الموقف الرسالي في مسألة الإدماء والتطبير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة في التوجيهات العملية والموقف الرسالي تجاه الاختلاف
قَالَ اللَّهُ الْعَظِيمُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ:
? {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: ١٠٣].
وَنَقَلَ شَيْخُنَا الْمُفِيدُ -أَعْلَى اللَّهُ مَقَامَهُ- فِي كِتَابِهِ الْغَيْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ وَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، مَا هَذَا الْحَبْلُ وَمَنْ هَذَا الْحَبْلُ؟ فَأَطْرَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَأَشَارَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «هَذَا حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ فِي دُنْيَاهُ وَلَمْ يَضِلَّ فِي أُخْرَاهُ».
صَدَقَ سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
حديثنا في هذه الليلة يتناول إرشادات في الموقف العملي المطلوب من المؤمنين في القضية التي تحدثنا عنها في ليلتين ماضيتين وبيناها، وهي قضية التطبير والأدماء. بينا في ليلتين أولا أدلة المجوزين والقائلين بالإدماء والجرح في عزاء الحسين والمعروف شعبيا بالاستحباب، ثم بينا أدلة المانعين والقائلين بعدم المشروعية وبعدم الجواز، وكنا كما ذكرنا فقط في صدد بيان أدلة الفريقين، لم نكن في صدد بيان تغليب فريق على آخر ولا اختيار رأي من الرأي ولا مناقشة كل استدلال بما يرد عليه أو ينقضه، سواء كان في جهة المنع أو في جهة المشروعية والاستحباب.
هذه الليلة نتناول بعض الملاحظات والإرشادات النافعة كما نعتقد في الموقف العملي الذي ينبغي أن يقفه المؤمنون عامة، وقد زينا الحديث بالآية المباركة: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وما ورد من الأحاديث الكثيرة في تفسير من هو حبل الله وما هو حبل الله، وأوردنا من ذلك شاهدا واحدا مرويا عن رسول الله محمد، وكأن الآية المباركة والحديث الشريف يقول لجميع المؤمنين بهذا الحبل -جميع شيعة علي بن أبي طالب- إن المفروض فيكم ما دمتم تتمسكون بهذا أن تكونوا أقرب إلى الوفاق والتسالم والتواصل والتباذل، وأن لا يكون هناك شيء مهما كان من مسألة فكرية أو مسألة فقهية داعيا إلى نشوب الاختلاف الاجتماعي.
نعم، من الممكن أن يكون هناك اختلاف نظري فكري فقهي بحسب الأدلة، لكن لا ينبغي أن يكون هناك خلاف اجتماعي وتدابر بين المؤمنين ومواقف غير مبررة بعضهم لبعض. فاولا نتحدث في هذا الجانب عن بعض التوجيهات والنصائح التي تنفع في هذا.
١. طبيعة الاجتهاد المتجدد وحتمية الاختلاف الفقهي
أولا: هذا الاختلاف الفقهي والفكري كان وهو موجود وسيبقى إلى الأخير. إذا كان إنسان يتصور أنه ليش ما يتفقوا العلماء على رأي واحد، ليش ما يقولوا فتوى واحدة ويتفق عليها شيعة أهل البيت؟ أما مثلا يحرمون هذا العمل أو يحللونه ويبيحونه، لماذا لا تحصل الوحدة؟ هذا وهم وهذا طلب لما لم يكن ولن يكون. ليش؟ هذه ضريبه الاجتهاد المتجدد والدائم اللي تميز به التشيع، ضريبة الحرية الفكرية والفقهية التي توفرت للفقهاء.
غيرنا لا مشكلة لديه في هذا؛ قال لك خلاص، المذاهب هي هكذا من سنة ٣٦١، مذاهب أربعة، فتاوى ثابتة، أي واحد يجي بعد هؤلاء ما له أي حق يخرج عن هذا، انتهى الموضوع، نظام لازم يكون نظام. طيب، الاجتهاد وين؟ قلع تقليع الاجتهاد! سكر باب الاجتهاد، الحرية الفكرية للفقهاء كذا لازم تسكت، أنت تشتغل بروحك لروحك ما يخالف، أما تقول هذا الراي ذاك الراي لغيرك لا، ممنوع رسميا ونظاما.
