الامام الحسن في جانبيه البشري والغيبي

الامام الحسن في جانبيه البشري والغيبي
00:00 --:--

الإمام الحسن (عليه السلام) في جانبه البشري والغيبي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

تقديم وتعزية

نعزي رسول الله صلى الله عليه وآله والعترة الهادية، ثم مراجع الدين وعامة المؤمنين، وخصوصًا من حضر مجلسنا هذا، بشهادة السبط الأول والإمام الثاني لأئمة المسلمين، أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب. ونسأل الله الذي أكرمنا بمحبته ومعرفته في هذه الدنيا أن يرزقنا شفاعته ومرافقته في القيامة، إنه على كل شيء قدير.

لزوم المعرفة وفضلها في العقائد

نتحدث هذه الليلة في مقدمة عن لزوم معرفة الإمام معرفة مناسبة؛ حتى تحل لنا الإشكالات والأسئلة التي قد تثار بين فترة وأخرى.

المعرفة في العقائد هي أسمى المراتب قبل العبادة؛ لابد أن تكون هناك معرفة قبل عبادة الله عز وجل، لابد أن يُعرَف الله سبحانه وتعالى حتى يُعبَد. وهذا ما ورد عن أئمة الهدى عليهم السلام في تفسير قوله تعالى:

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦]،

قالوا: «ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه». إذا لم يعرف العباد ربهم فلا يمكن أن يعبدوه، وإذا لم يعرفوه معرفة تامة وصحيحة فلا يمكن أن تكون عبادتهم إياه عبادة سليمة.

فأولًا: معرفة الباري سبحانه وتعالى رأس القائمة. وقد ورد في روايات يُسأل فيها السائل عن أهم شيء وأعظم شيء في الدين ما هو؟ فيقول: «ما أعرف بعد المعرفة شيئًا أهم من الصلاة»، يعني أولًا المعرفة، أولًا الاعتقاد الصحيح، وبعد ذلك تأتي الصلاة والعبادات وما شابه ذلك.

وفي الدعاء الذي علّمه إمامنا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام لأحد فقهاء أصحابه، وهو زرارة بن أعين الشيباني -وهو من علماء الرواة- يتحدث له الإمام الصادق عليه السلام عن أزمنة المستقبل وما بعد غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، فيقول له زرارة: إذا أدركت ذلك الزمان فماذا أصنع؟ فيقول له: أكثر من هذا الدعاء:

"اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَبِيَّكَ (وفي رواية أخرى: رَسُولَكَ)، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَبِيَّكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَبِيَّكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي"

يعني نتيجة عدم معرفة النبي، ونتيجة عدم معرفة الوصي، أن ينتهي الإنسان إلى الضلال الديني. ولذلك فإن من مسؤوليات الإنسان المؤمن الحرص على معرفة عقائده المتسلسلة؛ من معرفة الله، إلى معرفة النبي، إلى معرفة الوصي والإمام.

وهنا أدعو نفسي ومن يسمعني من المؤمنين والمؤمنات أن نستثمر المناسبات للتعرف الزائد على صاحب مناسبة مرّت؛ علينا مناسبة زين العابدين عليه السلام، ينبغي للإنسان في تلك المناسبة أن يستفيد منها في معرفة إضافية؛ إما بأن يقرأ كتابًا أو كتبًا، أو يحضر محاضرات ويستمع إليها، أو يستمع إلى كتب بشتى الأنحاء، يستفيد من تلك المناسبة في تعميق معرفته بالإمام زين العابدين.

الآن نحن في مناسبة الإمام أبي محمد الحسن الزكي، هذه أيضًا تستدعي أن يقوم الإنسان بتعميق وتكثير علمه ومعرفته بهذا الإمام العظيم بمختلف الوسائل المتوفرة. ما راح تدور سنة -إذا كان يمشي الإنسان على هذا المنوال- ما راح تدور سنة إلا وهو قد تعرف على أئمته المعصومين جميعًا باعتبار مناسباتهم المختلفة والمتعددة.

الاتجاهات الثلاثة في فهم شخصية المعصوم

خلّينا نبدأ بشيء حول الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ومنه ينفتح لنا أبواب في حياته وفي حياة سائر المعصومين عليهم السلام.

