشكل سلمي لا يجوز القتال أصلاً، احنا مو طلاب دماء ولا طلاب حروب وانتصارات وهمية، وإنما الغرض هو إنقاذ المجتمع من الظلمات من الجهل ورفعه إلى مستوى الوعي والمعرفة والدين.
فلما يقال الإمام الفلاني مثلاً كان ينشر العلم، يجلس في مجلس رسول الله، الإمام الصادق في مسجد الكوفه يحضر عنده مئات من الرواة، والإمام الكاظم كذلك، والإمام الرضا، فإنما هم في هذا يقومون بالدور الأصلي المطلوب من أئمة أهل البيت عليهم السلام. نعم، لو اضطرت الإمامة ظروف للمحاربة وللقتال ولفتح البلاد ولغير ذلك، يقوم بها، لا من باب أنها الخيار الأول، وإنما من باب خيار الضرورة وما يقتضيه الوضع الخاص.
مناظرات الإمام الرضا عليه السلام العلمية
فالإمام الرضا عليه السلام من ذاك الوقت -يعني من عمره ٢٠ سنة إلى عمره ٥٥ سنة، استثني منها سنتين وكسر اللي صار في خراسان، يعني حوالي ٣٢ سنة أو نحو ذلك- كان مشغُولاً بهذا الجانب العلمي والثقافي والفكري وتوضيح المعالم. وفي زمان الإمام الرضا تبين كيف أن هذه الأمور هي من الأهمية بمكان، بحيث لولا وجود إجابات من قبل أئمة الهدى عليهم السلام لساخ دين الإسلام، بالذات في زمان المأمون الذي فتح الباب لحركات الترجمة، فتح الباب للناطقين من الديانات الأخرى، صار أمرهم طبيعياً، فنفذت الفلسفات المكذبة بالأديان، تسربت الشبهات التي تعترض على العقيدة الدينية من الله سبحانه وتعالى إلى أفعال الدين الأخرى، جاءت أحاديث وروايات باطلة تحول الباري سبحانه وتعالى إلى جسم شبيه بالإنسان وإلى جبر لا يمتلك معه الإنسان حرية، وفي هذا نفي لأصل العدل الإلهي.
زين، هنان يحتاج أن يسوى مثل ما سوى المهدي العباسي: سوّ لك مؤسسة سماها "مؤسسة الزندقة" وخلى عليها واحد صاحب الزندقة، يسمونه: أي واحد عنده فكرة حتى لو كانت صائبة جيُبوه إلى صاحب الزندقة واقطع عنقه! هو هذا معالجة الفكر؟ معالجة الشبهات بالسيف ما تكون أبداً. هنا يتبين دور الإمام الرضا عليه السلام ومن بعده دور الأئمة المعصومين عليهم السلام.
الإمام الرضا في مجلس واحد جمع إليه المأمون العباسي عشرات المتكلمين وأرباب الديانات الذين كانوا لا يعتقدون بدين الإسلام، ما بين مجوسية وما بين صابئة وما بين فلاسفة وما بين ملاحدة وما بين دهرية وما بين وما بين، وكانوا يطرحون إشكالاتهم فيعجزون غيرهم، حتى أن بعضهم لم يكن يتنزل للنقاش مع بعض من كان من علماء المدرسة الأخرى، يقول: هذا ما يفهم، أنا شأقول حتى يرد علي؟ لا يفقه ما نتحدث به!
حتى إذا جاء الإمام الرضا عليه السلام -وكان غرض المأمون العباسي في ذلك الوقت أن يخجل الإمام الرضا مع علمه بمنزلته، لكن قال، وقد التفت إلى هذا أحد أصحاب الإمام الرضا عليه السلام وكان جالساً معه لما أرسل إليه المأمون أنه قد حضر عندنا العلماء وأرباب المقالات وإلى آخره مسيحيون، نصارى، يهود، غيرهم، ويحبون أن يسالوك ويسمعوا منك- فالتفت الإمام الرضا إلى ذلك الرجل من بني نوفل من العراق، فقال له: «أنت عراقي وأنت ذكي، ترى ماذا يريد المأمون من هذه الدعوة؟». قال له: إن صدق ظني، أنه قد جمع إليك اليهود والنصارى والمجوس والصابئة والفلاسفة والدهرية وغيرهم، وهؤلاء لا يقبلون أن تقول لهم "قال الله في كتابه كذا وكذا"، لا يقبلون أن تقول لهم "قال نبينا كذا وكذا"، فإذا أردت الاستدلال عليهم بهذا قالوا: نحن لا نعتقد بنبيك ولا نعتقد بقرانك، أجِبنا على قواعدنا! فيريد يحرجك بهذا.
