رؤية اجتماعية وفقهية في لبس السواد
بسم الله الرحمن الرحيم.
مقدمة العودة إلى مسألة لبس السواد
لا يزال حديثنا في بعض قضايا الموسم الحسيني، وقد بدأنا في ليلة مضت برؤية تاريخية حول موضوع "لبس السواد"، وكيف أنه كان في الأصل أمراً عادياً ونجد ذلك في روايات كثيرة أن المعصومين (عليهم السلام) كانوا يلبسون السواد حتى في الأحوال العادية.
غير أنه بعد أن اتخذه الظالمون من بني العباس شعاراً لهم وعلامة مائزة تميزهم عن غيرهم، بل وأجبروا الناس في بعض الفترات على أن يتزيوا بلباس السواد، وحتى عرفوا تاريخياً بـ "المسودة"؛ صار هناك عنوان طارئ عليه، وهو أنه من ملابس أعداء الله من هؤلاء الظلمة. فإذا لبسه إنسان بعنوان التشبه بأولئك، دخل في ما جاء من الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ أَنْ قُلْ لِقَوْمِكَ: لا تَلْبَسُوا مَلابِسَ أَعْدَائِي، وَلا تَطْعَمُوا مَطَاعِمَ أَعْدَائِي، وَلا تَسْلُكُوا مَسَالِكَ أَعْدَائِي، فَتَكُونُوا أَعْدَائِي كَمَا هُمْ أَعْدَائِي».
فصار التزيي باللباس الأسود في ذلك الزمان (بدءاً من أيام العباسيين) بعنوان التشبه بهؤلاء الظلمة محظوراً وممنوعاً، وقد أُشير إليه في أحاديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه من لباس أهل النار (يعني هؤلاء الظلمة وهؤلاء الطواغيت).
بل قد يُصار إلى رواية سبقت ذلك في أيام نبينا المصطفى محمد:
من أنه نزل عليه جبرائيل وكان لابساً لباساً أسود وفي وسطه منطقة فيها خنجر، فقال له: «ما هذا؟»، فقال له: «هذا لباس ولد عمك العباس»، فقال: «وَيْلٌ لِوُلْدِي مِنْ وُلْدِ العَبَّاسِ» في قضية ذكرناها في ليلة مضت.
لعل هذه النظرة التاريخية -وقد شرحناها بشكل أكثر تفصيلاً من هذا المقدار- لعلها تعطي إشارة أو جهة إلى روايات أن هذا اللباس لباس أهل النار، وأنه لباس فرعون، وأنه مرهوب عنه وما شابه ذلك.
لبس السواد في العرف العربي والمجتمعات
أما بغض النظر عن هذا الأمر، فهل إن لباس السواد فيه مشكلة أم لا؟
لا شك ولا ريب أن المجتمع العربي قبل الإسلام وبعد الإسلام كان يعبر عن حزنه بلبس السواد حتى قبل الإسلام. وأساساً المجتمعات لها مناسبات معينة تعبر فيها عن أفراحها وأحزانها بملابس ومناسبات وأيام وما شابه ذلك:
- فمثلاً في بعض المجتمعات كالمجتمع الهندوسي في الهند يعبرون عن الحزن بلبس الثوب الأبيض في الجنائز وما شابه ذلك؛ يلبسون البياض تعبيراً عن حزنهم على فقيدهم وميتهم زاعمين مثلاً أن البياض هو علامة الصفاء والنقاء وما شابه ذلك، وأنه يُرجى له أن يكون في منازل عالية وإلى غير ذلك. البياض في مثل الهندوسية هذا موجود كجزء من ثقافتهم وجزء من ديانتهم وموروثهم.