هناك فيما يرتبط بشخصية المعصوم ثلاثة اتجاهات؛ اثنان منها غير صحيحين، والثالث هو الصحيح والذي يجيب على الإشكالات:

١. اتجاه الإفراط في الجانب البشري ونفي الغيب

الخط الأول والاتجاه الأول: ما عليه أتباع أتباع مدرسة الخلفاء من احترام المعصومين باعتبار أنهم علماء أبرار صالحون طيبون. لكن هؤلاء العلماء الأبرار الطيبين -يعني الأئمة عليهم السلام عندنا وعند غيرنا- لا ارتباط بينهم وبين الباري سبحانه وتعالى بارتباط خاص؛ لا علم خاص لديهم، لا نصب خاص لديهم، لا انتخاب إلهي لهم، وإنما يعتقدون فيهم أنهم صالحون، علماء، طيبون، سلوكهم حسن وما شابه ذلك.

فكأن هذه المدرسة وهذا الاتجاه ينفي تمامًا الجانب الغيبي الموجود في أئمتنا سلام الله عليهم. فإذاً قضية العصمة ما موجودة، العلم الخاص غير موجود، الارتباط الخاص غير موجود، جريان المعجزات والكرامات بحسب الحكمة الإلهية على أيديهم غير موجود، الموجود هو ذلك الجانب البشري؛ بشر متقدمون، بشر صالحون، بشر علماء، بشر ذوو أخلاق عالية. هذه المدرسة تنفي تمامًا الجهة الغيبية وما يرتبط بها في حياة المعصومين عليهم السلام.

هذه فكرة لا شك أنها خاطئة ومعرفة ناقصة، بل هي جهل بمقاماتهم سلام الله عليهم، وهذا اللي يخلي أتباع هذه المدرسة ليسوا قريبين من الاعتقاد الصحيح بأئمة الهدى عليهم السلام.

٢. اتجاه الغلو والتفريط في الجانب البشري

هذا في جهة، على الطرف الآخر النقيض: أن هناك فئة تبالغ في أمر المقامات وتغالي في الجانب الغيبي، بل تصل إلى درجة كأنها تحذف الجانب البشري في حياتهم! وهم كانوا موجودين في التاريخ الإسلامي، وربما بعض أفكارهم إلى الآن مستمرة؛ يعتقدون بمقامات للأئمة عليهم السلام نفس الأئمة يرفضونها، كأنهم -نعوذ بالله- يرزقون بالاستقلال، يحيون بالاستقلال، يميتون بالاستقلال، يتحكمون في الكون بالاستقلال!

تضخم هذا الجانب الغيبي الذي يُعبَّر عنه في العقائد بالغلو، كأنهم يحذفون الجانب البشري منهم ويجعلون هذا الكائن -أي الإمام- كائنًا غيبيًا، كل شيء من مواضع الإله سبحانه وتعالى وأفعاله ينفذها هؤلاء. وهذه طريقة ونحلة ذمها الأئمة عليهم السلام، وقد ابْتُلِي الأئمة المعصومون بأشخاص من هذا النوع لم يستطيعوا أن يوفقوا بين بشرية الإمام في خلقه وبين اتصاله بالله عز وجل وانتخاب الله إياه ونصب الله إياه وعصمة الله له وعلم الله الذي قذفه في قلبه الذي لا حدود له كما هو عند البشر. ما قدروا يوفقون بين هذا الجانب وذاك الجانب، فغلبوا جانب الغيب وغالوا في المعصومين عليهم السلام، وخصوصًا إذا كانوا يرون أن هذه الأشياء هي بمقتضى ذواتهم باستقلال أنفسهم.

٣. الاتجاه الوسط المقبول (مذهب الإمامية)

نحن نعتقد أن أئمة الهدى عليهم السلام تجري على يدهم المعجزات، يجري على يدهم بفضل الله عز وجل وباذن الله عز وجل ما جرى على يد عيسى بن مريم؛ قال إنه يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ولكن شنو؟ بإذن الله! هو بلا إذن الله، بلا قوة الله، بلا تخويل الله يستطيعها هذه الأمور؟ أئمتنا سلام الله عليهم أيضًا هم هكذا، تجري على يدهم المعجزات وتصدر عنهم، لكن كل ذلك بإذن الله وطبقًا لموازين الحكمة؛ يعني مو فد إنسان ما دام أنا قوي أي وقت أقدر أجي أتعارك ويا من عداي، ما دام الله أعطاني هذه القدرة كل مكان أستخدمها، لا، ليس الأمر هكذا، وإنما هو ضمن إطار الحكمة وبإذن الله عز وجل.

