الإنفاق الحسيني: آفاق ومجالات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة في مفهوم الإنفاق وأهميته
قَالَ اللَّهُ الْعَظِيمُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ:
{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبإ: ٣٩].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:
{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} [الأنفال: ٦٠].
وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَنَّهُ قَالَ:
“مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ فِيهِ الْعِبَادُ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا "
حديثنا في هذه الليلة يتناول بعض الوجوه التي يناسب أن يتوجه إليها في قضية الإنفاق على الموضوع الحسيني. لسنا بحاجة في البداية إلى أن نؤكد على أن أصل الإنفاق الذي ينقسم إلى قسمين: قسم واجب كالزكاة والخمس وما شابه، وقسم آخر مستحب وهو ما عدا الإنفاق الواجب في شتى الشؤون والمسائل والقضايا. وقد عنونت كل تلك الأمور بأنها في سبيل الله. سبيل الله عنوان يجمع الكثير الكثير من العناوين ومن التفاصيل، وكل ما يدخل تحته يكون مطلوبا ومحبوبا ومرغوبا من قبل الله عز وجل.
وكان عنوان سبيل الله يشير إلى ما شأنه أن يكون قربة إلى الله تعالى؛ أن تعطي إنسانا لأنك سوف تأخذ منه عملا، هذا لا يعد سبيل الله بهذا المعنى. ليش؟ لأنك تعاطيه في مقابل شيء وليس بغرض التقرب من الله عز وجل. لكن نفس هذا الشخص لو أعطيته مقالًا أقل من السابق، وكنت ناويًا أن تساعده لأنه إنسان مؤمن، وأنك بهذه المساعده تتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، هذا المقدار الأقل الذي أعطيته نفس الشخص، هذا في سبيل الله، بينما ذاك الأول ليس بالضرورة أن يكون في سبيل الله.
تشتري شيئاً وتعطي ثمنه تارة في نيتك أنك كما أعطيته هذا المبلغ سيعطيك في مقابله سلعة، هذا لا يعد بالضرورة في سبيل الله، تجارة! ولكن لو كان في نيتك أنه أنا آتي وأعطي صاحب الدكان هذا مبلغًا من المال وأشتري منه لأنه إنسان مؤمن، متدين، عفيف، فأنا أختاره على غيره، ما أروح إلى ذاك السوبرماركت مثلا لأنه ماكو هالجهة، هذا أنا من باب أن أذهب إليه وأن أساعده في حياته قربة إلى الله تعالى، اختياري له دون السوبرماركت الضخم مثلا، نفس هذا الاختيار إذا كان بنية أنني أعينه في حياته ولو ما راح أعطيه هذا المبلغ مجانًا، هذه النية، هذا القاصد هو قصد قربي، قصد ازدلافي لله عز وجل، فيمكن أن يحسب هذا المقدار من المعاملة على أنه في سبيل الله ومقرب لله. ولذلك، كثير من الأشياء ممكن نفسها بصورة من الصور لا تكون في سبيل الله مع عدم النية، مع عدم التقرب، مع عدم تذكر الله عز وجل في هذه الأثناء. نفس العمل هذا إذا تتغير صورته، تتغير نيته، وإنما لكل امرئ ما نوى.
فسبيل الله عز وجل يشتمل على كثير من الأمور التي بعضها في الحالة العادية من دون نية إلهية لا تعد من سبيل الله، بينما بطريق آخر يمكن أن تكون في سبيل الله. ولهذا لم يأت الدين لا في قرآن ولا في الروايات بتحديد هذه العناوين لكثرتها وتشعبها وكثرة عناوينها، وإنما المدار هو على أنك تعمل هذا العمل بأي نية، هذا العمل نفسه في أي طريق؟ مرة أنا أروح أنفق -نعوذ بالله- أموالًا للتحريش بين مؤمنين، هذا ما يمكن أن يصير في سبيل الله حتى لو نويته. نفس العمل لابد أن يكون في طريق الله. نعم، لو انفقت نفس هذا المال أو أقل منه في الإصلاح بين زوجين، في الإصلاح بين رحمين، في الإصلاح بين مؤمنين، هذا السعي بهذه النية هو في سبيل الله والانسان يثاب عليه. لازم يكون نفس العمل صالح لأن يكون بسبيل الله، ولازم أيضا تكون نية الإنسان أن يتقرب بذلك العمل إلى الله حتى يصبح المجموع في سبيل الله عز وجل.