فقال له الإمام: «صدقت يا هذا، أتدرى متى يندم المأمون؟». قال: متى يندم المأمون؟ قال: «عندما يراني أجيب اليهود بتوراتهم، والنصارى بأنجيلهم، وأهل العقائد بعقائدهم، والفلاسفة بما قرروا في كتبهم، فانتصر عليهم بإذن الله عز وجل، عندئذ يندم المأمون». ليش؟ لأنه راح يظهر أمام هؤلاء الناس فضل الإمام عليه السلام. وبالفعل هكذا حصل؛ بالفعل استداروا إليه، هذا اللي عنده في الإنجيل قال له إنه ترى انجيلنا كما هو عندكم يبشر بنبيكم، فإذا احنا ثبت نبوة المسيح ثابتة تماماً عندكم وعندنا، وأما نبوة نبيكم فهي معتمده على تبشير نبينا (هو في منطقة ضعف لازم يعززه منو؟ المسيح والإنجيل مالنا). فقال له: لا، نبينا أنا مذكور في كتبكم، أتقرأ الإنجيل؟ قال: كيف لا أقرا الإنجيل أنا أحفظه حفظاً تاماً! فقال له: اقرأ معي. فبدا الإمام يقرا عليه من الإنجيل حفظاً، قراءة لم يسمعها من قبل، فقال له: أين تعلمت هذه القراءة؟ هذا النمط إنما يعرفه كبار علمائنا، أنت عن حفظ تقوله أين تعلمت هذا؟ فكأنه يجيبه بما أجاب الإمام الصادق عليه السلام بعض أصحابه بقوله: «إن الله أحكم -يعني أكثر حكمة- من أن يفترض على الخلق طاعة إمام ثم لا يكون عنده كل ما يحتاج إليه الناس». لازم يكون كل شيء يحتاجونه من العلم في أمور الدين موجود عنده، يريد يستدل بالإنجيل يقدر، بالقرآن يقدر، بالتوراه يقدر، بالقواعد الفلسفية كل هذا يقدر، ما يتوقف يقول: لا علم لي وما أريد أراجع وإلى غير ذلك. وهذا مما يكشف عن أن لقب "عالم آل محمد" الذي لقبه به اثنان من المعصومين أولهما الإمام الصادق وثانيهما الإمام موسى بن جعفر سلام الله عليه والده.
قضية ولاية العهد
الحديث يطول في هذا، نشير إشارة -كنت أريد أن أعرج على موضوع الواقفه ولكن لا يتسع الوقت- نشير إلى قضية ولاية العهد التي عادة يسأل عنها ويتصور الناس أن ولاية العهد تحتل موقعاً كبيراً في حياة الإمام، والحال ليس كذلك. ولاية العهد للإمام عليه السلام حوالي سنتين فقط، من ٢٠١ إلى ٢٠٣ (التي هي شهادة الإمام في ٢٠٣ هجرية). كان لها ظروف خاصة، ولكنها كانت معروفة للإمام من البداية أن هذه ليست ولاية حقيقية ولا منصباً حقيقياً. لماذا؟
- أولاً: لأن الإمام الرضا عليه السلام في ذلك الوقت أكبر سناً من المأمون العباسي بـ ٢٢ سنة! عادة ولي العهد لابد أن يكون أصغر من السلطان أو قريب من عمره، أما أن يكون ولي العهد أكبر سناً بـ ٢٢ سنة من الخليفة، فلا يتوقع أن يكون هذا الأمر جدياً ضمن الظروف الطبيعية العادية، لا يمكن أن يكون هذا الذي هو أصغر أن يموت وذاك الأكبر أن يبقى ضمن الظروف العادية نقول. هذا واحد.
- ثانياً: هؤلاء كانوا يتقاتلون على المناصب قتالا تقطع فيه الأرحام، وهذا مو فقط بين الأمين والمامون، بين أبيهما وعمهما موسى الهادي وهارون العباسي. أخوه لما أجا موسى الهادي ذاك الوقت عمره ٢٥ سنة، بدأ يفكر في أن ينزع أخاه هارون الرشيد من ولاية العهد ويخليها إلى ابنه اللي كان رضيع ذلك الوقت. طبعاً هارون ما قبل هذا الأمر، فتامر موسى الهادي العباسي أولاً على أمه لكي يسمها؛ لأنها كانت تدعم بقاء ابنها هارون في ولاية العهد، حاول تسميمها وسوى إليها طبخة متروسة السم، لكن إحدى جواريها تنبهت وقالت لها: ليش مستعجلة على الأكل؟ أعطي هذا الماكول إلى كلبة كانت موجودة هنا، إذا مشت زين لو أكلت ما يخالف. فأكلت تلك الكلبة فتهرأت -يعني أصابتها المسمومية- فهي نفسها والدة موسى الهادي تآمرت مع بعض الوزراء واغتالوا ابنها موسى الهادي لكي يصفوا الأمر لهارون! وإذا تصعد فوق أيضاً نفس الشيء، ما جرى بين المنصور أبي جعفر وبين أخيه أبي العباس السفاح نفس الكلام وغيرهما، يعني هاي قضية الاغتيالات وبالذات بالسم كانت أمراً شائعاً في الدولة الأموية وفي الدولة العباسية واستخدم كسلاح للتخلص من المنافسين.
فالمأمون لما يجي ويقتل أخاه الأمين -والأمين أيضاً حاول أن ينزع أخاه المأمون من ولاية العهد وخاض معه حرباً كانت النتيجة فيها أن قتل الأمين وبقي المأمون- فمو شيء عادي أن يأتي بالإمام الرضا عليه السلام لكي يصبح ولياً للعهد ويحول أصلاً الخلاف من بني العباس إلى بني هاشم، وهما ما بينهما المشاكل السابقة، وإنما كانت هناك ظروف خاصة ألجأت المأمون العباسي للقيام بهذا الأمر؛ منها تهديد العباسيين أنه أنتم إذا ما التفيتوا حولي وبقيتوا تراهنوا على الأمين الذي قتل، أنا راح أحول الخلافة إلى بني هاشم، فصيروا عاقلين والتفوا حولي وإلا هذا ترى التهديد جايينكم!
الإمام الرضا عليه السلام في أول أمره رفض، فتهدده المأمون بأنه إذا مات تتولى هذا الأمر، تقتل، ولا شك أنه كان جاداً، والشاهد على ذلك أنه قام باغتيال الإمام الرضا عليه السلام بعد أن رأى أن توليته للعهد لم تنفع المأمون نفعاً كثيراً؛ لأن الإمام الرضا اشترط أن لا يولي ولا يعزل، يعني منصب شرفي مو منصب حقيقي حتى لا تنحسب عليه الإمام في مخالفات شرعية في غير ذلك، تنحسب على الإامام الرضا هذه المخالفات. أضف إلى ذلك، حول الإمام الرضا مسكنه ومكانه إلى محل تذكر فيه مناقب آبائه وأجداده وسبيل لدعوة الناس إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام.
الحاصل أن المأمون ضمن مجموعة من الأمور رأى أنه كان خاسراَ في هذه التولية وانه لم يحقق الغرض الذي أراده، ولذلك سعى في التخلص من الإامام الرضا صلوات الله وسلامه عليه.
شهادة الإمام الرضا عليه السلام ومراسيم دفنه
وعلى الطريقة المعتادة بينهم من الاغتيال بالسم، استدعى الإمام عليه السلام ذات ليلة إلى ديوانه. وكان -كما قال المؤرخون- قد أمر بعنب أن تنزع منه الأقماع، وأن يوضع فيه أبر قد سممت سابقاً، حتى يتسرب ذلك السم إلى تلك الحبات العنب.
فلما جاء إمامنا الرضا عليه السلام في ذلك الوقت ليلا، قدم إليه ذلك الأثيم ذلك العنب المسموم، فلما رأى الإمام ذلك عزف أول الأمر. فقال له المأمون اللعين: لعلك تتهمنا يا أبا الحسن، كُلْ فإني قد أكلت منه! فأخذ الإمام الرضا -تسليماً لأمر الله عز وجل ورضى بقضاء- بعض حبات ذلك العنب، فتسمم بدنه الشريف، وسرى السم إلى ذلك العنصر اللطيف، فكان يحس ما بين فمه وسرته كأنما تقطع بالمواسي أو تشرح بالسكاكين!
أين المنادي واإماماه؟ واسي سيداه ومسموماً!
خرج إمامكم من ذلك المجلس الذي قدم إليه فيه الطعام المسموم، وجاء إلى منزله. يقول أبو الصلت الهروي: أمرني سيدي أبو الحسن أن أبلغ الأبواب حتى يخلو بنفسه، بينما أنا كذلك وإذا بغلام قطط الشعر، أشبه الناس بأبيه الرضا بعلي بن موسى الرضا، قلت له وقد أقبلت علي عمره لا يزال في التاسعة، أقبلت علي قلت له: يا هذا من الذي أدخلك إلى داخل الدار والأبواب مغلقة؟ قال: الذي جاء بي مدينة رسول الله هو الذي أدخلني داخل الدار والأبواب مغلقة. بينما أنا أخطابه ويخاطبني وإذا بالامام الرضا ينادي: «إليَّ يا قرة عيني، إليَّ يا ثمرة فؤادي».
فاقبل عليه ابنه الجواد، رمى بنفسه على أبيه الذي اعتنقه وأخذ يقبله! الإمام الجواد سلام الله عليه في ذلك العمر المبكر كـ... افتقد أباه منذ أن أخذ إلى طوس، هذه أول مرة يرى والده، ولكن كيف راه؟ قد تجرع السم واقترب من فراق الدنيا. بعدها أقبل الإمام الرضا على ابنه الجواد، أخذ يوصيه بوصاياه، أدلى إليه مواريث النبوة والإمامة وكتب العلم، وعندها عرق جبين الإمام، مدد يديه ورجليه، غمض عينه، عرق جبينه، سكن أنينه، فاضت روحه الطاهرة!
أين المنادي واإماماه! واواسيداه ومسموماً!