وهذا هو الذي يعتقده الخط الوسط الذي عليه الإمامية الاثنا عشرية من أتباع آل محمد.

 

الجمع بين الجانب البشري والجانب الغيبي في حياة الأئمة

فإذن الإمام له جانب بشري يعيش حياة الناس؛ يحتاج إلى الطعام فيأكل، يحتاج إلى النكاح فيتزوج، يمرض، يطرأ عليه التعب، تؤثر فيه السهام والنبال والسموم والسيوف، ليش؟ لأن هذا مقتضى كونه بشرًا، مو لأنه مرتبط بالله عز وجل فإذن السم لا يؤثر فيه والسيف لا ينفذ إليه والمرض لا يأتي إليه، لا، هو بشر فيجري عليه ما يجري على البشر بمقتضى بشريتهم.

ولكن في الطرف الثاني هو أيضًا عالم علمًا لا يستطيعه البشر هذه كجنبة إلهية، هو معصوم عصمة ضرورية مع كون المشتهيات والشهوات والملهيات موجودة ومحيطة به بمقتضى بشريته، إلا أنه بعصمة الله عز وجل مقرونًا باختياره لا يتأتى منه صدور المعصية صغيرة ولا كبيرة، بل ولا السهو ولا النسيان، ليش؟ لأن إذا يتمشى منه هذه الأمور تفسد جهته الربانية والإلهية والارتباط بالله سبحانه وتعالى وما أوجب الله عز وجل على الناس من طاعته.

هذا إذا فهمه الإنسان -والحق أنه ليس سهلًا- إذا فهمه الإنسان آنذاك ينحل عنده كيف أن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام مثلًا تزوج جعدة بنت الأشعث الكندي، وهي التي سوف تسمه فيما بعد.

الإمام بمقتضى بشريته في الأمور البشرية ليس مامورًا أن يستعمل العلم الإلهي الخاص الخارق للغيب، وإنما يتعامل في حياته البشرية بمقتضى القواعد البشرية؛ ينتخب امرأة ظاهرها الصلاح، ولو أن هذه في علم الله عز وجل بعد عشر سنوات سوف تقدم له السم. تدرون جعدة تزوجها الإمام عليه السلام من سنة ٤٠ هجرية أيام كان والدها الأشعث بن قيس على قيد الحياة، والأشعث بن قيس مات بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام بـ ٤٠ يوم، فلا بد أن يكون تزويج الحسن عليه السلام بابنته قبل ذلك والرواية التاريخية تشير إليه.

زين، فهذه لما انتخبت واختيرت ضمن معادلات في ذلك الوقت تعتبر حكيمة، قسم منها ندري عنها وقسم منها ما ندري عنها. ولكن أنت الآن أحيانًا ابنك يريد أن يتزوج امرأة، تستطيع أن تدرك كل الحيثيات اللي تخليه يتزوجها؟ لكن إذا تعتقد أن هذا حكيم، ابنك حكيم وما يقدم على خطوة هوجاء ولا غير طبيعية، تقول: هو يدري الأسباب وبالتالي هو اللي راح يتزوج. هذا إذا كان ابنك، فكيف إذا كان في حكمة الإمام الحسن عليه السلام؟!

ضمن ظروف ذلك الزمان تزوج هذه المرأة، لو أراد أن يستخدم العلم الإلهي الخارق المستقبلي يمكن أن يصنع ذلك، ولكن ذاك الوقت ما يصير حجة عليّ، ذاك الوقت ما يصير أنا مأمور بالإقتداء به، ليش؟ لأن أنا أقول: أنت تأمرني مثلًا بالصبر على زوجتي وإذا صار عندها مشاكل وغير ذلك بمن أقتدي؟ بالمعصوم؟ المعصوم يدري كل شيء أول وتالي ومستقبل وحاضر، فإذاً ينتخب إليه أفضل النساء وأحسن النساء اللي ما لها نظير، أنا ما أقدر هذا أسويه فإذن أنا لا أستطيع أن أقتدي به!