وهذا الباب باب عريض وواسع جدًا. الطبيب ممكن أن يكون عمله في سبيل الله وممكن أن لا يكون كذلك؛ يروح الصبح يقول: أنا أقدم عمل وأستلم فلوس، طيب، من غير نظر إلى سائر الأمور. وطبيب آخر يذهب يستلم المال أيضا، ولكن في نيته أنني أعين المؤمنين والمسلمين على حياتهم بعلاجي وبطبي، هذا حتى لو ياخذ فلوس أيضا بهذه النية يصبح عمله عملًا إلهيًا قربيًا وفي سبيل الله. فإذا انطبقت عناوين أخر أكثر زاد الأجر وزاد القرب.
الوجوه والمجالات المباركة للإنفاق الحسيني
ومن ذلك ما يرتبط بقضايا الإنفاق على أمور سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه، فإن الإنفاق في قضايا الحسين -التي سوف ناتي على ذكر بعضها- إذا نوى الإنسان أنه يعمل ذلك لاجل الله وتقربًا إلى الله، مو حتى يحصل سمعة ويعجب بعمله وباكر يخوض الانتخابات مثلا وينتخبوه باعتبار أن هذا إنسان منفق! هذا يتبين من البداية ما أنفقه لم يكن في سبيل الله وإنما في سبيل المنصب. هذا يختلف عن ذاك الشخص الذي يتقرب إلى الله بالانفاق، أصلاً مو في باله لا انتخابات ولا ما أدري مناصب ولا هو في هذا الوادي، يمكن حتى لو اجا بعدين ما يخالف، لكن هذا من أول عمله وفي أصل عمله كان غرضه أن يعطي المال أو يعمل هذا العمل من أجل الله عز وجل. فهذا فد عنوان ينطبق عليه، سينطبق عليه أيضا فيما يرتبط بقضايا الإمام الحسين عليه السلام عنوان مودة القربى ورسول الله محمد.
نحن نعلم أن الباري سبحانه وتعالى في كتابه المجيد قال على لسان رسول الله أن يقول للناس:
{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: ٢٣].
أنا في الأساس ما أسأل منكم أجرًا على شيء! ايش قد ضحيت أنا رسول الله؟ ايش قد أعطيت؟ خط الحروب، أعمال مختلفة قمت بها، لم أرجُ منكم شيئًا ولم أطلب منكم شيئًا، ويا كل العترة هكذا، لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا. ما سالتكم عليه أو ما أسألكم عليه من أجر فهو لكم، إن أجري إلا على رب العالمين في آيات مختلفة. لكن إذا تريد هذا الأجر تسددوه -وهذا مو الي، وإنما لكم نفعه وفائدته في الدنيا وفي الآخرة- إذا تريد شيء يرجع إليكم فهو المودة في القربى؛ لأنكم إذا ودتموهم هدوكم في هذه الدنيا إلى طريق الصلاح، وفي الآخرة كانوا شفعاء لكم بما قدمتم لهم من المودة، فأنتم الرابحون.
الاعمال التي يقوم بها الإنسان المؤمن بالنسبة إلى الحسين عليه السلام وسائر المعصومين -بالإضافة إلى أنها ينطبق عليها أنها في سبيل الله، النية فيها رغبة فيما عند الله عز وجل والقربى إليه- بالإضافة إلى ذلك فيها عنوان آخر وهو ابراز المودة والمحبّة لرسول الله صلى الله عليه وآله في ذريته وعترته. أنت تركت كل الأسماء الموجودة في التاريخ وما أكثرها، وعطفت عنها وجئت إلى بنت رسول الله وابن عم رسول الله وسبط رسول الله لكي تقوم بأعمال، هذه الأعمال ينطبق عليها عنوان المودة في القربى، مودة رسول الله في قرابته صلوات الله عليه.
فبالنسبة إلى الإنفاقات الحسينية -بالإضافة إلى أنها في سبيل الله- ينطبق عليها مودة القربى لرسول الله صلى الله عليه وآله، وأيضًا ينطبق عليها الاقتراب والاستشفاع بالإمام الحسين سلام الله عليه، باعتبار أنه من يحيي بتحية يتوقع خيرًا منها، فأنت عندما تنفق في سبيل الحسين يرد عليك الإمام الحسين هذا العطاء، هذه التحية، هذه الهدية بما هو خير كما هو شانهم وديدنهم من الكرم.