التشيع ما قال هكذا؛ التشيع قال: ليس السابقون بأولى من اللاحقين في فهم الأحكام الشرعية، بل ربما بما توفر من الوسائل والكتب وعثر على المصادر التي لم تكن عند بعض المتقدمين، قد يكون هذا المتأخر أكثر علما، أكثر اطلاعا على المصادر في تلك الأزمنة. ربما الفقيه عنده ٤، ٥، ١٠ كتب، ٢٠ كتاب، طيب اليوم مئات الكتب عند العلماء موجودة، ونضج البحث الفقهي والبحث العقائدي، وأوردت الإشكالات وردت، وتطور الذهن البشري، الحجم العلمي اليوم الموجود أكبر بكثير مما كان في تلك الأزمنة.
فأي حق يكون لمن كان قبل ١٠٠٠ سنة في أن يعطي رأيا، ولا يكون لمن كان قبل ١٠٠ سنة أو ٥٠ سنة أن يعطي رأيا ما دام مجتهدا وفقيها ومطلعا على هذه الروايات ولديه آلة الاجتهاد وأساليبه وادواته؟ ما الذي يميز ذاك؟ ذاك يعطي رأي في الفقه في العقائد مع قله المصادر التي كانت لديه، وأن الحجم العلمي الموجود في الساحة آنذاك أقل مما هو عليه في الأزمنة المتاخرة، بينما لا يحق لفقيه مجتهد في هذه الأزمنة اللي بيده الوسائل، بيده الكتب اللي عثر عليها متفرقة في مكتبات العالم الإسلامي وتوفرت بيد الفقهاء الآن، لماذا لا يستطيع أن يفتي؟
فما دام يستطيع يفتي، وهذا يعني أن باب الاجتهاد مفتوح، وهذه مسألة تبقى مسألة يحق لكل واحد أن يجتهد فيها. فتوقع أن مو الكل -هذا مو مصنع استكانات كله يطلع استكانه بنفس المقياس وبنفس السعة- لا، هذه آراء، أفكار، هذه اجتهادات. نعم، بعض الأشخاص قد لا يكون لديه عدة الاجتهاد ولا عدته وليس فقيها بحسب المعنى الحقيقي، لا، هذا ما نتكلم عنه، وإنما نتكلم عن الفقهاء المتمكنين الذين بلغوا درجة الاجتهاد.
ما دام هالشكل أبشر بالخير؛ ذكرنا في ليلة مضت أنه من سنة ١٤٣٧ هجرية إلى يومنا هذا (أو نحو ذلك من القرون) حوالي ٧٠ رسالة في هذه المسألة من علماء وفقهاء، وكل واحد ياتي برأي ويرد على الرأي الآخر ويناقشه، ذاك يجي واحد آخر ينقض ما بناه هذا، وعلى هالمعدل، فأن يطمع إنسان فد يوم من الأيام إلى أن هذا أمر خلاص لابد أن ينتهي وكذا، هذا طمع في غير محله وطموح لا يتحقق إلا إذا سكرنا باب الاجتهاد وألزمنا كل الفقهاء أن يفتوا على منهج واحد، وهذا ما أحد يقدر يسويه؛ لأن كل فقيه بالنسبة إلى الفقيه الثاني هو نائب عن الإمام المعصوم عجل الله تعالى فرجه الشريف.
نعم، من الممكن وهذا قابل لأن يتحقق إذا تفهم شيعة أهل البيت وأتباعهم أن الاختلاف الفقهي في مسألة لا يوجب أن يكون هناك خلاف اجتماعي على الساحه، وأن كل إنسان مسؤول عن فتوى مرجعه، ما له شغل أن الآخرين ماذا يصنعون.
إذا وصلنا إلى هذا -إلى هذه الفكره وهذه الممارسة- حتى لو صار هناك اختلاف في هذه المسألة أو تلك ما في مشكلة. الآن، هل رايت مثلا أن في المجتمع اكو نزاع بين اتباع القائلين بمسألة كثير السفر؟ اكو بعض العلماء ما عندهم هذا العنوان أصلا، ماكو عنوان كثير السفر ما موجود، اكو بعضهم يقول لا، موجود عنوان كثير السفر وهو الذي يتم في كل سفر يسافره. في نفس هذول اللي يقولون اكو هناك من يختلف مع الآخر في عدد السفرات والمُدَد التي تحقق كثير وكثره السفر، زين، هل شفت مثلا أناس يتعاركون ويا بعضهم وواحد يهاجم الثاني ليش هذول جماعة كثرة السفر وذول جماعة اللي ما لا يقولون بكثره السفر؟ ما شفنا هذا، مما يعني أن هذا الأمر اختلاف فقهي، هذا الذي يقلد شخصا لا يقول بكثرة السفر يعمل على طبقه، وذاك الذي يقلد مرجعا يقول بكثرة السفر يعمل على طبقه، ما شفنا مثلا خلاف اجتماعي في هذا الأمر.
مسائل كثيرة، هناك قائلون بحرمة الشطرنج بما هو شطرنج، سواء كان على الطاولة، سواء كان ما أدري في الكمبيوتر، سواء كان برهان، سواء كان بغير الرهان، لما انتهى إليهم من الأدلة عن تحريم هذا الأمر، وهناك آخرون يقولون لا، تحريم الشطرنج هو ضمن ظرف معين رواياته أما هي غير تامة أو غير مطلقة ناظرة إلى الأزمنة المختلفة، وإنما هي ناظره مثلا إذا لعب عن طريق القمار وما شابه ذلك. اكو عند علمائنا من يحلل الشطرنج، واكو علماء عندنا يحرمون ذلك. هل رايتم مثلا جماعة -أول ما يصير موسم من المواسم- مقالات، هذا مقال يطعن في ذاك الذي يحرم الشطرنج، وذاك عنده مقال يطعن في الذي يحلل الشطرنج؟ ما شفنا هذا!
مما يعني أن إمكان عدم تحول الاختلاف والخلاف الفقهي بل العقائدي من الممكن ألا يتحول إلى اختلاف اجتماعي ومواجهات اجتماعيه بين الناس، هذا ممكن، هذان مثالان والأمثلة بالعشرات في الاختلاف في هذه الأمور. لما لا يكون موضوع الادماء والتطبير والجرح من هذا النوع؟ هذا اختلاف في النتيجة الفقهية باعتبار أن كل واحد من العلماء يعتمد مقدمات وادله تختلف عما يعتمده العالم الآخر، فليختلف، يبقى فوق تحت، لا يتحول هذا إلى نزاع اجتماعي، لا يتحول هذا إلى تهاج، يتحول هذا إلى شغل في التفرقة. أول ما يصير موسم محرم، تحمل ماكينة، فتبدا تشوف شلون في وسائل التواصل الاجتماعي ومقالات وربما حتى في بعض الخطابات لا سمح الله، وهذا يعارض ذاك ويخالفه وهكذا.