وهذا مو خاص بالإمام الحسن، تدرون في حياة الأنبياء العظام وفي حياة الأئمة أيضًا كذلك؛ امرأة لوط وامرأة نوح ذكرهما القرآن الكريم كنموذج على المرأة السيئة وهي زوجة نبي في سورة التحريم، ضربهما مثلًا للذين كفروا؛ هم امرأة لوط وهم امرأة نوح، وكلاهما بلا شك عنده علم إلهي، لو أراد أن يعرف مستقبلها وكذا لعرف، ولكن ذاك الوقت ما أحد يقدر يقول تعالوا اقتدوا بنبي الله نوح في معالجة مشكلات زوجته.

الأئمة عليهم السلام: الإمام علي عليه السلام قبل الإمام الحسن تزوج امرأة وطلقها؛ لأنها كانت ترى رأي الخوارج. نفس الإمام الحسن أيضًا تزوج امرأة ثقفية كانت ترى رأي الخوارج. والإمام السجاد أيضًا كذلك. وتزوج الأئمة من بعض بنات الخلفاء، مثل الإمام الرضا عليه السلام والإمام الجواد، كل منهما قد تزوج بنتا للمأمون العباسي؛ أم الفضل تزوجها الإمام الجواد عليه السلام، وأختها تزوجها الإمام الرضا سلام الله عليه.

كان الشرط في تعليم الله عز وجل الأئمة هذا العلم الخاص ألا يقدموا على حياتهم بطريقة غير اعتيادية؛ لو أرادوا أن يعلموا إلى الأواخر يعلمون، ولكن ليس مأمورًا بترتيب الأثر على هذا العلم. الإمام علي عليه السلام يخرج إلى المحراب وقد أنبأه رسول الله صلى الله عليه وآله ووعده هذه الليلة، لكن هو ليس مأمورًا بترتيب هذا العلم الخاص، ليش؟ لأنه ذاك الوقت كما يصنع بعض المخالفين يقول: أنتم تعتقدون أن علي بن أبي طالب كان يعلم كل شيء في المستقبل، وأنه مثلًا في مبيته على الفراش ما راح يصيبه شيء على فراش النبي وكذا وكذا وكذا، فإذا كان يدري عن كل شيء ويدري ما بيصيبه شيء فإذاً لا فخر له في ذلك المبيت! وإذا كان يبرز إلى القتال في بدر وأحد ويدري أنه ما راح يقتل فيه فإذاً لا فخر له! الجواب على ذلك هو كلمة واحدة: أن أئمتنا عليهم السلام وإن أكرمهم الله سبحانه وتعالى بهذا العلم الخاص الذي لم يؤته غيرهم، إلا أنهم مأمورون بأن يرتبوا امور حياتهم البشرية على طبق قواعد البشر.

الإمام الحسن المجتبى أيضًا في مثل زواجه بجعدة وأمثالها، تزوج أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله. طلحة بن عبيد الله هو صاحب الزبير في حرب الجمل، وقد تزوج الإمام الحسن المجتبى ابنته أم إسحاق وهي من أفضل النساء. وعندما قربت وفاة الإمام الحسن عليه السلام أوصى أخاه الحسين: «ألا تخرج هذه المرأة من بني هاشم، هذه جوهرة -أم فاطمة بنت الحسين عليها السلام- هذه امرأة جوهرة لا ينبغي أن تخرج، لا ينبغي أن تعطى لأي شخص آخر». وبالفعل تزوجها الإمام الحسين عليه السلام وبقيت معه إلى أيام شهادته وكانت فيمن سُبي مع النساء المسبيات، بنت طلحة بس هالشكل!

تلك بنت الأشعث تصير بعد عشر سنوات، يعني تصور امرأة تبقى مع الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ولم ينقل المؤرخون شيئًا استثنائيًا في هذه الزيجة لمدة عشر سنوات إلى أن أطمعها معاوية بن أبي سفيان في أن تسم الحسن، وسعى في ذلك مروان بن الحكم الذي كان الوالي على المدينة؛ أطمعها بأنه أنتِ إذا تخلصتِ من الحسن بن علي أولًا نعوضك بزوج هو ولي العهد، وثانيًا ألف ألف درهم؛ نصفها معجل ونصفها الآخر مؤجل (نصف مليون نقد ونصف مليون مؤخر من الدراهم)، وأيضًا احتمال العقوبة ما موجودة، وستتزوجين أيضًا بولي العهد يزيد بن معاوية.

