ما لا يصح من سيرة النبي: كفر آبائه
بسم الله الرحمن الرحيم
قال سيدنا ومولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: « تَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلَى مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله)، فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتا، وَأَعَزِّ الاْرُومَاتِ مَغْرِساً، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ. عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ، وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الاْسَرِ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ ». صدق سيدنا ومولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.
مقدمة في أهمية السيرة النبوية وتمحيصها
نتحدث في هذه الليالي بإذن الله تعالى عن بعض ما لا يصح من سيرة تنسب للنبي صلى الله عليه وآله ولا يرضاها شيعة أهل البيت. ما لا يصح من السيرة المذكورة لرسول الله صلى الله عليه وآله سيكون إن شاء الله محور حديثنا في هذه الليالي.
لابد أن نقدم ببعض المقدمات؛ إن من الواضح أن سيرة النبي صلى الله عليه وآله طريق لمعرفته وطريق للاقتداء به، كما أمر الله عز وجل فقال: " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ". لكي يمكن التأسي برسول الله لابد من معرفة سيرته، ماذا كان يصنع؟ ما هي أخلاقه؟ كيف كان يتعامل مع الناس؟ كيف كان يحارب؟ كيف كان يدعو؟ إلى غير ذلك. فطريق الاقتداء والتاسي برسول الله يرتبط بسيرته.
غير أن هذه السيرة نقلت بأشكال مختلفة؛ فيها ما هو الصحيح، وفيها ما هو المعلوم خطؤه، وفيها ما هو يحتاج إلى تحقيق وتدقيق. فلا يستطيع الإنسان المسلم أن يفتح أي كتاب بعنوان (سيرة النبي) أو (السيرة النبوية) لكي يطبق ما جاء فيها على أنه هكذا كان رسول الله؛ وإنما يوجد هناك سيرة معلوم خطؤها، وسيرة معلوم صحتها، وسيرة تحتاج إلى معرفة الصحيح منها وغير الصحيح.
نحن في هذه الليالي سوف نركز على ما هو غير الصحيح ونشير إليه لكي نقول ما عدا هذا يفترض أنه صحيح ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك. لسنا هنا أيضاً -وهذه مقدمة ثانية- في مقام المناكفة مع المدرسة الأخرى ولا في بيان أخطاء مؤلفيها، وإنما نحن في مقام بيان تنزيه رسول الله صلى الله عليه وآله عما نسب إليه من السير الباطلة، في مقام بيان الوجه الحق الذي نعتقده كشيعة لأهل البيت عليهم السلام بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.
ولأن تعين بعض الأخطاء وتقول الباقي يفترض أنه صحيح، هذا أسهل من أن تذهب وتشرح كل ما هو صحيح؛ لأن الأمر يطول جداً ولا يمكن في ليال خمس أن يتعرض الإنسان إلى سيرة النبي الصحيحة، فقد ألف فيها بعض علمائنا -المرحوم المحقق السيد مرتضى العاملي- ما يزيد عن ٤٠ مجلداً! كيف تقدر أن تبحثها في خمس ليال؟ ومثله أيضاً صنع الشيخ العلامة الشيخ محمد هادي اليوسفي، حيث تعرض في كتابه (موسوعه التاريخ الإسلامي) في أجزاء عديدة منه إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله.
سوف نتناول بعض الأخطاء التي وقع فيها مؤلفو المدرسة الأخرى (مدرسة الخلفاء) ونبين أوجه الخطا فيها لكي نثبت الصورة القدسية لسيد الأنبياء محمد.
المبحث الأول: إيمان آباء النبي صلى الله عليه وآله
من أول المباحث التي تذكر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله مبحث إيمان والديه بل آبائه، أو الطرف الآخر لهذه القضية: هل كان أبواه غير مؤمنين أو لا؟
قطبة الشيعة الإمامية وكثير من علماء مدرسة الخلفاء يلتزمون بأن آباء النبي وأجداده إلى إبراهيم كانوا على التوحيد وكانوا على الطهارة. بينما ذهب المشهور في مدرسة الخلفاء -اعتماداً على ما ورد في بعض رواياتهم في الصحاح وفي مسند أحمد- إلى القول بأن والدي النبي المباشرين (يعني عبد الله عليه السلام وآمنة عليها السلام) لم يكونا مؤمنين.