لذلك نقدم بعض الأفكار في هذا الجانب توسع من دائرة التفكير. وبالطبع فإن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بها كلها؛ لأن قدرات الناس المادية والبدنية مختلفة، شخص يستطيع أن يصنع وقفًا -كما سياتي- وشخص آخر لا يستطيع ذلك، وإنما يستطيع أن يقدم وجبة طعام على حب الحسين. فاولا قدرات الناس مختلفه ماليًا بدنيًا، وثانيًا أيضًا القوانين الحاكمه عليهم في مناطقهم المختلفة قد تكون في مكان مفتوحة وفي مكان آخر غير مفتوحة، ما يستطيعه زيد في منطقته لا يستطيع جعفر في منطقة أخرى أن يقوم به، لابد أيضًا أن الإنسان يلاحظ هذه الأنظمة حتى لا يجر على نفسه المكروه ويطمئن بدوام أعماله وبرامجه. غير أن ليس كل الناس على مستوى واحد من القدرة، الأوضاع المختلفة في بلاد المسلمين تمكن هذا من هذا العمل ولا تمكن ذاك من نفس العمل، والإنسان الحكيم ينبغي أن يلاحظ هذه الأمور بشكل واضح.
١. الأوقاف الحسينية
بناء على ذلك، نعتقد أن من العناوين المهمة في الإنفاق الحسيني: أولًا: قضية الأوقاف الحسينية. الوقف كما تعلمون تشريع موجود في الإسلام يقضي بأن يحرر الإنسان بعض أملاكه من ملكيته الخاصة ويوقفها في سبيل الله في الجهة الفلانية. بعد ما يوقفها لا علقة ملكية بينه وبين ذلك الشيء؛ أنا لنفترض عندي بناية، الآن من الناحية الشرعية والقانونية يقال فلان مالك لهذه البناية، إذا أوقفها قال: بناية الفلانية وقف، يرجع عائدها ومواردها في جهة الحسين عليه السلام، من ذاك اليوم طلعت من ملكه، بمعنى أن غدا إذا اختاره الله عز وجل لا يستطيع الورثه أن يتملكوها؛ ليست موروثه، لأن الموروث إنما هو ما كان في ملك المتوفى. هذه البناية طلعت من ملكه، خرجت من ملكه، بل هو نفسه بعد تمامية الوقف شرعًا هو نفسه ما يقدر يتصرف فيها بأن مثلا يكون محتاجًا إليها، يبيعها، يهديها، غير ذلك، خلاص انتهى الموضوع إلا أن يستثني في صيغة الوقفية وذاك بحث آخر.
فأصل موضوع الأوقاف الحسينية هي مما يبقى ويبقي عمل الإنسان كصدقة جارية. الآن نحن نرى مثلا البعض يوقف مكانًا كحسينية، هو يموت ويذهب إلى ربه ويتلف بدنه، ولكن عمله الصالح من خلال قراءات المؤمنين في هذه الحسينية، وربما الصلاة فيها، وفي بعض الحالات النوم فيها كما هو بالنسبة إلى الزوار في أماكن مختلفه -وهذا تابع لسعة وضيق وقفية الإنسان، إذا وقفها فقط للقراءة ما يقدرون ينامون، إذا وقفها لأجل الصلاة مثلا سائر الأعمال ما لم ينص عليها أو يكون ذلك من المتعارف لا يجوز- لكن عمله وصدقته الجارية وأجره ثابت ودائم ومستمر، هنيئًا لهؤلاء الذين يقومون بهذه الأمور! مسجد يبني وهو ينتهي، ومع ذلك هذا المسجد يبقى، حسينية كذلك، مركز ديني كذلك، وهكذا.
فأول شيء من الأمور المهمة الأوقاف الحسينية نظرا لأن كثيرًا من الأعمال تعتمد على موارد، والموارد إما تاتي من التبرعات أو تاتي من الأوقاف. التبرعات في الغالب غير ثابتة، مرة زايدة ومرة ناقصة، بينما الأوقاف في الغالب هي ثابتة. فإذا إنسان يبني سوقًا ويسميه ويؤطره بأنه هذا في الإنفاق على المسائل الحسينية، هذا يبقى إلى ما شاء الله، مردود ثابت معين يصرف على ما أوقفه عليه الواقف.