٢. لمن يوجه الخطاب في مسائل الخلاف؟
طيب، أنت من تخاطب؟ هذه هي النقطه الثانية؛ لمن تخاطب عندما تقول إن هذا الرأي هو الرأي الصحيح وأن هذا يجب أن يلتزم به؟ إذا توجهه إلى من يقلد من تقلده، فهذا تحصيل حاصل؛ أنت لنفترض واحد من القائلين بمشروعية ذلك وبالاستحباب، إذا تخاطب واحد من المقلدين لنفس مرجعك، ما سويت شيء، لأن هذا قبلك يمكن يؤمن بمشروعيته وباستحبابه، سواء كان يفعل هذه الممارسة أو لا يفعلها، هو مؤمن بذلك باعتبار أنه يقلد الفقيه الذي تقلده أنت وهو يفتي بالاستحباب. وإذا أنت تقلد فقيقا يقول بأن هذا غير مشروع وغير جائز وتخاطب ذاك أيضا الذي يقلد نفس الفقيه ويقول بانه هذا غير جائز، هذا أيضا تحصيل حاصل، لأنه أما قبلك هو مؤمن بذلك، حينما قلد هذا العالم المعين الذي يفتي بعدم مشروعية هذا الفعل، عرف أن من مسائله عدم مشروعية هذا الأمر فهو يقلده. من يتوقع أن يروح هو ويمارس الممارسه ويعصي مرجعه وفتواه ويعتبر هذا فعلا أمرا غير جائز شرعا؟
فأنت إذا متفق وياه في التقليد، فلا معنى لان تخاطبه بهذا الخطاب لأنه هو مثلك. لا، أنت تقلد من يقول بالاستحباب وتخاطب ذاك الطرف الثاني؟ ذاك الطرف الثاني لا معنى لخطابك إياه، ليش؟ لأنه يقلد مرجعا يقول هذا حرام، فمو معقول بيترك قول وفتوى مرجعه لأنك كتبت في مقال: هذا مو زين، وهذا جائز، وهذا مشروع، وهذا كذا، وهذا كذا. ما راح يترك رأي وقول وفتوى مرجعه لأجل أنه مثلا سمع خطيبا يخالف رأي مرجعه، أو قرأ مقالا! ليس معقولا التزامه بهذا المرجع -يعني قبوله فتاواه وتطبيقه إياها- فما راح يترك فتوى مرجعه لأجل مقاله أنت كتبتها وهي تخالف فتوى وقول مرجع.
والعكس أيضا صحيح؛ أنت لما تجي مثلا وتقول إنه هذا حرام وما يجوز وما أدري كذا وفيه اضرار للمجتمع وفيه توهين للمذهب والى آخره، تخاطب من؟ تخاطب ذاك الشخص الذي يقلد مرجعا يقول لا، بالعكس، هذا مستحب وهذا فيه دعاية للمذهب، وهذا يشوف الناس أن شيعة أهل البيت حاضرين أن يضحون بدماء، أن يضحوا بدمائهم في سبيل الحسين. ذاك عنده أصلا سرديه ومقدمات مختلفه معاك ويقلد مرجعا يقول بخلاف ما أنت تقوله، فليس معقولا أن تطلب منه أيضا أن يترك فتوى مرجعه لكي يأتيك.
الاختلاف في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل كان وهو موجود وسيبقى، ما في يوم أنت راح تدركه أن المسألة كلها تصير واحدة على راي واحد إلا عندما يقوم قائم آل محمد. إلى ذلك اليوم لازم الإنسان يتعايش، وهذه كما قلنا ضريبة صفة عظيمة من صفات التشيع والمذهب.
إش قد حاولوا يخضعوا مذهب أهل البيت في أن يكون له راي واحد، ما يقبل أبدًا! إذا كان يريد يخضع فيها ويقول أن حبل المسألة الفقهية وذيك المسألة الفقهية خلي يخضع من الأساس، يقول علي بن أبي طالب هو الله المتين، مو هو علي بن أبي طالب وحده، وإنما اكو هناك حبال كثيرة من ذاك اليوم خلاص، الشيعه تنتهي عندها كل هالمسائل، بين ما تمسكتم بهما وبين حسبنا كتاب الله من البدايه لو يقولوا هالحكاية ما عندهم أي مشكلة في أي قضية.
لكن لما الشيعة والتشيع قال: لا، بهما -مو به يعني بالقران- لما قال وطاعتنا نظاما للملّة، وإمامتنا أمان من الفرقة، لما قال حبل الله المتين كما في دعاء الندبة: حبل الله المتين وصراطه المستقيم لم يسبق بقرابه من رحم ولا بسابقه في دين يحذو حذو النبي، هذا هو المفصل من هناك، مو المسئلة في آخر المشوار هالمسئلة ولا ذيك المسئلة في الصلاة ولا في المعاملات ولا في الحج ولا في الشعائر الحسينية، هذه ضريبة أن التشيع فاتح باب الاجتهاد، أن التشيع لا يخضع لنظام سلطوي يجعل فتاواه وما هو عليه من الأمر ضمن مسطرة هذا السلطان أو الحاكم. حرية! اكو هناك كما أنت تجتهد، غيرك إذا كان عنده قدرة وإمكانية أيضا يجتهد، قد يتفق معك وقد يختلف معك، قد يتفق معك في باب يختلف معك في أبواب آخر، هذا أمر ثاني.
٣. حدود التقليد وحرمة التهاجي والتنابذ بالألقاب
الأمر الثالث وهو مهم جدا: ماذا يعني أن يقلد الإنسان مرجعا؟
أنا أقلد مرجعا مثلا يقول باستحباب ومشروعية هذه الممارسة الحسينية، وأنت تقلد مرجعا يقول إن هذه الممارسة الحسينية غير مشروعة وغير جائزة. ماذا يعني أن أقلد مرجعي وأنت تقلد مرجعك؟ معناه أن أنا ألتزم بفتوى مرجعي، ولكن ما يحق لي في أن أَلْزِمك أنت مقلد المرجع الآخر بفتوى مرجعي! ما يحق لي أن أُلزِمك بأنك -وأنت تقلد مرجعا آخر- لا، لازم في هالموضوع تشتغل على فتوى مرجعي، لا معنى أن يكون التقليد هكذا. أنت تقلد مرجعك ولا تلزم غيرك بفتاواه إذا كان يقلد مرجعا آخر، وذاك أيضا معنى تقليده لمرجعه أن يلتزم هو بفتاواه وأن يطبقها ولا حق له في إلزامك بفتوى مرجعه.
أنا أقلد مرجعا مثلا يمنع من ذلك، يقول هذا حرام، معنى تقليدي لله لازم أنا ألتزم ما أسوي، حتى لو كنت أرغب في هذا الأمر، حتى لو كان ياخذني الحماس، ما يجوز إلي، ليش؟ لأن هذا يقول هذا محرم، هذه فتوى مرجعي. لكن هل لي الحق أنه أنا أجي وأقول لك: أنت ولو تقلد مرجع آخر، لكن لازم أيضا تمتنع عن ذلك؟ لا، لا حق لي في ذلك، والعكس صحيح!
نعم، قد ينطبق عنوان آخر من العناوين التي تمنع -وهذا موجود حتى في الأنظمة الوضعية- يقول لك هذا العمل عمل مدان، مجرم شرعا، كذا كذا، إلى آخره، حتى لو أنت تؤمن باستحبابه ومشروعيته، لكن عليه عقوبه وضعية من خلال النظام الموجود في مجتمع، من خلال السلطة القائمة تمنع مثل هذه الأمور. في الغرب مثلا يقول لك: إذا تسوق قرصة إلى ابنك أو بنتك الصغيره من الممكن أن تعاقب عليها، فكيف إذا مثلا تساعد على جرحه؟ هذه يعتبرونها من الكبائر ويجرجروك إلى المحاكمة والسجن! هذا عنوان آخر. وكذلك لو كان هناك أيضا فقهاء مبسوطو اليد وحكموا بعدم ممارسه هذا الأمر في العلن، ينبغي الالتزام بذلك.
لكن موضوع التقليد مختلف؛ أنا إنسان أقلد مرجعا معينا، هذا التقليد يلزمني بالعمل على طبق فتواه إباحة استحبابا أو منعا وتحريما، ولا يتيح لي هذا التقليد أن أمنع الآخرين الذين لا يقلدون مرجعي من ممارسه التزامهم بفتوى مرجعهم، أعطيهم هذه المساحة، بل وأعذرهم في ذلك. ليش أنت ما تطبر؟ أنا لأنه إنسان أقلد المرجع الذي يحرم ذلك. لا، مو هالشكل، لا، هو هذا علامة تدين منه، علامة تدين أنه يلتزم بفتوى مرجعه، حتى لو هو يحب هذا وقسم من الناس من الناحية النفسية يحب القيام بهذا الأمر، لكن مرجعه لا يسمح، يحرم. التزامه بهذا على خلاف رغبة نفسه يعني أنه ماذا؟ أنه إنسان متدين وملتزم بذلك.
ونفس الكلام لو أن شخصا قلد مرجعا وجاء شخص ونهاه عن ذلك، لكنه لأجل الالتزام بفتوى مرجعه مارس هذا، يتبين أنه متدين لا يعمل على وفق رغباته وإنما يعمل على وفق فتاوى مرجعه وعلى وفق ما يراه أنه الدين.
ومن ذلك ينبغي أن يلتفت المؤمنون إلى أن التهاجي بالكلمات مع الاختلاف في التوجهات ليس من الإيمان في قريب ولا بعيد. يعني أنا مثلا أقلد مرجعا يقول بالاستحباب، أقول: هذول اللي يفتون بالتحريم هؤلاء أمويون، هؤلاء نواصب، هؤلاء لا يفقهون من الدين شيئا! ستكتب شهادتهم ويسألون يوم القيامة، يجيبونه: يقول شنو هذا، كيف تتهم فقهاء من الطائفة بانهم نواصب، بأنهم أمويون، بأنهم ليسوا أصلا فقهاء مع أنه اختلفوا في هذه المسألة معك؟ نفس هذا لو كان متفقا معه في هذه المسألة لا يصير هذا حبيبنا، مظاهر الأسدي الذي صار!
والعكس صحيح أيضا؛ أن ياتي شخص ممن يقلد مرجعا يقول بالمشروعية وبالاستحباب، وياتيه شخص ممن يقلد مرجعا يقول بعدم جواز ذلك، فيأتي يقول: هؤلاء الذين يجوزون هذه الممارسات الوحشية والخرافية والقادمة من الاستعمار وإلى آخره! يابا، شلون هذا الكلام؟ هذا عندما أفتى بالجواز وأفتى بالاستحباب عنده مقدمات أدلة، الك ما تلزمك، ولكن له تلزمه في ذلك، شلون صار أناس خرافيون وأسطوريون ومن عملاء الاستعمار ومن ما أدري كذا واللي أمر به هو الاستعمار البريطاني؟ إيش هالكلمات هذه؟
الحمد لله أن هذا على مستوى العلماء لا يكون، ولكن قسم من المتحمسين من مقلدي الفقيهين والفريقين أحيانا يجر لسانه إلى هالمقدار، هذا أيضا ستكتب شهادتهم ويسألون! أنت تتهم فقهاء الطائفة، قسم منهم أفنوا زمانا كبيرا من عمرهم في بحث روايات أهل البيت، انحنت ظهورهم على الكتب والمصادر، تجي تقول هذه نواصب، وهذولاك خرافيون، وهذول ما أدري لا يفقهون من الدين شيئا، وذولاك ما أدري يريدون تضليل الناس وأنهم اتباع للعوام! هذا كلام ينبغي أن يصدر من المؤمنين لاسيما من الواعين.
نعم، هناك في الطائفة وفي المذهب من يقوم بهذا الأمر لحماسه وجهله. مشكلة الإنسان الحماس زين، ولكن الحماس مع الوعي ممتاز؛ أنت عندك حماس إلى فكرة مرجعك ورايه، تعال انشر بشكل هادئ بين أدلة هذا الفقيه، انشرها، هذا ما في مانع، هذا يزيد حجم العلم، هذا يزيد في الوعي، حتى كل الناس يفهمون ما هو دليل هذا وما هو دليل ذاك، لماذا يقول هذا المرجع بهذا الراي ولماذا يقول ذلك المرجع بالراي الآخر؟ هذا شيء حسن.
لكن إذا تحول إلى مهاترات، إذا تحول إلى سباب، إذا تحول إلى تهجم، هذا الإنسان لابد أن يحضر لله جوابا يوم القيامة على ما قال وعلى ما نشر. احنا عندنا واحد إذا اغتاب شخصا في أمر بسيط كان يقول هذا إنسان غضوب لازم يقدم يوم القيامة ملف جواب: لماذا اغتبت هذا، على أي أساس؟ فكيف مثل هذه الكلمات الصعبه والخشنة؟ هذا المحاسبة هناك ستكون أكبر.
سيستغل المخالفون للمذهب مثل هذا الامر الاستغلال الكبير، يوجروا هذه النار ويسعروا هذه الفتنه، وهذا ثابت الآن -يعني عملا الآن يتحدثون عن فرق تشتغل على الشبكات، تشتغل على الانترنت، يدخلون جيش، يتحدثون عن جيوش كل فئة معادية للدين والمذهب لهم جيوش من الفاعلين الإلكترونيين- وهذول يدخلون بعشرات الأسماء، يدخل هالصوب ويذم في هذا، ويدخل ذاك الصوب ويذم في الشخص الآخر. الغرض منه ماذا؟ هو القاء التفرقه بين أبناء المذهب الواحد!
وأنا أجي باعتباري متحمس أنشر كلام هذا العدو للاثنين، هو عدو لكل اتباع المذهب، ولكن لأنه صوب اليمين يوافقني أنشره، أنت تجي لا سمح الله صوب الشمال لأنه يوافقك وتنشر ذاك، والنتيجة أنه أنا لا أقبلك وانت لا تقبلني، ويتسعر هذا الخلاف ويتوارث.
أقول واكرر: كخلاف فقهي لا نطمع يوما من الأيام في انتهائه، كسائر المسائل! بدا من زمان شيخ الطائفة الطوسي، كتاب النهاية في مجرد الفتاوى رسالة عملية للشيخ الطوسي متوفى ٤٦٠ هجرية، ربما ألف هذه مثلا في ٤٥٠ أو نحو ذلك (يعني الآن ١٠٠٠ سنة رسالة عملية فيها تفاصيل المسائل الفقهية). زين، إذا احنا كنا نتوقع أن كل النتائج واحدة، ليش يجي فقهاء فيما بعد؟ وليش تطبع رسائل عملية؟ وليش تطبع دورات استدلالية؟ وليش بحوث الخارج؟ وليش حوزات علمية؟ ذاك موجود، كتاب النهاية للشيخ الطوسي كرروه وطبعوه من جديد وخلوا الناس يمشون عليه، ما ممكن هذا!
في العقائد تفاصيلها سيبقى الاختلاف موجودا، والاختلاف هذا دلالة حيوية. في المسائل الفقهية سيبقى الاختلاف موجودا وهذا دليل حيوية. الشيء اللي مو زين ودليل سوء هو تحول هذا الاختلاف الفقهي والفكري إلى نزاع اجتماعي وإلى عداوات بينية، هذا هو الذي احنا نقدر نمنعه ويصير، لأننا المفروض نتمسك بحبل الله المتين.
علي واهل بيته الطاهرين من آل محمد طفا على السطح شعار: الحسين يجمعنا، وهذا فعلا من أروع الشعارات لو كان يتم الالتزام به. الحسين يجمع كل البشر المفروض إلى الخير وإلى الدين وإلى الإيمان وإلى العقيدة، فنحن أولياؤه وأحبابه والمؤمنون به أولى بان نجتمع.
موكب اللطم إذا صار كلنا نلطم فيه، إذا صار موكب الإدماء أنت تقلد مرجع يقول لا، توكل على الله، أنا أقلد مرجع يقول نعم، أسوي اللي أريده؛ لا أنا أعيبك على انسحابك، ولا أنت تتهجم علي على قيامي بهذا الأمر، أنك متدين تتبع فقيهك، والفرض أن أنا متدين أتبع فقيهي في هذه المسألة يختلفان، كل واحد يعمل على طبق رأي مرجعه وفتوى مقلده. هذا المفروض أن يكون فيما هو جامع، وهو ٩٠ أو ٩٥% من المسائل والقضايا إن لم يكن أكثر من ذلك. الحسين يجمعنا! هسه في هذا التفصيل البسيط على أثر اختلاف الاجتهاد لا ينبغي أن يكون هذا عنصرا مفرقا للمجتمع وللمؤمنين في قضاياهم.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن على هذه الطائفة بمزيد من الوعي والوعي، وحدة والانسجام؛ لأنهم يتبعون هذه العترة الطاهرة التي تنهل من رسول الله صلى الله عليه وآله. احنا لما نجي نشوف الأئمة عليهم السلام اخذوا علم رسول الله، وعلي هو باب مدينة علمه، وفي بعض الروايات: فمن أتى المدينة من غير بابها عد سارقا. أنت لما تجي من الباب تدخل البيت ضيف على العين والراس، لكن لو واحد تسور ما اجا من الباب، أول نظرة إليه ينظر إليه أنه هذا سارق، حتى لو فعلا ما كان نظره ذلك، لكن هذا المظهر العام ماله يعطي أنه سارق.
أهل البيت عليهم السلام ليس الإمام عليا وحده فقط، وإنما سائر الأئمة أيضا كذلك، ولكن سيدهم وشاخصهم وأبوهم علي عليه السلام، باقي أهل البيت عليهم السلام فيهم نقاط مشتركة كثيرة، لكن الوراثه العلمية ووراثه المنصب هي للأئمة. تلاحظ أبناء الحسين عليه السلام: علي السجاد، وارث آدم، وارث نوح، وارث عيسى، وارث إبراهيم، وارث موسى، وارث أمير المؤمنين، وارث رسول الله، وارث أبيه الحسين؛ لأنه إمام.
علي الأكبر ليس كذلك، ولكنه شبيه برسول الله صلى الله عليه وآله، شبيه النبي بأبي هو وأمي، لم تر عين نظرت مثله من محتف يمشي ومن ناعل. أعني ابن ليلى ذا السدى والندى، أعني ابن بنت الحسب الفاضل، لا يؤثر الدنيا على دينه، شبيه النبي يقدم الحق على الباطل، ولا يركن إلى الدنيا، لا يؤثر الدنيا على دينه ولا يبيع الحق بالباطل، يغلي بني اللحم حتى إذا أنضج لم يغلى على الآكل، وبذلك شابه الكرام في أخلاقهم وفي توجهاتهم وفي طليعة أولئك رسول الله صلى الله عليه وآله. شابهه علي الأكبر بما أفاد الحسين عليه السلام من الكلام فيه عندما جاء مستأذنا للقتال، فأرخى الحسين عينيه بالدموع وبكى، وعندئذ علم علي الأكبر أن تلك رخصة للقتال، فانطلق إلى القوم تشيعه دعوات أبيه وأم أبيه وأحزان أبيه:
«اللهم اشهد عليهم، فقد برز إليهم أشبه الناس خلقا وخلقا ومنطقا برسولك، وكنا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيك نظرنا إليه».
الحسين هو شبيه رسول الله، بس يقول إذا نريد نشوف واحد أكثر الناس شبه ننظر إلى علي الأكبر، هذا صورة رسول الله في يوم عاشوراء. وكنا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيك نظرنا إليه، اللهم اشهد عليهم، فرقهم تفريقا، مزقهم تمزيقا! قلب موجوع بأبي وأمي الحسين، يطلع هذا الدعاء من أعماق قلبه حرارة وحزنا: «اللهم فرقهم تفريقا، مزقهم تمزيقا، اجعلهم طرائق قددا، لا ترضي الولاه عنهم أبدا! ليش؟ لأنهم دعونا لينصروننا ثم عدوا علينا يقاتلوننا».
ثم قال الحسين: «يا عمر بن سعد، قطع الله رحماك كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله». علي يقاتل القوم وينادي:
أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ ... نَحْنُ وَبَيْتِ اللَّهِ أَوْلَى بِالنَّبِيّ ت اللَّهِ لَا يَحْكُمُ فِينَا ابْنُ الدَّعِيّ
بينما هو كذلك وإذا بالعبدي -لعنه الله عليه- ضرب عليا على رأسه.