فمثلاً فيما يرتبط بوالد رسول الله صلى الله عليه وآله عندهم هذا الحديث الذي يصفونه بأنه صحيح، كما ورد في سنن أبي داود، أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأل عن أبيه: أبوي وين الآن، شنو وضعه؟ فقال: " إن أباك في النار " باعتبار أنه كان في الجاهلية. فكانما هذا السائل تأذى وانصرف، فاستدعاه كما يقولون النبي واسترجعه، قال له: " إن أبي وأباك في النار "، يعني لا تزعل! يتمسكون بهذا الحديث ويرونه في كثير من مصادرهم كشاهد على أن والد النبي عبد الله لم يكن مؤمناً وإلا لما كان في النار.
ويذكرون بالنسبة إلى والدة رسول الله (آمنة بنت وهب) أنه النبي استأذن الله أن يزور قبرها فأذن له، واستأذنه أن يستغفر لها فنهاه عن الاستغفار؛ لأن المشرك في رأيهم لا يستغفر له.
هذا ما يذكرونه في حال عبد الله والد النبي وآمنة والدة النبي صلى الله عليه وآله. طبعا هذا ليس الكل، وإلا فإن من أهل السنه من ألف رسائل متعددة، كالسيوطي (جلال الدين السيوطي)، وهو واحد من كبار علماء مدرسة الخلفاء، ألف قرابة أربع رسائل في الاستدلال على إيمان والدي النبي صلى الله عليه وآله. لكن هذا يصفونه بالتساهل! الطرف الآخر غالبية علماء المدرسة الأخرى رأيهم هو ذلك الرأي الموجود في هذه الأحاديث، ووصفوا السيوطي الذي دافع دفاعاً مستميتاً في أربع رسائل واستدل على إيمان أبوي النبي بأدلة كثيرة، يصفونه بأنه متساهل!
وأما وصفهم للشيعه فبعد واضح، باعتبار أن الشيعة يعتقدون مو بس أن النبي والديه المباشرين كانا مؤمنين، وإنما إلى إبراهيم كانوا أي الاباء على دين الله، على التوحيد، وانه كان على الطهر والنزاهة من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام المطهرَة. وهذا اللي نقراه مثلاً في زيارة الإمام الحسين عليه السلام، هو هذا: " ولم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها ". هذا يقتضي نفس ما عليه شيعة أهل البيت، أن كل هذه السلسله مهما تعالت كانت على غير الجاهلية، وإنما هي على طريق التوحيد.
الأدلة على طهارة وتوحيد آباء النبي صلى الله عليه وآله
أما بالنسبة إلى هذه الكلمات التي ذكروها، فقد رد عليها بأمور متعدده نشير إلى بعض هذه الأمور:
١. حديث تنقل النبي في الأصلاب والأرحام الطاهرة
فأول ما يمكن أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وآله روي عنه قوله: " لم يزل الله تعالى ينقلني من أصلاب المطهرين إلى أرحام المطهرات ". انت لو تتامل في هذا الكلام وتضيف إليه ما ورد في كتاب الله العزيز: " إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ". كما عليه علماء اللغة، كأنما (نجس) مصدر مثل ما تقول: فلان عادل وفلان عدل. لما تقول: فلان عدل، يعني هذا بعد اجتاز مراحل العدالة وكأنما كل العدل تلخص فيه. لما تقول: هذا نجس، يعني كأنما نجاسة علقت به. أما تقول: (نجس) يعني كأنما عين النجاسة في هذا المكان! كيف يجتمع أن الله عز وجل يقول: " إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ " (يعني عين النجاسة، عين القذارة)، كيف يجتمع هذا مع ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله: " لم يزل الله عز وجل ينقلني من أصلاب المطهرين إلى أرحام الطاهرات" لم يلتقي أبواي على سفاح قط ؟ هذه السلسلة كانت مطهرة من حيث النكاح والسفاح، وكانت أيضاً منزهة عن الشرك؛ لأن الشرك قذارة ونجاسة معنوية.