نحن في هذه الأزمنة نشوف أُناس على شان ٢٠٠ دولار و٣٠٠ دولار يفجر لك مسجد كامل! هذا المصلي وهذا الصائم وهذا الكذا، علشان ٣٠٠ دولار و٤٠٠ دولار يقتل عشرات من الناس! إذا أطمع الشيطان الإنسان يوصل إلى الشيطان. فهذه امرأة لعل في بداية عمرها وزواجها بأبي محمد الحسن كانت امرأة عادية، فأغفلها من أغفلها وخدعها من خدعها حتى ارتكبت ذلك الإثم.

شاهدنا في هذا الأمر وفي غيره أن علينا أن ننظر بتوازن إلى الجانب البشري في الإمام وإلى الجانب الغيبي في اختصاص الله إياه؛ كلاهما موجود؛ جانب بشري يتألم، يمرض، يموت إذا حان حينه، إذا جُرح يتألم، يعطش، يجوع إلى غير ذلك كما يحصل بالنسبة إلى سائر البشر، ولكن في الطرف الثاني اكو هناك جانب غيبي يبدأ من العلم الخاص. ما تعلم أئمتنا عليهم السلام ضمن القواعد العادية، ماذا يعني أن الإمام الجواد وعمره سبع سنوات ثمان سنوات يحيط بعلوم لا يحيط بعشر معشارها غيره بعد دراسة ٧٠ سنة؟! علوم القرآن وعلوم الفقه وعلوم الأحاديث وعلوم العقائد وعلوم وعلوم، بل علوم المغيبات عشر معشارها لا يستطيعه الإنسان العادي بالتعلم العادي ولو بذل في ذلك ٧٠ سنة من الجهد العلمي! الإمام الجواد عليه السلام وعمره سبع سنوات ثمان سنوات يكون عنده هذا، وإمامنا المهدي قائم آل محمد قبل هذه السن ومع ذلك لديه تلك العلوم، ليس لها تفسير إلا هذا الجانب الإلهي الغيبي والارتباط الخاص.

نعم، هو لابد أن يكون متوازنًا يتعامل في الحياة العادية؛ زواجه ونكاحه ومرضه وغير ذلك كل هذا يتعامل فيه ضمن الإطار العادي. وقضية الزواج وقضية القتال وما شابه ذلك، الحسين عليه السلام يعلم بأخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبار أبيه أمير المؤمنين عن الله عز وجل ما يجري عليه، لكنه هو مأمور أن يرتب الأثر ضمن العلم العادي والطريقة البشرية حتى يكون قدوة:

? {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١].

إذا الرسول يعمل كله ضمن ذلك الإطار الغيبي ما يصير لي قدوة حسنة، ما يصير لي أسوة حسنة، ما أقدر أقتدي فيه، أقول: يا رب ذاك يدري بكل شيء ونتائجه، يدري بالمستقبل، يدري باللي يصير واللي ما يصير فيعمل على اجتناب الأشياء غير الحسنة، أنا ما أعلم بهذه الأشياء فإذاً لا يكون لي قدوة وأسوة.