٢. اشراك المعصومين والإمام الحسين عليه السلام في مكسب الانسان
ومن ذلك أيضا ما قد رايناه في أماكن مختلفة في بلادنا وفي غير بلادنا، وهو اشراك الإمام الحسين عليه السلام أو سائر الأئمة في مكسب الإنسان. واحد لنفترض عنده تجارة، عنده دكان، عنده ما أدري عمل، فبينه وبين نفسه يقرر إشراك الإمام الحسين عليه السلام في نسبة من أرباحه: يابا، علي عهد الله أن إذا ربحت شيئًا من المال فواحد من عشرة منه هو في جهة الحسين عليه السلام، فإذا ربح مئة أعطى عشرة، إذا ربح ألفًا أعطى مئة، وهكذا زيادتة أو نقيصته.
هذا يتحقق منه أولًا البركة العظيمة، وقد راينا هذا المعنى كثيرًا؛ كثير ما راينا أشخاص يقول لك: أنا واحد من أسرار التوفيق في مكاسبي أنني أشركت أبا الفضل العباس عليه السلام أن إذا ربحت عشرة واحد منها لأبي الفضل، واحد منها للحسين! وهذا يختلف باختلاف علقة الإنسان ببعض أبطال كربلاء. أولًا تحصل البركة فيه؛ لأنك أنت مشارك للإمام الحسين، حتى لو الله ما بيرزقك، أنت لأجلك سيرزقك لأجل شريكك! واحنا نلاحظ قضية البركة من القضايا المهمة في الرزق.
لو أن إنسانًا قام بهذا الأمر، جعل جزءًا من مكسبه به جهته، جهة الحسين عليه السلام، جهته جهة أحد أبطال كربلاء، جهته أحد الأئمة المعصومين -راينا في بعض المناطق يقول لك: أنا مشارك الإمام الرضا عليه السلام، اللي أكسَبُه أخلي قسم إلى الإمام الرضا، وباقي الأقسام لنفقاتي بعد استثناء التكاليف واستثناء الكذا وإلى آخره- هذا حتى لو الإنسان ينظر إليها بنظره ربح وخسارة هو الرابح، فضلاً عما إذا كان ينظر إليها نظرة إلهية والله هو الرزاق ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ. الله سبحانه وتعالى بهذه الطريقة يزيد رزقه، يزيد رزقه لهذا الإنسان. فبالإضافة إلى قضية الأوقاف، قضية إشراك المعصومين ولا سيما الإمام الحسين عليه السلام فيما يدخل علينا من مال من مكسب، بحيث يكون شيئًا لا يؤدي إلى أنهاك ميزانية حسب التعبير، وإنما يكون شيئًا معقولًا به تحل البركة ومن خلاله يزيد الله ويبسط رزقه بالنسبة إليه.
٣. الجانب الثقافي والاعلامي للقضية الحسينية
هناك أمر ثالث وهو ما يرتبط بالجانب الثقافي والإعلامي للقضية الحسينية. هذا من الأمور اللازمة في هذه الأعصار والأعوام؛ لأن العالم لا يمر مرورًا عابرًا الآن على قضية كربلاء، قضية الحسين تفرض نفسها على كل العالم بمجرد أن يأتي شهر محرم، زين، هذا العالم يتساءل: ما هي القضية؟ ما هي القصة؟ ما الذي جرى؟ لماذا جرى ما جرى؟ ما هي فائدتنا من ذلك في هذا الزمان؟ هذه الأسئله كلها موجودة ومستمرة.
وكثيرًا ما حدث أنه على أثر الإجابة على هذه الأسئلة بالوسائل المختلفة أن كثيرًا من الناس قد اهتدوا إلى منهاج أهل البيت وال محمد. ستجدون خلال هذه الفترات تغطيات عن زوار الحسين عليه السلام؛ تارة نشوف الإنسان من أماكن متعارفة، أماكن قريبه من العراق، أماكن فيها الحالة الشيعية واضحة، ولكن أيضا سترون شخصيات كثيرة، أسماء واضحة، ليست في هذا الوادي أصلاً، وإنما هم على أثر رؤيتهم لما يحدث في أيام محرم وما يحصل هذا يثير عندهم سؤالاً، هذا السؤال يتطلب إجابة، وكثير منهم لما يروحوا وراء إجابات هذه الأسئلة يهتدون إلى هذا المنهج السليم.
احنا نحتاج لأجل ذلك إلى نشر إعلامي وثقافي كبير للعالم. لا تتصورون أنه يعني الشيعة سووا ما شاء الله عندهم كذا وكذا وكذا، لا، الحاجه أكبر من هذا بكثير بكثير! هناك بعض الأماكن ربما لا يوجد لديه كتاب يشرح القضية الحسينية بلغتهم المحلية؛ حدثني أحد طلاب العلم بأن الساحل الإفريقي هناك لغة -أظن ذكر اسمها موري أو هكذا قال لي- يتكلم بها ٧٥ مليون إنسان، عدة دول في إفريقيا لغتهم المحلية هي هذه اللّغة، يقول: ما عندنا كتاب بهذه اللغه نشرح لهم قضية الإمام الحسين سلام الله عليه! اكو كتب فرنسية، اكو كتب إنجليزية، اكو كتب اردو، اكو كتب فارسي، اكو كتب عربي، ولكن هؤلاء لا يتكلمون هذه اللغات، لهم لغة خاصه، ومو في بلد أو دولة، وإنما في مناطق متعددة حسب كلامه نحو ٧٥ مليون إنسان يتكلمون بهذه اللغة.
زين، أليس من المناسب أن ينهض شيعة أهل البيت ليشرحوا سيرة الحسين وقضية الحسين بهذه اللغات وبغيرها من اللغات؟
الأطفال عندنا -حتى في بلاد بلادنا وفي سائر بلاد الشيعة- لا يوجد لدينا الكتب الكتب الكثيرة التي كتبت باسم الأطفال وبطريق الأطفال وبفهم الأطفال. اكو هناك بعض الكتيبات البسيطة، لكن هذا لا يكفي، يحتاج إلى عشرات إن لم يكن مئات العناوين المتوجهة إلى الأطفال على اختلاف مراحلهم الزمنية؛ أبناء ست سنوات إلى عشر سنوات يحتاجون شكل من الكتابة والتأليف، أبناء ١٢ إلى ١٩ سنة يحتاجون إلى شكل آخر، وهكذا. وإذا ما عندنا بالمقدار الكافي في بعض الأماكن -الحمد لله في الفترات الأخيرة صار مجالس خاصة للأطفال وهذا عمل بديع ورائع، المجلس الذي يلقيه من الأطفال والحضور أيضا فيه من الأطفال، الكبار لا يحضرون فيه، وطريقة تعليمهم للقضية الحسينية تكون باسلوب متناسب معهم- هذا أمر مهم جدا بحيث ينمو هؤلاء على فكر الحسين بالتدريج إلى أن يوصلوا إلى مرحله الشباب المتقدم، وآنذاك يختلطون بالمجتمع العام ويأخذون من المجالس والكتب المؤلفة للكبار ما يريدون وما يحبون.
من الأمور التي أيضا لابد من الالتفات إليها: قضية الاهتمام بإقامة المجالس في غير الأماكن المعتادة. في بلاد شيعة أهل البيت القريبة منا وما شابه، توجد هناك -الحمد لله- مجالس كثيرة جدا، جزى الله القائمين عليها، لكن اكو بعض الأماكن، بعض البلدان هذه لا يوجد فيها مثل هذا الأمر، يحتاج أن يكون هناك سعي -كما قلنا- ضمن الأنظمة وما شابه ذلك والترتيبات الصحيحة لإقامة مجالس أبي عبد الله الحسين عليه السلام ودفع المؤمنين للقيام بهذا الأمر.
٤. توفير السقيا والماء على حب الحسين عليه السلام
وأخيرًا وننهي به الحديث: ارتبطت قضية الإمام الحسين عليه السلام بقضية الماء؛ وذلك لأن هذه الصفوة الطاهرة كتب عليهم أن يقضوا ظمايا مع قربهم من شاطئ الفرات. اكو ناس مثلا في الصحاري المي ينعدم منهم ولكن يموتون ظما، هذا أمره أقرب إلى الفهم، ولكن واحد إلى جنبه نهر، نهر الفرات متفرع من نهر الفرات الكبير يمر في كربلاء، ومع ذلك يقضي هؤلاء وهم عترة رسول الله ظمايا!
فأصبح موضوع الماء وعطش الحسين وأصحابه من الأمور التي تحز في النفس وتهز الوجدان، ومن المناسب جدا أن يستشعر الناس هذا الأمر؛ فلو صار سعي في توفير الماء بمختلف الأساليب: لنفترض أنا عندي قدرة في كل شهر أوزع ٣٠ قنينة مي، ولو بهالمقدار هذه أوزعها باسم الحسين عليه السلام على من يحتاج، بعض العاملين ولا سيما في اوقات الصيف الحارقة، أحسن هدية تهدي إليه قنينة ماء بارد، هذا يعدها شيئًا عظيماً.
خلي هذا الأمر أنت تعطيه وياه باسم الحسين عليه السلام، باسم أبي الفضل العباس، باسم أصحاب الحسين، هذا يربط هؤلاء بالامام صلوات الله وسلامه ولو بهذا المقدار! فذلك كل يوم لنفترض بهالمقدار البسيط اللي ما يكلف الإنسان شيء، اكو بعض الأمور تحتاج إلى أموال طائلة قد لا يستطيعها الإنسان، ولكن بعض القضايا ما تحتاج إلى هذا الأمر، وإنما تحتاج إلى شيء من التفكير والإقدام على ذلك.
سقي الناس، سقي المحتاجين، الماء على حب الحسين وباسم الحسين عليه السلام، ولا سيما في أوقات الصيف، ولو أن إنسانًا فكر في مثل هذا الأمر أنه أنا لنفترض في كل شهر أوزع ٣٠ قنينة، وفي السنة ٣٦٠ بهالمقدار هذا عندي قدرة مالية، إذا عندي أكثر وأقدر أسوي زين، بس لو حتى بهذا المقدار سويت على مدار السنة وقرنت ذلك باسم الحسين عليه السلام، هذا العمل مني في سبيل الله واحد، مودة قربى اثنين، ثلاثة أيضا تعريف من لا يعرف الحسين عليه السلام بالحسين وانه أثره إلى اليوم ساري وماشي.
بعض المؤمنين في بلاد أخرى يقومون بحفر آبار في الأماكن البعيدة التي تحتاج إلى المياه المتوفرة. قسم في هذه البلاد من العالم الحمد لله نحن هذا الأمر متوفر عندنا وهذه من نعم الله عز وجل علينا، لكن في أماكن أخرى قضية الماء أمر حياتي وأساسي وغير متوفر. بعض المؤمنين في بلدان أخرى يستقصون هذه الأماكن فيحفرون بئرًا بتكاليف ليست بالغالية، وفي نفس الوقت يعنون بعنوان أحد أصحاب الحسين، والغالب باسم أبي الفضل العباس عليه السلام باعتبار أنه ساقي عطاش كربلاء. هذه نماذج وأمثلة، وإلا شيء كثير من العناوين يمكن أن يقوم به الإنسان باسم الحسين وفي سبيل هذا الثائر العظيم صلوات الله وسلامه عليه.
الخاتمة: الارتباط بالحسين حصن الأجيال
لقد صدق الذي قال: كل ما عندنا هو من الحسين عليه السلام. عندنا الوعي غالبا تشكل؛ وعي أبنائنا، مجتمعنا في هذه المجالس. الكل يذكر منذ أن كان صغير السن وهو يحضر في مجالس الحسين باصطحاب أبيه إياه، والآن هو يحضر فيها ويحضر أيضا أبنائه، والمرأة تحضر بناتها وبناتها، وهذا الوعي والمعرفة الدينية والالتصاق بالإيمان العامل الكبير فيه هو الارتباط بالحسين عليه السلام. أي وقت شفت واحد انفصل عن هذا الركب الحسيني فتخوف عليه الانحراف والإنزلاق! ايش ما تقدر تربط ابنك وتربطين ابنتك بهذه المجالس وهذه العزاءات وهذه المواكب وهذه الأعمال الصالحه فافعلوا ذلك؛ لأنه في مصلحة تربيتهم وأيمانهم.
الروح اللي يستشعرها الإنسان المؤمن من المجلس الحسيني وقصة الحسين هي روح عظيمة، روح إنسان عانى كل تلك المعاناة من أجل هذا الدين وفي سبيل الله.