تشوف مثلاً التأكيد في زيارات الإامم الحسين عليه السلام، ترى الزيارات هي منابع معرفية. في زيارة الإمام الحسين عليه السلام نقرا: " أشهد أنك طهر طاهر مطهر من طهر طاهر مطهر، طهرت وطهرت بك البلاد ". هذه الكلمات المروية بأسانيد معتبرة إلى الأئمة تفسد إذا قلنا إن حلقة واحدة في سلسلة رسول الله صلى الله عليه وآله وآبائه كانوا مشركين! لأنه ماكو طهاره؛ كيف انت طهر طاهر مطهر يا حسين من طهر طاهر مطهر؟ معنى ذلك جدك! هذا لا يمكن أن يكون، لابد أن تكون كل السلسلة مطهرة، وهي تعني آباء النبي وأجداده صلوات الله عليه وعليهم.
٢. تفسير آية التقليب في الساجدين
آيات أخر فسرت بهذا المعنى أيضاً؛ في قول الله عز وجل: " وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ". فسروا هذه تفسيراً ظاهرياً وهو أن الله يشوفك وقت اللي أنت تصلي، وأيضاً وقت اللي تكون مع جماعة يصلون معك. لكن هذا المعنى معنى ظاهري بسيط وركيك، لا يناسب هذه المنحة! الذي يراك، أي وصف لله عز وجل في مقام التعظيم في مقام التفخيم يقول له: الله يشوفك سواء كنت في المسجد أو كنت في بيتكم! هذا لا معنى، لابد أن يكون لأجل معرفة جانب التفخيم والتعظيم أن يكون هناك جهة أخرى. (والذي يراك حين تقوم) الآن، بل (وتقلبكَ في الساجدين) في هذه السلسلة الطويلة، هنا يصير المعنى فيه شيء من العظمة.
أما ذاك: (يراك حين تقوم وحين تصلي لجماعة)، حتى زوجته تقدر تسوي هذا، حتى أصحابه يقدرون يشوفونه لما يجي المسجد ويقدرون يشوفونه لما يكون في بيته، أما تقلبك في الساجدين بمعنى انتقالك في هذه الفئة والصنف الذي كان على عباده الله، هذا محل تعظيم يناسب الله عز وجل. أما ذاك، أنس بن مالك -اللي هو روى بعض روايات شرك والدي النبي- هذا هم يقدر يشوف النبي في بيتهم ويقدر يشوفه أيضاً في المسجد، فلا ميزه في هذه الصفه! استدل علماؤنا من خلال هذه الآية ومن خلال روايات فسرت هذه الآية المباركه بهذا المعنى الذي ذكرناه، والذي يشير إلى طهاره آباء النبي وإلى توحيدهم.
٣. دعوات نبي الله إبراهيم عليه السلام
وهكذا ما ورد في دعوات نبي الله إبراهيم على نبينا واله وعليه أفضل الصلاة والسلام، ونحن نعلم أن دعوات الأنبياء الأصل فيها أنها مستجابه، فقد دعا بدعوات تشمل رسول الله صلى الله عليه وآله. فهو يقول في جملة أدعيته: " رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ". نبي الله إبراهيم يدعو الله عز وجل أن يجعله له مع إسماعيل ابنه مسلمين، وأيضاً من ذريتهما، ولا شك أن رسول الله من ذرية إسماعيل وآبائه كذلك، وهم مشمولون بهذا النداء. ومثل ذلك: " رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي " و " رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ "، وأيضاً: "وَجُنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ". أيضاً كذلك يشمل آباء النبي، فضلاً عن معرفة قريش كلها من زمان عبد المطلب أنه كان رأس الحنيفيه وكان يتعبد ويتحنث وعنده مواريث، ولما جاء الإسلام أقر قسما كبيراً من السنن (١٢ سنة من السنن)، بعضها عبادي، مثل: الطواف سبعاً وأن يكون على اليسار، وسنة الختان، ومنع من شرب الخمر، إلى غير ذلك. ١٢ سنة لما جاء النبي صلى الله عليه وآله أقرها وثبتها. قد يكون في التنظيم الاجتماعي واحد يقول عادي، هذا زعيم ولا بد، لكن أمور عبادية، أمور تدخل في صلب الدين! فمو بس عبد المطلب، من فوقه ومن تحته من أبنائه، أترى عبد المطلب يكون كذلك وعبد الله ابنه يكون مشركاً؟ لا يكون ذلك أبداً!
٤. نظام الاصطفاء الإلهي
يضيفون إلى هذا أن طريقه الله عز وجل أنه يجتبي ويصطفي ويختار. مو قضية النبوة مثل شغل من الأشغال؛ واحد وقت الشغل يجي يلبس بزة الشغل، ووقت اللي يخلص يرجع وما لهم شغل أبوه منو وجده منو إلى آخره. لا، نظام الله عز وجل في الأنبياء قائم على أساس أن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض. اصطفاء الشخص نفسه ما ينفع، ليش؟ لأن هذا قد يتأثر بآبائه وراثه وأخلاقاً وسيرة، وهذا مشهود ومعروف عند الناس جميعاً، فضلاً عن أن مثل هذا الأمر حصل بالنسبة إلى سائر الأنبياء. يتحدثون مثلاً عن نبي الله موسى، كما في القرآن الكريم قال مرة: "وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي "، وفي آية أخرى: " وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ". لتصنع على عيني؛ مسيرة آبائك وأجدادك أنا مراقبها، لا يكون فيها تلوث يصل إليك. هذا وهو موسى، وهو لا يصل إلى شأن رسول الله محمد.
قد يقول قائل: إن والد إبراهيم كان مشركاً! وعندنا الإمامية هذا المشرك ليس والد إبراهيم وإنما هو عمه، وهنا نقطة خلاف أيضاً بيننا وبين مدرسة الخلفاء، ولعلماءنا أدلة كثيرة على هذا المعنى.
هذه النقطه الأولى في سيرة رسول الله يجمع الإمامية بل وسائر فرق الشيعة وبعض علماء المدرسة الأخرى كالسيوطي ومن شابه، على أن ليس فقط والدي النبي بل آباؤه الكرام في كل هذه الحلقات كانوا على الطهارة من حيث النكاح والسفاح، وكانوا أيضاً على التوحيد من حيث الديانة والإيمان. هذا إجماع الإمامية وغيرهم من فرق الشيعة وبعض علماء مدرسة الخلفاء. أما الرأي المشهور عند هذه المدرسة (أي مدرسة الخلفاء) فإنهم يقولون بأن النبي والديه لم يكونا مؤمنين، ويستدلون على ذلك ببعض الأحاديث التي نقلت عندهم. ونحن نعتقد -بالإضافة إلى ما سبق الاستدلال عليه- أن موضوع العقائد لا يكفي فيها خبر أنس بن مالك أو خبر فلان؛ العقائد كون النبي كون والد النبي على العقيدة الفلانية هذا يحتاج إلى أخبار متواترة تفيد العلم، يحتاج إلى أن لا يكون هناك دليل على خلافه لا عقلي ولا نقلي، والحال أننا نجد هذا الأمر موجوداً هنا.
المبحث الثاني: فرية شق الصدر وإزالة مضغة الشيطان
نقطة في سيرة النبي نقطة أخرى وننهي بها الكلام ولا نطيل عليكم إن شاء الله. ذكروا في كتبهم -كمسند أحمد وغيره، وسيرة الحلبية فيما بعد في وقت متأخر- بأن النبي صلى الله عليه وآله عندما كان صغيراً أزيلت من قلبه مضغة الشيطان، ويسمون هذا برواية (شق الصدر)! وخلاطتها: أن نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله عندما كان يرتضع في مضارب حليمة السعدية بينما كان مع الأولاد، نزل ملك من السماء فاضجعه كما يقولون وشق صدره، ثم أخرج قلبه وأزال منه علقة دم، قال: هذا نصيب الشيطان، شلناه منه بهذه العملية الجراحية! ويزعمون أن هذا كان سبباً في استرجاع النبي من مضارب قبيلة حليمة السعدية إلى مكة حتى لا يتعرض إلى مثل هذه المشاكل والقضايا.
هذه الرواية التي هي موجودة عندهم، عندنا الإمامية باطلة أصلاً وفصلاً، وقد قام الدليل على خلافها ولا يمكن أن تكون. بل يتقدمون خطوة إلى ذلك ويقولون: هذا كأنه من التراث الجاهلي أو التراث المسيحي.