- في بعض البلاد الأفريقية مثلاً الحمرة هي تعبير عن الحزن؛ قد ترى في بعض البلاد الأفريقية (واشتهر بذلك مثلاً غانا وغيرها) في جنائزهم ومناسباتهم يلبسون الأحمر المدرج أو الأحمر الممزوج بشيء خفيف من السواد، لماذا؟ كأنما مثلاً يقولون هذه مصيبتهم جمرية وحارة مثل الدم، فهذا تعبير منهم عن أحزانهم.
- في المجتمع العربي كان السواد حتى قبل الإسلام علامة من علامات الحزن، وإن كان يُلبس السواد في أوقات أخرى مختلفة.
الحكم الفقهي للباس الأسود والكراهة العبادية
بعد مجيء الإسلام، نحن نلاحظ أن هناك روايات منها ما هو فيه إشعار بالكراهة في لباس الأسود، أنه يُكره للإنسان المسلم أن يلبس السواد ولا سيما في موضوع الصلاة، واستثنى رسول الله (كما ورد في الخبر وأيضاً عن الإمام الصادق)، واستُثني من ذلك: الخف، الكساء، والعمامة؛ فإنها لا تُكره في الصلاة.
وبشكل عام استفاد بعض الفقهاء من الروايات المشيرة إلى أن هذا الأسود والسواد لباس فرعون ولباس أهل النار أن فيه كراهة في الصلاة. وتعلمون أن الكراهة في الأمور العبادية ليست كالكراهة في سائر الأمور التي تركها أفضل، وإنما بمعنى أظلية أو "أقلية الثواب". فإذا قيل مثلاً: «يُكره الصلاة في الثوب الأسود»، فحينئذٍ معنى ذلك أن ثواب الصلاة فيه أقل من ثوابها في غيره لا أنه تعال اتركه أصلاً.
يكره الصلاة مثلاً وأمامك بيت النار موقد (على سبيل المثال)، ليس معنى ذلك اترك الصلاة نهائياً وإنما يقول لك الأفضل لك أن تتجه إلى مكان آخر، هذا أقل ثواباً أن تصلي وأمامك مثلاً موقد أو أمامك دفاية حطب وما شابه ذلك؛ فالكراهة هي بهذا المعنى.
في المقابل وجدنا روايات ذكرنا بعضها في ليلة مضت؛ أن الإمام الصادق يأتي بكلام أشبه بقاعدة عامة، فإن جماعة على إثر وجود كلام وسؤال وجواب في موضوع لبس السواد صمموا على أن يذهبوا للسؤال عن هذه المسألة من الإمام الصادق (عليه السلام) ويرون ماذا يقول لهم.
يقول: فذهبنا إليه فإذا هو جالس قد لبس قلنسوة سوداء (قلنسوة مثل الطاقية)، ولبس خفاً أسود، ولبس جبة أو كساءً أسود (يعني هذه الملابس سواء الجبة مثل هذه أو الكساء مثل العباءة، بالإضافة إلى الخف الذي هو شيء بين الحذاء وبين الجورب كانوا يستخدمونه ولا سيما في أيام الشتاء والبرد لتدفئة أقدامهم ويبطن ببطانة أيضاً يعني ليس فقط مجرد قماش). ولما جلسوا سألوه، فأخرج لهم حتى قطن ذلك الخف كان أسود؛ من الخارج أسود ومن الداخل أسود! فحصلوا على الجواب بما معناه أننا أردنا أن نسألك يجوز أم لا يجوز، وأنت جالس في السواد كله! فسألوه أيضاً عن ذلك فقال: «بَيِّضْ قَلْبَكَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ»؛ يعني إذا كان قلبك نظيفاً في عقائده وفي أخلاقه، فأنت لست محاسباً على أن تلبس الأسود وما شابه ذلك.