السؤدد والفضل الغيبي للإمام الحسن عليه السلام

إمامنا الحسن المجتبى عليه السلام أكرمه الله سبحانه وتعالى بأن جعله من خلفائه، بل ارتقى مرتقى أنه هو والحسين سيدا شباب أهل الجنة. بعض الناس يقولون: أنتم عندكم غلو في أئمتكم، شلون تقولوا أفضل من الأنبياء والحال الأنبياء أنبياء وهذول كلش كلش أئمة؟! أنت بس خذ هذا الكلام: «سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، هل الأنبياء في الجنة أو لا؟ نعم. هل هم هناك شباب لو عجزة؟ أكيد الكل في الجنة شباب، مو دار للطاعنين في السن والعجزة، فكل شاب في الجنة موجود هو مسوَّد لسيد؛ سيد تحت وسيد فوق! أستثني مثل رسول الله صلى الله عليه وآله فإنهم فرعه ومنه، ومثل أمير المؤمنين عليه السلام، وإلا باقي البشر كائنين من كانوا ما داموا في الجنة وما داموا شبابًا فإن حديث «سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ينطبق عليهم. وتسويد شخص على شخص من غير مبرر أفضلية ظلم! في الدنيا يصير واحد ما يفهم يصير سيد اللي يفهم، جاهل يصير سيد العالم، لكن هاي مقاييس دنيوية جائرة! في الجنة ماكو إلا مقاييس إلهية حقة، فلا يسود أحد إلا بأفضلية وتسويد بمبرر. الحسنان سادة أهل الجنة، ومن ضمن أهل الجنة الأنبياء والمرسلون، إذن لابد أن يكون الحسنان سادة لهم، وهذا يرتبط بالجانب الغيبي.

إمامنا الحسن المجتبى سلام الله عليه شرفه الله عز وجل بأنه والحسين عليهما السلام كانا امتدادًا للنبوة عن طريق الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام، هي العقد الواصل بين النبوة وبين الإمامة في أمير المؤمنين عليه السلام، وبالتالي الذي حصل أن امتد نسل رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم ومن خلالهم.

أدوار الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ومواقفه في الأمة

الإمام الحسن المجتبى أولًا كإمام معصوم مسدد من قبل الله، كان له الأدوار الكثيرة منذ صغره وشبابه. سبحان الله ينقل التاريخ هكذا أن أول واحد اعترض على ارتقاء منبر رسول الله بدلًا عن علي من قبل أهل الخلافة الرسمية كان الإمام الحسن على ما هو المشهور؛ فإنه بعدما رأى الخلافة في دورها الأول ورأى تنحية الإمام علي عليه السلام، جاء وخاطب الخطيب قائلًا: «انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك!» هذا المنبر منبر والدي، هذا المكان بعد رسول الله مكان والدي علي بن أبي طالب. فالتفتوا إلى علي أمير المؤمنين عليه السلام فقال: «والله ما علمته ذلك». هو عند هذه الفكرة، هو عند هذه البصيرة، هو عند هذه الرؤية. طيب، وبالتالي واضحة الأمور عنده منذ ذلك اليوم وهو في هذا المجال.

حتى إذا مرت السنوات كان عضد أبيه أمير المؤمنين عليه السلام. أود أن أشير هنا إلى نقطة قبل أن يفوتنا الوقت: يحاول أتباع المدرسة الأخرى بالنسبة إلى الإمام الحسن في أن يجعلوه حسب التعبير في صفهم، وذلك بأن يقولوا مثلًا: الحسن وأيضًا الحسين ذهبوا في الفتوحات مع جيوش الخلافة في عهدها الثاني وفي عهدها الثالث، ومعنى هذا أنهم كانوا راضين بهذه الفتوحات وبهذه الخلافة! ولكن التاريخ المحقق ينفي ذلك نفيًا واضحًا، وقد ذكرنا شيئًا من هذا في كتابنا (الإمام الحسن المجتبى سيد شباب أهل الجنة) لمن أراد التفصيل.

وكما أيضًا حاولت هذه الأقلام المشبوهة والباطلة أن تشير كذبًا إلى أن الإمام الحسن كان غير موافق لأبيه، وكانوا يعبرون عنه بأنه عثماني -يعني على منهج بني أمية- والحال أن هذا مثل أن تقول للماء هذا نار أو بالعكس! الإمام الحسن المجتبى كان ذراع أبيه وساعد أبيه، وظهر هذا بشكل واضح في أيام خلافته الظاهرية؛ فإن الإمام عليًا عليه السلام في حرب الجمل ولم ينتقل بعد إلى الكوفة، أرسل بعض أصحابه إلى الكوفة ليستنهضها حتى يلتحقوا به في حرب أهل الجمل، وكان على الكوفة في وقتها أبو موسى الأشعري، فذهب بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ولم يستطيعوا أن يحركوا الجو في تعبئة المقاتلين لنصرة أمير المؤمنين عليه السلام، حتى جاء الإمام الحسن؛ ذاك الوقت الإمام الحسن عمره حدود ٣٠ سنة ٣١ سنة، وأول ما جاء عزل أبا موسى الأشعري، قال له: «أنت معزول، أنا أبلغ رسالة أمير المؤمنين عليه السلام، أنت اللي نصبوك قبل الآن من نصبك غير موجود هناك خليفة هو علي بن أبي طالب وقد كلفني بذلك فأنت معزول». عزله فعلًا وخطب خطبة عصماء في مسجد الكوفة حينها، فانبعث الناس جماعات وفئات لكي يلتحقوا بمعسكر أمير المؤمنين عليه السلام، وبالفعل كان لهم دور كبير في حرب الجمل.