في التراث الجاهلي في أيام العرب، كما ينقل أبو الفرج الأصفهاني في كتابه (الأغاني)، أن رجلاً كان يسمى أمية بن أبي الصلت، هذا كان حكيماً وكان حليماً، وسبب ذلك أنه كما ينقلون انشق الجدار مر عليه ونزل عليه ملك ونفس الرواية، أضجعه وأخرج قلبه وشال منه وأزال تلك العلقة وقال: أزلنا منه نصيب الشيطان! هذا قبل الإسلام تنقل هذه الكلمة وهذه القصة. وتدرون في نقولات المجتمعات أحياناً الأقاصيص والسوالف حسب التعبير، التي تصير عادة في السهرات وجلسات السمر وما شابه ذلك، كثير منها لا يتمتع بأي ميزة من الصدق، أحياناً من أجل تقضية الوقت وقد يكون هذا من ذاك! والا من هو هذا أمية بن أبي الصلت الذي ينزل عليه ملك من السماء ويسوي هذا؟
إضافة إلى ما سياتي القول: متى كان نصيب الشيطان عبارة عن غدة أو عبارة عن علقة موجودة في قلب الإنسان بحيث إذا سوى عملية جراحية فيها وأزالها انتهى الموضوع؟ هذه أفضل طريقة للمصلحين وللأنبياء وكذا أنه تعالوا دخلوهم في مستشفى واحد وراء الثاني وأزيلوا منهم نصيب الشيطان وهالعلقة هذه! ونفس الكلام لعل المسيحيين بعض الأحبار منهم يريدون أن يستفيدوا من هذا المعنى، فاختلقت هذه القصة؛ ليش؟ لأنهم يقولون: إن كل ابن آدم عند المسيحيين هكذا، كل ابن آدم فيه نصيب من الشيطان قد غمزه بإصبعه إلا عيسى بن مريم الذي خلق من دون نصيب الشيطان! فلما تجي أنت تشوف رواية هكذا تقول: هذا النبي خلق معه نصيب الشيطان، بينما عيسى بن مريم خلق من دون نصيب الشيطان! أيهما المفروض أن يكون أفضل؟ من الطبيعي أن يكون عيسى بن مريم؛ لأنه هذا خلق صافي، مطهرا من أصل خلقته، وهذا نبيكم سووا له عمليه يا الله صار وإزالة الشيطان منه صار آدمي وصار مؤهل لهذا! هذه القصة قصة مختلقه لا صحة لها.
على أنه لم ترد في مصادر معقولة، ولا تتفق أيضاً مع ما ورد من سبب استعادة نبينا إلى مكه المكرمه؛ لأنهم ينقلون أنه بينما النبي كان عمره ثلاث سنوات صارت هذه الحادثة، رجوع النبي إلى مكة هم يقولون إنها في السنة الخامسة من عمره! وين هذا من ذاك الوقت إلى هنا؟
هذا واحد. ثانياً: متى كانت كما قلنا نزغات الشيطان، تسويلات الشيطان، نصيب الشيطان في الإنسان؟ أي انسان يكون متى كان في داخل بدنه معلق بقلبه؟ إنما هو يزين للناس، يوسوس لهم، يحسين لهم الشر، يقبح لهم الخير، يوسوس، لا أن هناك شيئاً في داخل البدن حتى يقال مثلاً إنه كان في نبي وأزيل في ذلك! البعض منهم بالغ في الأمر قال: مو مرة واحدة، أربع مرات! وقت كان عند حليمة السعدية، مرة أخرى لما صعد إلى الإسراء والمعراج (بعد نبوته أيضاً هذا صار)، وفي مواضع أخرى أيضاً، فأربع مرات ليش؟ غيابه يسوون إلى الشكل؟ قالوا لتشريفي؛ حتى الله سبحانه وتعالى شنو يصفيه من شوائب الشيطان! ماكو طريقه لتصفيه من شوائب الشيطان غير هذه؟ أنتم تعتقدون أنه معصوم؟ ما تعتقدون الباقين معصومين؟ صحيح، ولكن النبي عند الجميع معصوم، فلا ينبغي أن يكون للشيطان فيه نصيب ولا مدخلية.
والعجيب أن بعضهم فسر آية: " أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ " بهذه الحادثة! شلون ألم نشرح لك صدرك عملية تشريح؟ لو أنه لا، بقرينه السياق: " وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا "، هذه الأمور امور معنوية، مثل ما تقول: فلان منشرح الصدر؛ منشرح الصدر، صدر (يعني مسوي له عملية فتح قلب مفتوح)؟ وإنما المقصود أنه أصبح مسروراً، مستوعباً للأمور. وهكذا هذه المسألة الثانية أيضاً عند المدرسة الأخرى (مدرسة الخلفاء) كانها من الثوابت عندهم، وعدوها بزعمهم فضيلة للنبي، وبعضهم قال إنها تكررت أربع مرات، ولكن لا صحة لهذا الأمر أبداً.
خاتمة في شجرة الاصطفاء وأجر المودة
وإنما رسول الله صلى الله عليه وآله في اعتقادنا كان مصطفىً مجتبىً، كما يقول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام. يقول -حتى بعد ما تكلم عن الأنبياء في خطبة من خطبه-: " حتى أفاضت كرامة الله لمحمد "، فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً، وأعز الأرومات مغرساً. أرومة (يعني نسب وسلسلة أسرية متعالية) وأعز الأرومات مغرساً، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه وانتخب منها أمناءه.
أكو هناك شجره ممتده؛ هذه الشجرة شجرة التوحيد، شجرة الاصطفاء، شجرة الأنبياء، شجرة الأوصياء. وهذه محاطة بعناية الله عز وجل منذ البدايات إلى أن أفاضت كرامة الله لرسول الله صلى الله عليه وآله. فهكذا كانت الشجرة، هذه شجرته خير الشجر، وعترته خير العتر. عترته أهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم، وستمر فيهم الإمامة والهدايه والعصمة، ليس فقط في تلك الشجرة الأساسية وإنما حتى في أبنائه المعصومين، هم خير الشجر خير العتر، هم المعصومون، هم الأدلاء على الخلق، لا يراهم الشيطان في طريق إلا وتنكب ذلك الطريق! هذه العترة، هذه الشجرة، هذا الامتداد لرسول الله صلى الله عليه وآله، أوجب الله مودته وطاعته والالتفاف حوله، فتارة على لسان رسول الله: " ما إن تمسكتم بهما: العترة والكتاب، لن تضلوا من بعدي أبداً ". وتارة الكتاب يقول: " قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ "
يعني كل هذه الجهود التي بذلها رسول الله صلى الله عليه وآله -ولم يبذل عشر معشارها نبي من الأنبياء ولا رسول من الرسل- إذا كنت تريد تؤدي أجر لرسول الله فهو أولاً لمصلحتك (فهو لكم)، وثانياً الجهة مالتها مو تجيبها إلي أنا، وإنما خليها في من؟ في القربى؛ لأن هذه القرابة هي التي ستستمر معكم هادية ومرشدة. الموده في القربى (يعني إظهار المحبة)، الحب شيء والموده شيء آخر، وهي أي الموده عبارة عن إظهار الحب بلسان، بفعل، بغير ذلك.
من مواقف أهل البيت في الشام
وهذا الذي استشهد به مولانا زين العابدين عليه السلام في مثل هذه الأيام في الشام مع ذلك الشامي، عندما جاء وبدا يشتم من كان في ذلك الركب الحزين. فالتفت إليه الإمام السجاد عليه السلام وقال له: يا شيخ، أقرأت قول الله عز وجل: " قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ "؟ قال: بلى قرأتها. قال: فنحن قرابة رسول الله. أقرأت قول الله عز وجل: " إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا "؟ قال: بلى. قال: فنحن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. وهكذا بدأ يقرره بالآيات التي تشير إلى فضل أهل البيت عليهم السلام. فلما تيقن ذلك الشامي الأمر لطم على رأسه وبكى وجاء معتذراً إلى زين العابدين عليه السلام.
ونفس الكلام تقوله أيضاً العقيلة زينب في أن هؤلاء قرابة رسول الله وحقهم المودة والكرامة لا أن حقهم السبي من بلد إلى بلد! تقول مخاطبة ليزيد: " أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وبناتك ونساءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، يستشرفهن أهل المناهل والمناقل، وينظر إليهن الشريف والوضيع والصغير والكبير، ليس لهن من حماتهن حمي ولا من ولاتهن ولي ".