وغير هذا من الروايات التي تشير إلى أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والمعصومين قد لبسوا السواد حتى في الحالات العادية؛ فإن نبينا المصطفى محمد:
قد دخل مكة فاتحاً وكانت عمامته سوداء، وأن الإمام الحسن المجتبى خطب في الناس بعد والده وعليه عمامة سوداء، وأن الإمام الحسين (عليه السلام) يوم استشهد في كربلاء كان عليه عباءة خز دكناء (دكناء: سواد كما قلنا في ليلة سابقة، ليس سواداً صافياً وقوياً ولكن سواد قد يكون مثلما نقول الآن سواداً عليه غبار)، فشهادته (صلوات الله وسلامه عليه) في وقت شهادته كان لابساً اللون الأسود، والإمام السجاد رُؤي وقد لبس الأسود، وذكرنا عن الإمام الصادق (عليه السلام) قبل قليل أنهم دخلوا عليه ورأوه بهذه الصورة.
هنا جاء العلماء وكان لهم اتجاهان في هذه المسألة:
الاتجاه الأول (المشهور):
ولعله يراه المشهور؛ أن الصلاة في الأسود مكروهة بهذا المعنى، وإلا بالنسبة إلى العمامة، وبالنسبة إلى الخف، وبالنسبة إلى الكساء (الذي هو يساوي العباءة)، هذا قسم من العلماء جمعوا بين الروايات التي تقول إنه لباس فرعون ولباس أهل النار وكذا، وبين أن النبي (صلى الله عليه وآله) استثنى هذه الأعداد وهذه العناوين (خف، كساء، وعمامة أو قلنسوة). وبالتالي جعلوا الأصل أنه ليس فيه استحباب لبس السواد لا سيما في الصلاة، ولكن يُستثنى من ذلك هذه الأمور. هذا قسم من العلماء كان عندهم هذا الاتجاه.
الاتجاه الثاني:
قسم آخر نظروا إلى أنه أساساً ما ورد من الروايات التي تنهى عن لبس السواد وتستكرهه وتصفه بأنه لباس أهل النار، هي ناظرة إلى مرحلة زمانية معينة وناظرة إلى جهة؛ وهي أن هذا اللباس كان في زمان العباسيين شعاراً لهم وكانوا إلى درجة يجبرون الناس عليه وقد ذكرنا بعض الأمثلة في ليلة مضت. فإذا كان الأمر هكذا، فإنما يكون لباس هؤلاء الظلمة، هؤلاء الفراعنة، هؤلاء الذين هم من أهل النار؛ فإذا لبسه الإنسان متشبهاً بهم ومؤيداً لهم كان ذلك اللباس مذموماً عموماً؛ لماذا؟ لأن فيه تأييداً للباطل وهذا تشبه، والحديث يقول: «لا تلبسوا ملابس أعدائي». فلما يلبس الشخص هذه الملابس في ذلك الزمان ضمن تلك الظروف ويكون قصده التشبه بهم، فهذا أمر محذور ومحظور.
وأما إذا لم يكن كذلك؛ كأن يتغير الزمان، كأن يكون لباسه لا على سبيل التشبه (حتى بعض الأئمة ومنهم الإمام الصادق الذي عاش زمان العباسيين مع ذلك كان يلبس السواد لكن من غير تشبه بهم). فإذا كان الأمر كذلك فلا محذور فيه، وإن كان بالنظر إلى هذه الروايات ربما في موضوع الصلاة لا يحبذونه إلا فيما أُستثني.
لكن بعض هؤلاء العلماء يقولون: ليس عندنا شيء (حسب التعبير) موقف شرعي مضاد للون السواد بما هو سواد، وإنما لارتباط هذا اللون في زمان معين وفترة معينة بالظالمين والفسقة من بني العباس؛ فلا ينبغي لباسه حتى لا يصبح نوعاً من أنواع التأييد لهم.
لبس السواد في العزاء الحسيني كشعيرة إسلامية
وأما إذا كان عكس ذلك؛ كأن يكون هذا اللباس لإعلان الحزن على سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، فيكون ليس فقط جائزاً وليس فقط غير مكروه، وإنما يكون مستحباً؛ لماذا؟ لدخوله في تعظيم شعائر الله عز وجل. كل شيء يعظم عنوان الحسين (عليه السلام) وشعائر الحسين (عليه السلام)، يعلم الناس ويعلن قضية الإمام (عليه السلام) فحينئذٍ سيكون هذا الأمر ممدوحاً ومطلوباً باعتبار هذه الجهة، وهي جهة دخوله في تعظيم شعائر الله عز وجل ومنها قضية الحسين (سلام الله عليه).
وهذا الأمر الثالث هو الذي استقر عليه العلماء؛ سواء قلنا بأن في الأساس اللون الأسود مكروه ومرغوب عنه ويُستثنى منه ما كان في قضية الحسين والتشبه بشعار المحزونين أيام محرم، بل وسع بعضهم الدائرة وسائر المعصومين (عليهم السلام)؛ لأنه سينطبق عليه عنوان: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
كل شيء يؤدي إلى إظهار قضية الإمام الحسين والاعلان عنها -وذكرنا في ليلة مضت كيف أن لباس السواد هو إعلام بحد ذاته؛ عندما مثلاً الناس يرون في الحالة العادية كل الناس ملابسهم عادية بألوان مختلفة، وإذا مرة واحدة مع حلول أيام محرم انقلب المجتمع الشيعي كلياً أو أكثره إلى قضية السواد ولبس الأحزان، فهذا يدعو حتى إلى تساؤل الآخرين: ماذا حدث؟ فيكون ذلك سبباً في الإعلان عن قضية الحسين عليه السلام، ويبين ارتباط هؤلاء وحزنهم على هذه المصيبة والمأساة التي ارتُكبت بحق الحسين عليه السلام-.
فإذاً هناك الاتجاه الأول: أن السواد مرغوب عنه وخصوصاً في الصلاة إلا استثناء العمامة وبضمنها القلنسوة والعباءة والخف، وهذه روايات أن رسول الله قد استثنى ذلك والإمام الصادق أيضاً قال نفس الكلام، فهذا توجه إلا إذا كان ذلك اللبس على سبيل التحزن وإعلام بمصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) فإنه ليس فقط غير مكروه ولا فقط مباح، بل يدخل في إطار الاستحباب الناتج من تطبيقه على تعظيم شعائر الله عز وجل. كل شيء يؤدي إلى تعظيم شعائر الله ومنها اسم الحسين وذكر الحسين ومصيبة الحسين، فإن هذا يكون من تقوى القلوب ويكون ممدوحاً ومرغوباً فيه.
التوجه الآخر يقول لك: لا، في الأساس نحن ليس عندنا شيء يدل على كراهة اللون الأسود حتى نحتاج إلى استثناء أشياء منه، ما جاء من الروايات في ذم السواد وكراهته إنما هو ناظر إلى حقبة معينة وفترة معينة وحالة معينة؛ وهي حالة التشبه ببني العباس الذين ظلموا أهل البيت وكان هذا شعاراً لهم وكان هذا عنواناً لهم. فإذاً ليس عندنا شيء يدل على أن اللون الأسود بشكل مطلق فيه كراهة حتى نحتاج إلى أن تستثني منه في الصلاة كذا وكذا، ونستثني منه أيضاً في الحالة العامة ما يرتبط بقضايا الحسين واللباس المعلن بالحزن على أبي عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).
بل يؤيد هؤلاء كلامهم بأمور أخرى؛ مثل رواية عمر الأشرف بن زين العابدين (عليه السلام) التي نقلناها، وهي عادة يُستدل بها على هذا المعنى: أنه لما قُتل الإمام الحسين (عليه السلام) لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح وكن لا يشتكين من حر ولا من برد، وكان علي بن الحسين يعمل الطعام لهن للمأتم.
وفي هذه الرواية جهات كثيرة:
- أولاً: أن نساء بني هاشم يشمل أيضاً مثل زينب وأمثالها؛ اللاتي هن في العلم والمعرفة بما لا يخفى عليهن، فلو كان السواد غير مرغوب فيه لما كانت تلبسه، وهكذا بالنسبة إلى نساء بني هاشم الأخريات مثل زوجات الإمام الحسين (عليه السلام) وسائر الأخوات؛ فهذا يُفترض فيه أنهن بهذا المقدار من المعرفة ولا سيما من قبل العقيلة زينب؛ يعرفن ما هو مكروه وما هو محبذ وما هو جائز وما هو غير جائز، ولو كان فيه كراهة لم يكن ليأتين ويلبسن هذا.
- ثانياً: أنهن كن تحت مرأى ومنظر الإمام السجاد ولا سيما وهو يعمل لهن الطعام. أساساً الحالة العادية أن الإمام السجاد (عليه السلام) لما كان هو إمام الوقت، فإن إشرافه على هؤلاء النساء إشراف مباشر، وطاعتهن له طاعة مؤكدة، وبالتالي هن في مكان واحد أو مكان متقارب؛ فكان خصوصاً مع عمله الطعام لهن يعرف أحوالهن ولباسهن، فلو كان في ذلك كراهة ومخالفة شرعية لكان الإمام السجاد (عليه السلام) يلفت النظر ويوجه في مثل هذا الأمر إلى ترك هذا، بينما لم يفعل ذلك. فهو إمضاء عملي من قبل الإمام السجاد (عليه السلام) لعملهن؛ فالإمام السجاد ليس مثلي وأمثالي إذا رأى شيئاً -لا سيما في دائرة عماته وأخواته- على غير الوجه الشرعي فسوف ينبه ويقول ويرشد ويبين، ولم ينهَ الإمام السجاد عن ذلك بل كان يعمل لهن الطعام.
- ثالثاً: وهذه جهة ثالثة في هذه الرواية؛ تشير إلى استحباب عمل الطعام في مأتم الحسين (سلام الله عليه) حيث إنها سيرة الإمام السجاد (عليه السلام).
وهناك أمر آخر نقله ابن قولويه في كتابه (كامل الزيارات) -ونحن تحدثنا عن الكتاب والكاتب في العشرة الثانية وعن أهمية الكتاب وأهمية المؤلف ابن قولويه وأن العلماء يعتمدون على هذا الكتاب ويعتمدون على هذا المؤلف-؛ يقول في رواية أنه لما كان من الحسين ما كان واستُشهد الإمام (سلام الله عليه)، نزل ملك من ملائكة الله من السماء ووقف على البحر فنادى في ملائكة البحار وصاح: «أَنْ اِلْبَسُوا ثَوْبَ الحُزْنِ فَإِنَّ فَرْخَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مَذْبُوحٌ»، فأعلن ملائكة البحار الحزن. ومع ارتباط لباس الحزن مع السواد -كما هو في البيئة العربية- قد يستفيد البعض من ذلك أن هذا فيه نوع من الإشارة إلى عدم كراهية لبس السواد وأن يلبس الإنسان ما يدل على الحزن (وهو في البيئة العربية لبس السواد)، والسبب في ذلك بعنوان أن فرخ رسول الله، ابن رسول الله، سبط رسول الله مذبوح (صلوات الله وسلامه عليه).
خلاصة المسألة وشبهة العمامة السوداء
فإذاً تلخص لنا أنه على كلا المسلكين:
- سواء قلنا إن هناك كراهة في لباس السواد واستُثني منها مستثنيات؛ من المستثنيات ما كان في حال الصلاة من لباس الخف ولباس الكساء (العباءة) ولباس العمامة. (الآن مثلاً هناك بعض الناس قد لا يلتفت إلى هذا المعنى، ورأيت ذات مرة أن أحدهم يعترض على العلماء كيف يصلون في عمامة سوداء؟ السادة بالتالي شعارهم يلبسون العمامة السوداء، كيف تلبسون العمامة السوداء والحال أن هناك أحاديث تنهى عنها؟! مثل هؤلاء يحتاجون إلى مطالعة أكثر في الروايات وأن من جملة المستثنيات حتى لو قلنا بكراهة السواد في الصلاة فإنه قد أُستثني فيها مثل هذه العناوين. وقد ذكر ذلك صريحاً المحدث البحراني الشيخ يوسف رضوان الله تعالى عليه في كتابه الحدائق الناضرة، والعلماء من بعده فتاواهم على هذا الأساس؛ يعني حتى لو قلنا بكراهة لبس السواد في الصلاة فإنه يُستثنى منه هذه الأمور).
- ومن المستثنيات أيضاً ما كان بعنوان الحزن على أبي عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)؛ فإنه ليس فقط غير مكروه وليس فقط مباحاً، وإنما هو مستحب باعتبار هذا العنوان الخاص الموجود في هذا الجانب.
أما على المسلك الثاني الذي يراه بعض العلماء من أنه أساساً ليس عندنا كراهة في لبس الثوب الأسود لا في الصلاة ولا في غيرها؛ لأن الروايات الوارده في ذم ذلك ناظرة إلى بني العباس وإلى جهة خاصة وبعنوان التشبه بهم، وأما إذا لبسه الإنسان لا على ذلك النحو فلا مشكلة في ذلك ولا محذور.
وعلى كل حال حتى على هذا المسلك الثاني سينطبق عليه عنوان تعظيم شعائر الله والإعلام والاعلان عن قضية الحسين (عليه السلام) وهي أمر راجح ومستحب. وبالتالي التسويد لباساً في أيام محرم ليس فقط غير مكروه وليس فقط مباحاً، وإنما هو فوق ذلك مستحب، وجرت عليه سيرة العلماء والفقهاء والمتشرعة قديماً وحديثاً. نحن نرى مراجع التقليد ممن عاصرناهم وعاصرتموهم ونُقل عمن لم نعاصرهم؛ أن بعضهم كان يلتزم بالسواد طيلة شهري محرم وصفر، وبعضهم كان يقتصر على أيام شهر محرم، وبعضهم على أيام العشرة الأولى. فأساساً وفي اصل القضية سيرة المتشرعة وطريقة العلماء والفقهاء خلال القرون المتمادية كانت على هذا.
الفاجعة ومصائب آل البيت بعد عاشوراء
وحق الحسين (عليه السلام) وأهل بيته أن يُصنع بهم هذا الأمر، فإن هذا العظيم أعطى الذي ملكت يداه لِإلهه حتى الجنين فداه كل جنين، وبعزة قعساء خاطب نفسه:
يَا نَفْسُ لا تَهِنِي بِنَصْرِ الدِّينِ
هَذِهِ رِجَالِي فِي رِضَاكَ ذَبَائِحٌ ... مَا بَيْنَ مَنْحُورٍ وَبَيْنَ طَعِينِ
رَأْسِي وَرَأْسُ إِخْوَتِي مَعَ نِسْوَتِي ... تُهْدَى لِرِجْسٍ فِي الضَّلالِ مُبِينِ
ليس فقط قتلوا الحسين (عليه السلام)، بل والله قتلونا بقتل الحسين! جرحوا قلوبنا بذلك السهم المثلث الذي فتك بأحشاء الحسين، ولذلك ترى هذا الألم لا يزال مستمراً وهذه الدموع لا تزال مستمرة. متى تخلص هذه الدموع؟ متى يهدا هذا القلب؟ لكن الشاعر أجاب على ذلك:
تَبْكِيكَ عَيْنِي لا لأَجْلِ مَثُوبَةٍ ... لَكِنَّمَا عَيْنِي لأَجْلِكَ بَاكِيَةْ
ماذا حدث؟ يقول:
تَبْتَلُّ مِنْكُمُ كَرْبَلاءُ بِدَمٍ ... وَلا تَبْتَلُّ مِنِّي بِالدُّمُوعِ الجَارِيَةْ؟
أنتم بللتم تراب كربلاء بالدماء الزاكية، أفيحرم علي أن أبلل ثرى كربلاء بدموعي الجارية؟! وهذا الذي عليه سيرة شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، فطوبى لهم وهنيئاً لهم هذه العلاقة.
ويا ليت القضية وقفت عند قضية كربلاء ويوم عاشر وانتهى كل شيء، لا! الفصل الثاني كان أشد إيلاماً وأصعب منظراً على أئمة الهدى (عليهم السلام)؛ لذلك تجد في الزيارة الناحية يسلم: «السَّلامُ عَلَى النِّسَاءِ البَارِزَاتِ، تَلْسَعُهَا أَشِعَّةُ الهَاجِرَاتِ».
النساء في الطرقات وفي البيداء... تتصور الآن في مثل هذه الأيام سفراً على مثل الجمال مع هذه الشمس المحرقة؛ ونساء (بأبي وأمي) وأطفال وطفلات كيف سيكون حالهن؟! وهكذا حتى وصلوا من كربلاء إلى الكوفة بتلك المأساة وبتلك الصورة الفظيعة، فاستقبلهم هؤلاء الأجلاف بالتفرج عليهن، فزاد الألم ألماً وزاد الحزن حزناً. هؤلاء عائلة رسول الله، بنات رسول الله، أطفال ينتسبون إلى رسول الله وأنتم تصنعون بهم هكذا؟!
إلى هذه الدرجة التي بعضهم عندما رأى الأطفال جوعى وعطاشى، قاموا بتقديم شيء من التمر والجوز لهن! فتصور نساء وأطفال غريبات وفقيرات بينما هن أساس البركة والخير على هذه الأمة! فلما رأت زينب (عليها السلام) هذا المنظر نادت: «يا أهل الكوفة، لا تعطوا الأطفال التمر والجوز؛ ترى هذه بمثابة الصدقة فيها ذلة وفيها إهانة! نحن ترى نحن أساس الخير والبركة، نحن أساس النعم عليكم»:
تِتْصَدَّقْ الوَادِمْ عَلَيْنَا وَعَطَايَا الخَلْقْ ... كِلْهَا مِنْ إِيدِينَا
مَا خَابْ ظَنَّ عَتْنِي يَظَلّ كِلّ سَنَه يِرُوحْ وَيِجِينَا
حَسَافَه الدَّهْر هَالْخَان وَلِينَا ... نِذْبَح وَحْنَا انْسِبِينَا
وَلا طَارِشْ اللِّي يِصِلْ المِدِينَه ... يِخْبِرْ لِي يِخْبِرْ لِي بِالمَرّ عَلَيْنَا
أه، كأنكم يا أهل الكوفة لا تدربون بنا آل الرسول وحيدر الكرار؟! تدربون بنا من عشيرة وعزوة وأمجاد، صباحاً ومساءً لا تنقطع من الوفاء، وتتصدقون على اليتامى بفضول الزاد؟! يا ليت فاعل هذا الفعل تُقطع يمينه!
بَسّ يَا أَهْلِ الكُوفَه عَلَيْنَا مِنْ الشَّمَاتَه
وَنَزِّلُوا بَعْد هَالرَّأْس مِنْ عَالِي قَنَاتَه
فُوقْ الرَّمَحْ مَشْهُورْ وَيِعَايِنْ بَنَاتَه
أَطْفَالْ كِلِّ مَنْ دَمْعَتُه تِجْرِي بِعَيْنِه
هَذِي يَتَامَاكُمْ تَلُوذُ بِبَعْضِهَا ... وَلَكُمْ نِسَاءٌ تَلْتَجِي بِنِسَائِي