لما راحوا أيضًا إلى البصرة -قلت الوقت لا يتسع كثيرًا- لما راحوا إلى البصرة، عبد الله بن الزبير خطب في أهل البصرة خطابًا مليئًا السِباب والشتائم لأمير المؤمنين عليه السلام، وهذه حيلة العاجز؛ يعني إذا ما عنده حجة يبدأ بالشتم ويبدأ بالفحش في القول وهكذا. فأرسل أمير المؤمنين عليه السلام ابنه الحسن سلام الله عليه، فخطب في أهل البصرة الذين خطب فيهم ابن الزبير ذلك الخطاب السيئ، خطب خطابًا متقنًا بدأه بصفات الله عز وجل ثم ذكر بعثة نبيه محمد، ثم ذكر بعد ذلك كيفية وصول الخلافة إلى أمير المؤمنين، وأن أمير المؤمنين صفاته قبلها كانت موجودة. فلما فرغ استحسن الناس كلامه ورأوا خطل وخلل خطاب ابن الزبير، وقال قائلهم:

حَسَنُ الْخَيْرِ يَا شَبِيهَ أَبِيهِ ... قُمْتَ فِينَا مَقَامَ خَيْرِ خَطِيبِ

واسترسل يمدح الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. وقلب الإمام بهذه الخطبة الرأي العام هناك على وفق ما يريد الهدى.

واستمر الإمام عليه السلام في حرب صفين وفي حرب الجمل؛ الثابت تاريخيًا أن الذي طعن الجمل الذي كان هو بمثابة القائد لكل المعركة في ذلك الوقت، وكان حوله حلقات من المقاتلين، الذي طعنه حتى برك على الأرض كان الإمام الحسن عليه السلام، حتى قيل إن محمد بن الحنفية -وكان يُعد من فرسان العرب وشجعانهم- تمعر قليلًا باعتبار أنه هو حاول عدة مرات وما قدر فجاء هذا الإمام الحسن وطعنه في لبته فوقع على الأرض. فلما رجع محمد وكان وجهه متغيرًا، فأراد الإمام حسب التعبير أن يأخذ بخاطره قال له: «لا تبتئس يا محمد، فإنك ابن علي وهو ابن النبي». يعني إذا أنت ابن علي بن أبي طالب وأمك الحنفية، فإنه ابن علي وابن النبي وأمه فاطمة صلوات الله وسلامه عليها.

فاستمر على هذا المنوال إلى أن استشهد أمير المؤمنين وحصل ما حصل من قضية المصالحة، تكلمنا في سنوات مضت عنها. النتيجة أن الإمام عليه السلام اشترط في وثيقة الصلح -وهذه مهمة، ترى معارك الصلح والمهادنة والاتفاقيات هي أكثر صعوبة من حروب القتال والعسكرية، ليش؟ لأن العسكرية يريد يرضخك لأمور معينة، فإذا أنت قدرت تاخذها منه بالورقة وبمعاهدة وبالمصالحة فأنت حققت ما تريد، وهذا فعلًا اللي حصله الإمام الحسن. من يدرس مواد وثيقة الصلح التي جرت يجد أنها كانت نصرًا مبينًا للهدى وللإمام عليه السلام- وهذا هو أحد الدواعي التي جعلت معاوية يسعى في اغتيال الإمام الحسن المجتبى عليه السلام؛ معاوية رأى أنه مثلًا من الشروط أن الإمام الحسن يسلم الحكم لمعاوية الآن على أن يكون الإمام الحسن بعده مباشرة إذا مات معاوية أو انقضت أيامه فالحسن يكون هو الخليفة، فإن لم يكن الحسن موجودًا فالحسين، يعني تطلع من بني أمية تمامًا! زين، هذا الأمر أن يقر به على الورقة معناه مكسب، سيلتزم فيما بعد أو لا يلتزم هذا شيء آخر، ولكن معركة الصلح، معركة المهادنة، معركة الوثائق والشروط، كان فيها الإمام الحسن المجتبى هو المتقدم.

لأجل هذه الشروط وأمثالها، رأى معاوية أنه وهو أكبر سنًا من الإمام الحسن بكثير -عندما مات معاوية كان عمره حدود ٧٥ سنة ٧٧ سنة، وبالتالي الإمام الحسن عليه السلام في مثل هذا الوقت عمره ٤٠ سنة ٤٧ سنة حينما استشهد صلوات الله وسلامه عليه- هذا الذي جعل معاوية يسعى في سمه وأن يقتله. والسم في ذلك الوقت في أيام الأمويين استُخدم بالذات في عهد معاوية كسلاح فتاك شائع؛ فقد سُمَّ مالك الأشتر رضوان الله تعالى عليه، وسُمَّ عبد الرحمن بن أبي بكر لأنه كان يُخشى منه في أن هو ينهض يقول أنا أولى منك، وسُمَّ غيره عدد غير قليل، حتى قيل إن سعد بن أبي وقاص أيضًا مات مسمومًا، عدد من الكبار في ذلك الوقت اتُّهم معاوية بتسميمهم، والمؤكد أنه أقدم على هذا العمل بالنسبة إلى الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه.

ولا شيء يضر الإمام الحسن، هؤلاء قوم القتل لهم عادة وكرامتهم من الله الشهادة، في سبيل الدين يرخصون أنفسهم. فكان أن طلب سمًا فتاكًا وأرسله إلى المدينة وقدّمه إلى مروان بن الحكم، ومروان أوصله إلى جعدة بنت الأشعث مع تلك الوعود الكبيرة.

الشهادة والرثاء

قالوا: جاء إمامنا الحسن المجتبى في مثل هذه الأيام وكان صائمًا بأبي وأمي، وقيل إن وقتها كان الجو قائظًا ساخنًا، والإمام صائم بأبي وأمي، حتى إذا صار وقت المساء قدمت له هذه المرأة المجرمة شيئًا من الحليب (اللبن) وقد خلطته بذلك السم، يفطر بأبي وأمي من صيامه على طعام مسموم! فلما تجرع ذلك الطعام المسموم سرى في أحشاء الإمام. أين المنادي: وا إماماه! وا سيداه! وا مظلوماه! وا ابن الزهراء!

وصل الخبر إلى الإمام الحسين عليه السلام، أتى إلى أخيه الحسن فوجده وأمامه طشت وهو يتقيأ فيه من أحشائه على أثر ذلك السم، فقال له الإمام الحسين عليه السلام: «من صنع بك هذا؟ أخبرني»، فقال له: «ماذا تريد أن تصنع؟ فإن الله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا».

قال ارباب الخبر: بينما الحسنان في ذلك المكان وقد وصل الخبر إلى باقي بني هاشم، وإذا بالنساء تقدمهن زينب قد أقبلت إلى بيت أخيها سلام الله عليه لكي تنظر ما الذي جرى عليه وما الذي حل به. لما عرف الإمام الحسن أن زينب هي التي قدمت مع أخواتها، قال لأخيه الحسين: «أخي أبا عبد الله، ارفع هذا الطشت عني؛ حتى لا تراه زينب!» يا حسين شيل الطشت عني!

خواتك يا أبو اليمة إجني ... يريدن يشبعن شوف مني ويريدن خواتك يودعني

زينب رحمة، تشوف هذا الطشت لو لا؟ ما أعلم، ولكن سترى طشتًا آخر فيه رأس أخيها الحسين! ساعد الله قلبكِ يا زينب.

بقي إمامنا على هذه الحالة، وصل إليه بعض أصحابه طلبوا منه نصائح فنصحهم، وعندها عرق جبين الإمام وسكن أنينه، مدد يديه ورجليه، غمض عينه، فاضت روحه الطاهرة! أين المنادي: وا إماماه! وا سيداه! وا مسموماه!

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة