الإدماء والتطبير: أدلة المانعين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة في استكمال بحث الإدماء والتطبير وحقيقة الخلاف الفقهي
بعد أن تحدثنا في ليلة مضت عن موضوع الإدماء للبدن وما يعرف بالتطبير وجرح الرؤوس أو جرح الظهر في علامة من قبل الفاعلين لذلك على الحزن والارتباط بالإمام الحسين عليه السلام، وذكرنا ما ينبغي أن يققال في الاستدلال على مشروعية هذه الممارسة العزائية بل والقول باستحبابها كما هو فتوى ورأي كثير من علماء الطائفة؛ نتحدث هذه الليلة عن القول الآخر في المساله وهو القول بمنع هذه الممارسة وعدم مشروعيتها وعدم حليتها.
فقد ذهب قسم من علماء الطائفة إلى القول بأن هذه الممارسة -يعني الإدماء سواء كانت للراس أو كانت للظهر أو غير ذلك- تعتبر أمرا غير مشروع وأقاموا على ذلك أدلة. نحن في هذا المقام، كما ذكرنا في ليلة مضت، لسنا في صدد الانتصار للرأي الأول ولا للرأي الثاني، وإنما الغرض هو تفهيم أصل الخلاف من أين، وأنه ليس أمرا يتبع هوى هذا الفقيه أو ذاك، أو يرتبط بهذا الوضع السياسي أو ذاك، بل ولا حتى الوضع الثقافي أيضا، وإنما كل فريق له مقدمات تعتبر أدلة عنده ثابته توصله إلى نتيجة القول الأول، أو أن له مقدمات وأدلة توصله إلى نتيجة القول الثاني وهو القول بالمنع، وأن الأمر ليس كيفيا واعتباطيا حتى يقول إنسان هذا ما يصير وذاك يصير وما شابه ذلك، وإنما كل فقيه من فقهاء الطائفة له مقدمات وله أدلة تنتهي إلى نتيجة معينة. هذا ما تقدم في ليلة مضت، نضيف هذه الليلة مقدمة أخرى ونتحدث عما يستدل به المانعون والقائلون بعدم مشروعية هذه الممارسة.
مقدمة حول الإستناد إلى الآراء الفقهية وعدم وجود شهرة قديمة للتطبير
المقدمة هي أن الاستنصار بقول هذا الفقيه أو ذاك من المتقدمين أو المتأخرين، وأن فلان عالم جدا كبير يقول بكذا وأن فلان عالم ثاني يقول بخلافه، هذا ليس صحيحا. لماذا؟ لأنه إن كان الأمر ينتهي إلى ما يسميه العلماء بـ "الشهرة الفتوائية" بمعنى أن الطائفة وعلماءها في أزمنة مختلفة من بعد الغيبة وإلى أيامنا هذه كانت فتواهم على الأمر الفلاني، هذا يسمونه شهرة فتوائية (شهرة في الفتوى). فبعض الناس يقول: إن فلان موضوع افتى به علماء الطائفه من زمان بداية الغيبة الكبرى إلى أيامنا، فهو مشهور في فتاوى العلماء، وإذا كان كذلك فينبغي أن يكون الفتوى على طبقه لاشتهار ذلك بين علمائنا.
هذه أولا في أصلها ليست مقبولة عند كل العلماء؛ قسم من العلماء يلاحظ شهرة الفتوى وقدر الإمكان ينسجم معها، وقسم آخر يقول: لا، لتكن الفتوى هذه مشهوره في طول هذه الأزمنة، أنا اعمل رأيي وأجتهد في الأدلة، إن طابقت ما ذهب إليه المشهور فهو، وإن لم تطابق، فهذا أنا رأيي وهذا أنا مجتهد وفقيه.
على أن هذه المسألة الخاصة عندنا -وهوه مسألة الإدماء والجرح- لم تكن موجوده في الأزمنة المتقدمة حتى يقال إن فتوى العلماء معها أو ضدها. بعض القضايا من زمان غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وإلى الان، مثل مسائل الطهارة والنجاسة والمسائل الأساسية؛ اكو بعض الفتاوى نظرا لمتغيرات معينة ترتبط بزمان، على سبيل المثال: إذا واحد يدور على شهرة في رمي الجمرات في نص العمود لو على اليمين أو على اليسار، ما يقدر يحصل هذا! ليش؟ لأن اصل العمود هذا ما صار إلا في فترات متأخرة، وما صار بهذا العرض يمين وشمال عرضه كذا من الأمتار إلا في هالـ ٢٠ سنة الماضية، ٣٠ سنة الماضية، فتري مثلا فتوى من واحد مثل قبل ٧٠ سنة وقبل ٧٠٠ سنة هذا ما تقدر تحصله.
قضية الإدماء والجرح كمسألة شرعية أفتى فيها العلماء ليست مسألة قديمة؛ ربما، ربما أقول: أول ما طرحت للنقاش العلمي الشديد هو عندما طرح السيد محسن الأمين العاملي رحمه الله قبل حوالي ١٠٠ سنة كتب رسالة بعنوان التنزيه لأعمال الشبيه في سنة ١٣٤٧ هجرية (يعني ١٠٠ سنة بالضبط تقريبا) وكان من المانعين والمخالفين لامر الإدماء والجرح، وبعده صارت الرسائل تجي والفتاوى والاستدلالات المقابلة وطرحت المسألة طرحا كبيرا استدلاليا.
ولذلك من ذاك التاريخ إلى الآن خلال ١٠٠ سنة تجد في هذا الموضوع الكثير من الرسائل العلمية قد دونت. أحد علمائنا المحققين حفظه الله، الشيخ محمد الحسون، لديه كتاب اسمه موسوعة الشعائر الحسينية جمع فيه -وهو عمل جيد- جمع فيه نحو ٧٠ رسالة بين مخالف وموافق في أعمال الجرح والإدماء؛ ٧٠ رسالة من ١٠٠ سنة إلى الآن كتبت وهو جمعها وحققها، بعضها بالعربي، بعضها بالفارسي، بعضها بالاردو، ومطبوع الكتاب بعنوان موسوعة الشعائر الحسينية أكثر من عشر مجلدات.
فالمسألة في الاستدلال فيها هي من المسائل الحديثة (١٠٠ سنة، ١٥٠، أكثر، أقل، ٢٠٠ سنة هالحوالي)، فماكو شهرة إلى أول أزمنة الغيبة الكبرى، ولذلك لا يصح أن يأتي الإنسان ويقول ترى هذه مسألة العلماء السابقون كلهم عليها وهي مشهورة بين الفقهاء، لا في جهة المانع ولا في جهة القبول. على أنه حتى لو صارت هناك شهره، هذا الإنسان يستطيع أن يقول: أنا لا أقلد هؤلاء الاقدمين، وإنما أقلد فقيها معاصرا، وهذا الفقيه مجتهد له رأيه وهو الذي يلزمني أنا، أما فلان عالم قبل ٣٠٠ سنة قال هالشكل، فلان فقيه قبل ٢٠٠ سنة قال شكل آخر، هذا ما يلزمني في شيء، إنما يلزمني قول الفقيه الذي أقلده.
هذه مقدمة مهمة ليش نقولها؟ لأنه أحيانا يصير في البحث واحد يجيب يقول ترى فلان سيد قال إنه هذا مو جائز، واحد آخر يقول له لا، هو نفسه قال إن هذا جائز، فتشوف ذاك ناقل جزء من الكلام وهذا ناقل جزء آخر من الكلام، ومثل ذلك ما نقلناه عن الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رحمه الله في ليلة مضت، ففي بعض الكتب قد يستفاد من كلامه شيء، وفي كتب أخرى يمكن الاستفاده شيء آخر بحسب اختلاف التعبير، وكل فريق يحاول أن يوجه كلامه إلى ما ينفع هذا المسلك الذي يتبعه.
على أي حال، كما ذكرنا أدلة المجيزين والمفتين بمشروعية هذه الممارسة بل باستحبابها وذكرنا شيئا من أدلتهم، أيضا نذكر في الطرف الآخر شيئا من أدلة المانعين، إذا ما قدرنا الليلة، في الليلة القادمة نتحدث عن الموقف العملي المنصف المطلوب من قبل المؤمنين في هذه المسالة، ربما نؤجل هذا البحث إلى ليلة أخرى.
أدلة المانعين من مشروعية الإدماء والتطبير
أما ما استدل به المانعون والقائلون بأن هذه الممارسة ليست مشروعة فامور:
١. الإدماء ليس من مصاديق الجزع ولا الشعائر وليس منصوصا عليه
الأمر الأول: يقول لك الإدماء ليس من مصاديق الجزع ولا هو من الشعائر، فلا يكون مشروعا. احنا اللي عندنا: أما أن يكون شيء بخصوصه ينص عليه، مثل البكاء؛ البكاء فيه روايات كثر حول استحباب البكاء وأنه بكى المعصومون، وبكت السماوات، بكى كذا، بكى الجن، بكى الإنس، فهو منصوص عليه بعنوانه أما هكذا. واما أن يكون داخلا في العناوين؛ مثل أن يكون قد نص على شعاريته، هذا من الشعائر، إذا صار هذا من الشعائر فيكون {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}.
إما الموضوع منصوص عليه بعنوانه كالبكاء، أو أنه داخل في عنوان آخر مثل كونه من الشعائر، مثل كونه من مصاديق الجزع، وذلك أنه ورد: كل الجزع مكروه إلا الجزع على الحسين. إما ندخله في عنوان الشعائر فيصير تعظيمه من تقوى القلوب، أو ندخله في عنوان الجزع على الحسين فيصير من الجزع غير المكروه بل المحبوب.
هؤلاء أصحاب هذه الفكره يقولون: الإدماء والضرب على الرأس أو على الظهر وإخراج الدم لا هو منصوص بعنوانه بأن يأتي مثلا: من جرح رأسه فكذا وكذا له من الثواب، من جرح ظهره فله كذا من الأجر، هذا ما موجود. وهم ما يقبلون أيضا رواية المحمل وأن زينب نطحت راسها وجبينها بمقدم المحمل، لأنه يقول لك هذه ليس لها سند، والكتاب اللي نقل المجلس ليس بمعروف ولا المؤلف.
فلا هو منصوص عليه بذاته، وأيضا لا يعد من الجزع حسب كلامه؛ يقول لك من المعقول أن إنسانا يفقد فقيدا فيحزن عليه، يبكي، تدمع عينه، ربما يلطم على رأسه، هذه أمور عرفية تدل على الحزن، لكن واحد يجي ويجرح نفسه لأن والده مثلا توفي أو لأن أمه ماتت، يقول هذا ليس من الأمور العرفية التي ينطبق عليها أنها جزع على المفقود. أيضا الحسين عندما واحد يبكي عليه يلطم عليه هذا جزع وجزع محبوب وممدوح، لكن عندما يجرح نفسه -حسب كلام هؤلاء- يقول لك هذا ليس من الجزع، وكذلك لا يعد أيضا من الشعائر، لأنه ماكو نص عليه وماكو شيء يدخله في كونه من الشعائر، لأن الشعائر ينبغي أن تكون مشروعة من الناحية الدينية واحنا إلى الآن ما عندنا علم أن هذا مشروع أو لا.
هذا أول دليل يقيمونه -طبعا الطرف الآخر عنده أدلة يواجه بهم هذا، ولكن احنا الآن مو في صدد نقاش كل دليل لا من السابقين ولا من اللاحقين وإنما في طريق العرض-. فأول ما يستدلون به يقولون: إن الإدماء ليس من مصاديق الجزع ولا هو من الشعائر ولم يحصل نص عليه بخصوصه.
يضاف إلى ذلك يقولون: هذا لم يُعهد لا في زمان الأئمة ولا في زمان أصحابهم ولا بعدها بقليل، فقد نجد مثلا من روايات كثيرة بكاء الأئمة وأصحابهم وروايات في هذا الباب، لكننا لا نجد مثلا في سيرة الأئمة ولا أصحابهم ولا الروايات الواردة ما يخدم قضية الإدماء وإخراج الدم.
٢. حرمة الإضرار بالنفس وعدم وجود استثناء للإدماء
دليل آخر يقيمونه يقولون: مو بس أنه ما عندنا دليل رواية، بل عندنا منع من ذلك، وهو أن الإدماء -بحسب كلامهم- هو من مصاديق الإضرار بالنفس، وعندنا قاعدة أن الإضرار بالنفس غير جائز بشكل عام، لا يجوز الإضرار بالنفس، واستثني من ذلك موارد مثل الجهاد؛ واحد يروح إلى الجهاد ويدري تنقص رجله، راح يقتل، راح يجرح، فيه إضرار بالنفس، في الأصل المفروض الإضرار بالنفس حرام، ولكن استثني منه موارد منها موارد الجهاد في سبيل الله، حتى لو صار إضرار بالنفس والبدن آنذاك محذور في ذلك لما ورد من الأمر بالجهاد، وإن أدى ذلك مو بس إلى ضرر البدن إلى فقدان النفس وموت النفس، فهذا من المستثنيات. وموارد أخرى من هذا النوع لم يرد -بحسب كلامهم- استثناء لهذا المورد بأن يقال الإضرار بالنفس محرم إلا في موارد الإدماء في عزاء الحسين، يقول لك هذا ما عندنا استثناء له.
وبالتالي أولا ما عندنا دليل كما يقولون في البداية على صحة ومشروعية هذه الممارسة، بل عندنا دليل مانع وهو حرمة الإضرار بالنفس مهما كان ذلك الإضرار، لكن تختلف أضرار بسيط تكون حرمته محدوده، أضرار أكبر تكون حرمته أكثر، أضرار خطير لا تصير حرمته أكثر وأكثر، واستثني من ذلك موارد مثل مورد الجهاد في سبيل الله. هذا المورد حسب كلامهم لم يرد استثناء فيه. هو إضرار بالنفس، الدم حسب ما يقولون إضرار بالنفس، جرح، لم يرد دليل على مشروعيته من جهة، ولم يرد استثناء على أنه مستثنى من أدلة حرمة الإضرار بالنفس. هذا الدليل الثاني الذي يقيمونه.
٣. العنوان الثانوي وعنوان توهين المذهب
الدليل الثالث يقولون: هناك بعض العناوين يسمونها عناوين ثانوية تنطبق على هذا المورد، فحتى لو فرضنا في أصله مشروع هذا الأمر لو فرضنا أن هذا الأمر مشروع مباح جائز، لكن قد ينطبق عليه عنوان ثانوي يحرمه. مثال على ذلك: شرب الماء؛ شرب الماء مباح للإنسان، لكنه قد يطرأ عليه عنوان فيجعله واجبا، وقد يطرأ عليه عنوان فيجعله حراما. هذا عنوان ثانوي يغير حكم الماء المباح في الشرب تاره إلى واجب وأخرى إلى محرم؛ أن تتوقف حياة الإنسان على أن يشرب هذا المقدار من الماء، إذا ما يشرب هذا الماء يموت، هنا واجب عليه شرعا، يجب عليه شرعا من باب وجوب حفظ النفس يجب عليه أن يشرب هذا المقدار من الماء، هذا الماء الذي كان مباح يجوز للإنسان يشرب ويجوز للإنسان أن يترك، أصبح بفعل هذا العنوان الثانوي -وهو توقف حياته على شرب هذا المقدار من الماء- صار الآن واجب عليه.
أو انعكست القضية: فد إنسان بعض الأمراض يضرها شرب الماء ضررا كبيرا بحيث من الممكن أن يموت الإنسان لو شرب هذا المقدار من الماء، ذاك الوقت هذا الماء الذي كان قبل حصول هذا الطارئ كان مباحا يجوز للإنسان أن يشرب ويجوز له أن يترك، الآن ما دام صار هذا شرب الماء من الممكن أن يهدد حياته يصير حرام عليه أن يشربه، ليش؟ لطرو عنوان ثانوي.
فيقولون الماء بعنوانه الأولي مباح، لكن في هذا مورد يصير حرام في ذاك المورد يصير شنو؟ واجب. يطبقون مثل هذه القاعدة على هذا المورد الذي نحن فيه، فيقولون: لو فرضنا أن الإدماء والجرح جائز، إلا أنه قد ينطبق عليه عنوان ثانوي يجعله غير جائز، وذلك لأنه في رأيهم هذه الممارسة تنتهي إلى توهين المذهب وتضعيف المذهب، أن يكون المذهب بين غير المتمذهبين به شيئا خرافيا وحشيا، سمعة غير حسن عن المذهب، أحيانا قد تصد الناس عن الالتحاق به والالتصاق به والتاثر به.
(أنا الآن كله قاعد أرح ماذا؟ كلامهم لا أتبنى هذا الكلام ولا أتبنى ذاك الكلام بالضرورة، أكدت على هذا، أنا إنسان مقلد ولست في مجال ترجيح هذا الرأي على ذلك الرأي، وإنما في مقامي أن أشرح هذه الفكرة وأشرح هذه الفكرة، ومرجع كل إنسان هو الذي يحدد سلوكه العمل فيما بعد وسياتي إن شاء الله في ليلة أخرى في موضوع الموقف العملي بيان مزيد من التفصيل في مثل هذه التوجيهات الاجتماعية).
نرجع إلى كلامهم، يقول هؤلاء إن المذهب الآن أصبح أمام أعين البشر كلها؛ الصور وما أدري التلفزيونات والفضائيات والى آخره، فاذا رأى الناس في العالم هذه الدماء السائلة وراوا هذه المناظر الصعبة، هذا يجعلهم ينفرون منه ويتهمون المذهب بأنه مذهب غير مناسب للحياة، فهذا يعني أن مثل هذه الممارسة توهن المذهب، تضعف المذهب، تنفر الناس عن المذهب. إذا كان كذلك سينطبق عليه عنوان آخر، وهو أن كل شيء يضعف المذهب ويهونه وينفر الناس عنه لا يكون مشروعا. (طبعا الطرف الثاني يقول بالعكس، أن الأمر ليس هكذا، وإنما قد ينشر، تنشر هذه الصور المذهب وتحدث الرعب في قلوب أعدائه وما إلى غير ذلك).
فبناء على هذا الكلام الذي يقدمونه في هذه الأدلة والاستشهادات ينتهي هؤلاء إلى أن مثل هذه الممارسة -ممارسة الإدماء أو ما يسمى بالمتعارف التطبير- غير مشروعة، مو بس أنه ما مستحبه، مرة واحد يقول مباح تقدر تسوي وتقدر ما تسوي، مرة واحد يقول في ذاك الصوب لا هو مستحب ومن المقربات، هنا يقول لك لا، مو بس أنه غير مستحب حتى مو مباح، غير مشروع، غير جائز، غير جائز لأنه كما قلنا بالعنوان الثانوي، يقولون هذا موهن للمذهب، غير جائز لأنه لا دليل عليه لا بخصوصه بعنوانه ولا بكونه داخلا أحد العناوين المجيزة كالشعائر والجزع وما شابه ذلك، وكذلك أيضا لأنه ينتهي إلى الإضرار بالنفس، وأن الإضرار بالنفس محرم إلا ما استثني كالجهاد وأمثاله وهذا ليس مما استثني.
هذه خلاصة ما ذكره هؤلاء العلماء المانعون من قضية الإدماء والتطبير وانتهوا إلى عدم مشروعيته وحرموه. ليس الأمر أيضا جديدا؛ قلت لكم قبل قليل إن أول -فيما نفهم- أول نقاش علمي ساخن كان هو قبل ١٠٠ سنة، أول رسالة كتبت في أمر الإدماء وعدد من الممارسات المهم كان موضوع الإدماء، وإلا في أيضا مسائل أخرى هي محل اختلاف، لكن النقطة الجوهرية في الخلاف واللي حولها اشتد النقاش العلمي هو موضوع الإدماء والجرح.
وكما قلت أن أول رسالة كتبت في هذا الجانب كانت من المرحوم السيد محسن الأمين العاملي، وهذا فقيه مجتهد من المجتهدين، وكتب كتابه رسالة التنزيه في بيان عدم مشروعية هذا العمل في القضية الحسينية، رد عليه بعد ذلك آخرون، رد على الرد غيرهم، وهكذا صار موضوع أخذ ورد. يكفيك خلال ١٠٠ سنة تقريبا إلى يومنا هذا، هناك ٧٠ رسالة، هناك ٧٠ بحث، هناك ٧٠ بحث علمي مكتوب غير اللي مثلا طرح في البحوث غير الذي لم يكتب غير الذي كتب وضاع، لكن الموجود الان الذي عثر عليه صاحب كتاب موسوعة الشعائر الحسينية ووثقه ونسبه إلى أصحابه وبين مصادر هذه الرسائل من أين حصل عليها المقدار الذي موجود ٧٠ رسالة (بمعدل كل سنة ونص إذا تريد تحسب كمعدل وسطي كل سنة ونص اكو شنو؟ هناك رسالة في هذا الموضوع، أما مؤيدة واما مخالفة، أما قائمة بالمشروعية والاستحباب، واما قائلة بعدم المشروعية والحرمة) مما ينبئك أما الفتاوى فحدث ولا حرج (يصعب إحصاء الفتاوى التي ظهرت مع أو ضد هذه المسالة).
مقدار الرسائل التي فيها كتابة استدلالية وأخذ ورد، الرد، آراء الخصوم (هذه التي ذكرناها الآن يأتي شخص وهو من القائلين بالمشروعية أو الاستحباب يرد عليها واحدا واحدا، ويأتي شخص بالعكس من القائلين بعدم المشروعية يرد على أدلة أولئك القائلين بالاستحباب واحدا واحدا)، كل واحد بحسب ما ينتهي إليه رأيه وقوته العلمية وبحثه الفقهي، فالمسألة مسألة ذات باع واسع ومن حوالي ١٠٠ سنة كانت محل الخلاف والنزاع والبحث العلمي المختلف عند الطائفة، ومن أراد أن يطلع على أقوال الفريقين يحتاج إلى شيء كثير من البحث.
القاسم بن الحسن المجتبى (عليه السلام) وواقعة الطف
ماذا نصنع في هذه الحالة؟ ما هو الموقف العملي؟ كيف ينبغي أن تتفاعل الطائفة مع هذا الموضوع في الجهتين؟ هذا يحتاج إلى بحث مفصل إن شاء الله نتحدث عنه في ليلة تالية إذا قسم الله ووفق وأعان.
هذه الليلة، بحسب ترتيب هذا المجلس الشريف، يفترض أننا نتحدث عن شيء من ذكر القاسم بن الحسن المجتبى صلوات الله وسلامه عليه. هذا الرجل، هذا الغلام بتعبير أصح، وهو لم يبلغ الحلم على الرأي المشهور (يعني لم يبلغ سن التكليف الشرعي). أحدهم سأل: كيف أنه لم يبلغ سن التكليف الشرعي ومع ذلك دخل إلى الجهاد والقتال؟ والمفروض أن الواجبات الدينيه إنما تتحقق في حق الإنسان إذا بلغ شرعا يصلي واجبا، إذا بلغ شرعا يصوم واجبا، إذا بلغ شرعا، أما دون ذلك فإن أحب أن يفعل فعل، وإن لم يفعل لم يكن مؤاخذا في شيء. فكيف القاسم سوى هكذا؟
الجواب على ذلك أن البحث ليس في أمر يجب عليه أو لا، وإنما مثل ما الصلاة لو أن انسانا صلى وعمره ١٣ سنة لا يجب عليه، ولكن هل يستحب له أو لا يستحب؟ لا شك أنه يستحب. لو صام وعمره ١٣ سنة يستحب له، ولو أنه لا يجب عليه ولا يحاسب.
قد يقول قائل إنه طيب لا أساسا الجهاد لا يصح إلا ممن كان بالغا أولا! هذا المسلك ليس هو المسلك الصحيح، وإنما حال الجهاد هو حال غيره، ولذلك وجدنا أن نبينا المصطفى محمدا لم يمنع غير البالغين في بدر من الإقدام على القتال، وإنما كان يستعرضهم -اللهم صل وسلم على محمد- نشوف واحد شوية عنده بدن وعنده قوة وعنده كذا، طول وعرض، حتى لو لم يكن بالغا يخليه يتقدم، وواحد لا لم يبلغ ومع ذلك جسمه صغير وشكله مثلا شكل طفل يمكن هذا من أول ضربة يروح فيها، كان يرده. لو كان الأمر مربوطا بقضية البلوغ حتى على مستوى الاستحباب، لكان النبي يقول لهم لا، كلكم ترجعون إلا من بلغ شرعا، والحال أنه لم يكن كذلك.
على أن هناك عنصرا آخر في قضية كربلاء وهو يغير المعادلة بكاملها، هو أن الموقع لم يكن موقع جهاد ابتدائي حتى تنطبق عليه شروط الجهاد الابتدائي، وإنما كان موقع الدفاع عن الإمام المعصوم. وفي موقع الدفاع عن الإمام المعصوم -فضلا عن النبي- بعد لا تجي شروط ولا هم يحزنون، كل من كان قادر أن يدفع عنه قتل بأي نحو من الأنحاء، فإنه عندئذ يجب عليه، لا أنه يستحب له فقط!
فاذا ما قد يسال عنه من عدم بلوغ القاسم السن، ولذلك ربما بعض الباحثين قال لا القاسم يعني تجاوز سن البلوغ لكي ينجو من هذا السؤال، لا، ما يحتاج إلى هذا الأمر؛ أولا الجهاد في الوجود نعم يجب على البالغ، وأما في المشروعية وأصل الاستحباب لا، باقي كما صنع النبي مع مقاتلي بدر، كذا واحد نقل أن فلان فلان ينقل أن رسول الله ردني وقبل فلان وأنا مثلا أكس منه وأغلبه والى آخره، كما يصنع -يعني المتنافسون من الأطفال- أنت تقدم قدم هذا، وأنا إذا أتعارك وياه أغلبه ولم يكونوا بالغين.
على أن موقع كربلاء لعنوان الدفع عن حياة الإمام، وهي كالدفع عن حياة النبي، يتغير الأمر بحيث يجب على كل إنسان -بالغا كان أو غير بالغ- يجب عليه أن يبادر إلى الدفاع عن الإمام المعصوم عليه السلام. ولعل في بعض كلمات القاسم بن الحسن على صغر سنه ما يشير إلى ذلك، المنقول من كلمات القاسم بن الحسن قليل، لكن في بعضها إشارات مثل الرجز، الرجز هو عبارة عن أبيات الشعر التي كان يقولها المقاتل وهو خارج للمعركه التي يبين فيها إما نسبه، إما أهدافه، إما غرضه، إما افتخاره بقبيلته أو انتمائه إلى الإمام. في رجز القاسم بن الحسن يلفت النظر هذا البيت:
إِنْ تُنْكُرُونِي فَأَنَا نَجْلُ الْحَسَنْ ... سِبْطُ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى وَالْمُؤْتَمَنْ هَذَا حُسَيْنٌ كَالْأَسِيرِ الْمُرْتَهَنْ
أنا الذي يدفعني للقتال بما معنى -حتى لو لم يكن واجبا علي- أنني أرى الحسين عليه السلام بينكم كما هو الأسير، أسرتموه بجمعكم وأحاطم به بقواتكم المختلفة، وهذا اللي يدفعني إلى أن أبرز؛ لا تنكروا مني أن أنا صغير السن، أو لا تنكروا مني أن أنا أقاتل بهذه الكفاءة وبهذه القوة مع كون سني أقل مما تتصورون، فإن الذي يدفعني أن عمي الحسين عليه السلام هو بهذه الصورة.
وفعلا برز إلى القوم وهو يرتجز -كما قد قال في ليلة سبق- وقد سأله الحسين: كيف يجد الموت؟ قال: فيك أحلى من العسل! فسلام الله على الحسن المجتبى وسلام الله على القاسم بن الحسن وعلى أخوته الشهداء بين يدي أبي عبد الله.
خرج إلى القوم وهو يرتجز بذلك الرجز الذي يفيض شجاعة ووعيا، حتى إذا قال حميد بن مسلم: خرج علينا غلام كأن وجهه فلقه قمر وفي كفه سيف وفي رجليه نعلان، فأخذ يقاتل القوم قتال الأبطال، ساعة إذ انقطع شسع نعله -لا أسمى أنها اليسرى- فأهوى القاسم ليشد شسع نعله حتى يقاتل القوم بكفاءة لأن الميدان كله في عثرات وأحجار ورماح متكسرة فيحتاج إلى أن يشد شسع نعله لكي لا يعيقه عن القتال.
ما أن أرخى القاسم رأسه ليشد شسع نعله حتى جاءه اللعين عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي، ضرب القاسم على مفرق رأسه، فهوى يخور في دمه وينادي: عم يا أبا عبد الله أدركني!
جاء الحسين وجده على تلك الحالة؛ رأسه مشقوق بالسيف وهو يرفس الأرض برجلي ودمائه تسيل، نادى: عز على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك!