البكاء واللطم على الحسين (عليه السلام): مشروعيته وآثاره
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ.
رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) أَنَّهُ قَالَ:
«وَلَقَدْ شَقَقْنَا الْفَاطِمِيَّاتُ الْجُيُوبَ وَلَطَمْنَا الْخُدُودَ عَلَى الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى مِثْلِهِ تُلْطَمُ الْخُدُُودُ وَتُشَقُّ الْجُيُوبُ».
مشروعية البكاء وأدلته
يتناول حديثنا هذه الليلة مفردتي البكاء على الحسين واللطم على أبي عبد الله عليه السلام، مشروعية ذلك، والأئمة المثارة حول هاتين الممارستين ضمن الحديث عن بعض القضايا المرتبطة بالموسم الحسيني.
موضوع الفقيد حزناً يفترض أن لا يناقش فيه، ليش؟ لأن هذه من الحالات الإنسانية التي قد لا يستطيع الشارع المنع عنها. الشارع المقدس لا يمنع عن الأمور التي هي شيء فطري في الإنسان، مثل الفرح؛ لا يستطيع الشارع أن يمنع الفرح بوجه مطلق والسرور، ليش؟ لأن هذه حالة إنسانية لها مسببات، لها مقدمات، متى ما حصلت يسر الإنسان، يفرح الإنسان، تظهر آثار الفرح والسرور عليه، عندما يسمع خبراً طيباً، جده مثلاً علاوة ضخمة ما كان يتوقعها، القليل من الناس الذي يقعد هالشكل لا يهتز في داخله، لا يتبسم في وجهه، لا يفرح في قلبه، لا يعبر عن هذا الفرح، إلا أن يكون جداراً!
كذلك في حالات الحزن، يفقد عزيزاً من أعزته على حين غرة، يغمره عندئذ شعور بالحزن لأجل الفقد، هذا يكون مبدأه من القلب، ينتقل إلى العين دموعاً، يعبر بذلك، يعبر عن ذلك باللسان في صورة شعر، في صورة نثر، في صورة كلام يبين أنه متأسف حزين. وهذا مو بالمسلمين فقط، كل البشر هم هكذا. ولذلك لا يمنع الشارع المقدس عن مثل هذه الحالات، نعم، يمكن أن يحدد جهات المقدمة مالته؛ يقول لك: لا تفرح لأن غيرك سقط، لا تفرح هذا ليس سبباً للفرح، لا تفرح شماتة بأخيك المسلم هذه المقدمة غير جيدة، لا تحزن على طاغية هلك، هذا يقول لك هذا الأمر فيتدخل في بعض الأمور التي تشكل مقدمات، أما أصل القضية، أصل موضوع الفرح ينهى عنه؟ أصل موضوع الحزن ينهى عنه؟ هذا ليس من حكمة التشريع أن يصنع ذلك لأن هذه حالة طبيعية. نعم، يمكن أن يتحكم ويحدد مقدمات ذلك، فيقول لك: إذا أخوك المسلم، إذا أخوك الإنسان المسالم وقع في مشكلة، لا معنى للفرح بذلك الذي يدخل في جيبك حتى تفرح! وهكذا، إذا طاغية معادي الله عز وجل وقع في مصيبة، لماذا تحزن عليه؟ هذا يستحق يوم القيامة أضعاف هذا الأمر، فلا معنى للحزن عليه. ولكن ضمن الحالات العادية لا يمنع الشارع من ذلك.
فلذلك نحن نتعجب من بعض المسلمين عندما يتحفظون على أمر البكاء والحزن على الحسين عليه السلام، مع أنه يوجد في تراثنا الإسلامي إلى ما لا نهاية مما يرونه هم في أمر حزن سيد الخلائق محمد، وللقرخ برسول الله أسوة حسنة، من مصادر المدرسة الأخرى سوف نجد أن رسول الله حزن وبكى نشيجاً - وهي مرتبة متقدمة من البكاء - ونهى عن النهي عن البكاء، وهذا موجود في مصادر المدرسة الأخرى.
بكاء النبي (صلى الله عليه وآله) على رجالات الإسلام وذويه
أما بكاؤه سلام الله عليه وصلوات الله عليه وعلى أهل بيته فتعدد كثرة، أنا أجي بس نماذج وإلا يطول بنا الحديث في هذا: بكى على رجال استشهدوا، وبكى على بعض أقاربه، وبكى لمرض بعض أصحابه، وهذا أمر غريب في نظر البعض!
فممن بكى عليه معروف: حمزة سيد الشهداء، عندما مثل به بعد شهادته أولاً، حرض على البكاء عليه عندما رجع إلى المدينة ورأى أن نساء الأنصار كل واحدة تبكي على ميتها، على أخيها، وعلى زوجها، وعلى أبيها، فتأسف رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: «لكن حمزة لا بواكي له». ليش لا بواكي له؟ لأن أهله في مكة ما عنده أقارب هنا، أو لا بواكي له بما يستحق حمزة من البكاء العريض. فلما سمع مثل سعد بن معاذ ذلك من رسول الله وبعض زعماء الأنصار، اقسموا على نساء الأنصار ألا تبكي امرأة على ميتها حتى تبدأ بذكر حمزة وتبكي عليه! أي واحدة ما لازم تبكي على والدها، أخيها، زوجها، إلا بعد أن تذكر حمزة وتبكي عليه ثم تعطف بالبكاء على قريبها. المؤرخون الذين يذكرون هذا وتلك عادة أهل المدينة إلى يومنا هذا (يعني إلى يوم اللي أرخوه، وأنا سألت بعض أهل المدينة من شيعة أهل البيت عليهم السلام يقولون: إلى هذه الأزمنة أيضاً نفس الشيعة أو كذا لا بد أن يذكر حمزة أولاً ويبكى ثم بعد ذلك يبكى فقيدهم). فالنبي صلى الله عليه وآله يحرض على البكاء ويشجع على البكاء على حمزة من غير أقاربه من النساء أنه ابكوا على حمزة.
وهو صلوات الله عليه بكى عليه حتى نشيجه؛ النشيج مرتبة أعلى من البكاء، شايف الطفل لما يبكي فترة بدموع عينيه، بعدين يطلع صوته، بعدين كل شوية يتنهد ببكائه كأنه مخنوق، يقال: ينشج. الرواية ينقلها الواقدي، وينقلها أيضاً ابن هشام في سيرته، وهما ليس محسوبين على شيعة أهل البيت، ونقل ذلك عنهما غيرهم، أن النبي بعدما رجع المدينة بعد مقتل حمزة عليه السلام جاء إلى أخته صفية - صفية بنت عبد المطلب، أخت حمزة، وكانت شديدة العلاقة بأخيها حمزة - وكانت معه ابنتها فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، فلما راها أي صفية تبكي، بكى. فلما بكى هو بكت فاطمة عليها السلام، فلما بكت فاطمة كان النبي ينشج وتنشج صفية وتنشج فاطمة عليها السلام، يعني مثل واحد مختنق وكل شوية يطلع آهات ويطلع بكاء من داخل قلبه، النشيج مرحلة متقدمة عن البكاء، هذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وذاك فعله في الأمر بالبكاء عليه.
هذا بالنسبة إلى مثل حمزة، زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب لما استشهد في مؤتة أيضاً بكاهما رسول الله صلى الله عليه وآله حتى سأله بعضهم عن ذلك فكان يقول: «هما أخواي ومؤنساي فأنآ أبكي عليهما». هذا البكاء الله له مبرراته، له جهاته وتوجيهاته. هذا بالنسبة إلى زيد وجعفر بن أبي طالب كشهداء.
بكى على أقاربه: معروف أن إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله من مارية القبطية، لما توعك وأشرف على الموت، جاء رسول الله صلى الله عليه وآله إليه فكان ينظر إليه وتدمع عيناه، فلما قضى بكى رسول الله صلى الله عليه وآله. ذاك الوقت إبراهيم لعل عمره سنتين، لعل عمره، لعل عمره سنتان أو نحو ذلك، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله عليه. وكان بعض الأصحاب - هي بين قوسين اكو في البيئة العربية الصحراوية فكرة باطلة خاطئة وهي أن الرجال ما يبكي، اللي يبكي النساء، الرجال شديد حديد قوي ما يبكي، عواطفه صخر - فلما يشوفون النبي صلى الله عليه وآله يمارس غير ما هم عليه، وكان بعض أصحاب النبي هكذا يمنعون النساء حتى عن البكاء، وهذا مثبت في التاريخ. زين، فلما رأى بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أنه يبكي قالوا: ما هذا يا رسول الله؟ شنو هذا؟ يعني هذا على خلاف ما احنا متعلمينه من أنه مثلاً الرجال ما يبكي، ما يصيح حسب التعبير، هذا ضعف هذا كذا! فقال: «إنها رحمة». لا تتصورون هذا ضعف، هي رحمة، الله أرحم الراحمين وهذه رحمة من الإنسان. ثم قال: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون». لمحزونون، يعني طبيعة العين العادية السليمة لازم تدمع، إذا ما تدمع هذه عين زجاجية! القلب طبيعته أن يحزن، وإلا إذا ما يحزن هذا قلب تركيب وليس قلباً إنسانياً! إن العين - يعني العين الصحيحة، العين السليمة، العين المخلوقة لله - طبيعتها أن تدمع وأن تمارس هذا الشيء، والقلب أيضاً هو يحزن بطبيعته، وبالتالي إنا بك يا إبراهيم لمحزونون.
هذا بالنسبة إلى إبراهيم، بالنسبة إلى ابنته رقية؛ رقية توفيت في زمانه صلوات الله وسلامه عليه، فلما أنزلت إلى قبرها بكى رسول الله صلى الله عليه وآله، بكى النبي وبكت النساء معه، وجاء بعض أصحاب رسول الله يضرب النساء بالصوت ليسكتن فقال له: «دعهم يا هذا، دعهم يبكين». ليش أنت تصير هكذا؟ هذه حالة طبيعية في مثل هذه الحالات، ألا تمنع المرأة من البكاء على قريبها، على أختها، على حبيبها، على زوجها، على أبيها! فنهى من ينهى النساء عن البكاء. هذا بالنسبة إلى أقاربه.
أغرب من هذا مذكور هذا في مصادر المدرسة الأخرى، مو على موت واحد: مرض سعد بن عبادة؛ سعد بن عبادة معروف سيد الأنصار، كان في وقته لما قدمت قريش مرشحها للخلافة هو هم قدم نفسه قالوا ذاك الوقت دوسوه امنعوه إلى آخره قصة مطوله، فمرض سعد بن عبادة فزاره رسول الله صلى الله عليه وآله فلما غم عليه (يعني أخذته الإغماء وحسب أصحابه وأهل بيته أنه مات) فبكوا، بكى رسول الله صلى الله عليه وآله. الرسول يدري هذا ما مات، ولكن هي رحمة ورقة، فلم يمنع هؤلاء الجالسين الباكين بل هو أيضاً بكاه في عيادته. لا أقل هذا بحسب مصادر المدرسة الأخرى، لا نريد أن نقول أن هذه الرواية كلها بتفاصيلها صحيحة، ولكن لإلزام الطرف الآخر يمكن أن تكون نافعة.
هذا بالنسبة إلى ما ورد في مصادر المدرسة الأخرى، واما في مصادرنا فحدث ولا حرج! افتح لك كتاب كامل الزيارات، وقد ذكرنا ذلك في العشرة الثانية عند الحديث عن هذا الكتاب وما جاء فيه، فيه أنه السماوات والأرض وما يرى وما لا يرى والجن والانس والطير والوحش في الفلات كلها قد بكت على الحسين بن علي عليه السلام.
أصل البكاء إذاً على من يفقد من المؤمنين والمسلمين أمر مشروع دلت عليه سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله، يزداد هذا الأمر تأكيداً عندما يكون من مظاهر مودة قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله. أنا أبكي على الحسين وأود بذلك رسول الله، أواسي بذلك رسول الله الذي هو صلوات الله وسلامه عليه وعلى أهله بيته بكى هذا العظيم من أول أيام ولادته بما قد تواتر من طرق الفريقين في هذا الجانب، ولذلك فمن العجيب أن ينبعث بعض الناس من المتأخرين لكي يخالفوا هذه السنة الفطرية والسنة النبوية التي دلت عليها رواياتهم وروايات أهل البيت عليهم السلام.
شبهة "عذاب الميت ببكاء أهله" والرد عليها
نعم، بعض الأتباع الاتجاه الأموي بعدما رأوا أن البكاء على الحسين عليه السلام هو نوع اعتراض ونوع انتماء اليه واعتراض على ظالميه، فتشوا هنا وهناك وصاغوا لهم فكرة في حديث نسبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: إن النبي يقول: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه». ثبتوا هذا الحديث في مصادرهم. معنى الحديث ظاهر: أي انسان متوفى يبكي اهله عليه فانه يعذب، فمن الافضل للانسان المسلم المتوفى ألا يبكي عليه أحد لكي لا يحصل له ماذا؟ لا يحصل له العذاب!
زين، هذا الحديث لو نجي نعرضه على القرآن الكريم، هل أن من أسباب عذاب الإنسان في القيامة أن يبكي عليه آخرون في الدنيا؟ نحنا ندري مثلاً من أسباب العذاب: السرقة، سرقة الإنسان نفسه، ارتكابه للمعاصي، غير ذلك، إذا فعلها فانه في يوم القيامة يحاسب عليها ويعذب. لكن أنه يعذب لان واحد في الدنيا يبكي عليه؟ هذا لم يذكر لا في قرآن ولا لم يذكر في حديث، وهو على خلاف المقاييس والقواعد! القواعد تقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. واحد بكى في الدنيا ذاك اللي في الآخرة ميت يعذب لان فلان بكى عليه؟! طيب، هذا من الممكن أن يكون طريقاً للمتعادين لكي يجعلوا أعداءهم الذين توفوا في أسوأ درجات العذاب. أنا مثلاً عندي واحد عدو توفي، أظل أبكي عليه من الصبح إلى الليل و"أنه ليعذب في قبري"، وهذا معنى ذلك أني أنا أقدر أخليه يصلى نار جهنم ويكون في العذاب لأنني أبكي عليه يومين ثلاث ساعات إلى آخر عمري!
ماذا تفعلون بما صنعه رسول الله؟ هل يعذب حمزة لأن صفية بكت عليه، أو لأن رسول الله بكى عليه، أو علي، أو لأن الأنصار قد بكوا على حمزة بأمر رسول الله؟ أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، لأن فاطمة بكت، وهكذا! أنت ترى سائر من ذهبوا إلى هذا العالم الآخر تم البكاء عليهم من قبل النبي، من قبل أهل بيته، من قبل نفس أولئك - يعني هم يروون في مصادرهم أن زوجة النبي عائشة قد بكت على أبيها أبي بكر لما توفي، زين، هل معنى ذلك أنه سيعذب لأجل هذا البكاء؟ وهي أي عائشة ردت على من قال هذا الكلام وروي عنه بأنه: لا تزر وازرة وزرة أخرى، بل واضافت أن هذا وهم في الواقع، ما وهم الناقل وإنما صنع هذا.
كيف؟ قيل هنا في تفسير هذا الكلام: أن النبي صلى الله عليه وآله مر ذات يوم على جنازة يهودي وكان أهله يبكون عليه وينوحون، فقال - بحسب هذه الروايه التي هي من مصادرهم - فقال: «إنهم ليبكونه وانه ليعذب». يعني هذا يهودي أبى الإسلام، أبى الدين الصحيح، فمن حقه أن يعذب وهذول قاعدين أهله وأقاربهم يبكونه في هذه الدنيا! فماكو ارتباط بين البكاء وبين ذلك العذاب، العذاب لأجل أنه رفض الإيمان برسول الله ورسالته، والبكاء باعتبار أن هؤلاء أقاربه. وهذه جنازة يهودي، مو كل انسان، ولو كان المسلم مصدق لرسول الله، مؤمن بكتاب الله، فلا معنى لان يعذب إلا أن يكون قد فعل ما يوجب العذاب من المعاصي.
فهذا اللي جابوه وضعوه كعنوان معترض لكي لا يكون أمر البكاء على الصفوة الطاهرة سائغاً وشائعاً بزعم أن الإنسان اللي يبكي على واحد يعذب ذلك الواحد ببكائه عليه. وقد عرفت أن هذا الكلام مخالف للقرآن الكريم، مخالف للقواعد، مخالف للرواية الأخرى - كما نقلوها هم - يعني نفس هذا الحديث يعارضه حديث آخر: مو أي واحد ميت يبكى عليه يعذب، وإنما حادثة خاصة في جنازة يهودي لم يؤمن برسول الله فاستحق العذاب، لكن أهله كانوا يبكون عليه.
هذا بالنسبة إلى الموضوع الأول، وأما أحاديث أهل البيت، أهل البيت عليهم السلام فقلنا: حدث ولا حرج، بل أكثر من البكاء كان عندهم. أحاديث عن الإمام الرضا، عن الإمام الصادق؛ الإمام زين العابدين بقي طيلة حياته بعد كربلاء يبكي أباه الحسين عليه السلام ويحرض على البكاء عليه، مما لا يترك عذراً لمعتذر.
مشروعية اللطم واللدم وأدلته
اللطم في الأصل هو صفع الخد أو الرأس، كل ضرب للوجه وللجبين يقال له لطم، وقد يوسع ذلك للضرب أيضاً على الصدر. وهناك شيء شبيه به ولكن بكيفية أخرى وهو اللدم؛ ذاك لطم وهذا لدم (بالدال). اللدم يختلف عن اللطم في أنه ضرب بجمع الكف، يعني مرة أنت تضرب هكذا هذا لطم، مرة تضرب هكذا بيدك مجموعة فيقال هذا لدم. وفي الروايات: يلتدمن - يعني النساء هذا الأمر باعتباره أيضاً من مظاهر الحزن على المتوفى المسلم والشهيد المسلم -.
يستدل به العلماء على مشروعية اللطم واللدم بشتى أشكاله وأنحائه أعرباً عن الحزن وإظهاراً للفجيعة. فمن ذلك: أولاً: ما ينقلوه هم في مصادرهم، احنا نجيب هذه ولا نكتفي فقط بما جاء في رواياتي وادلتي الإمامية لا، لأننا نعتقد بأوثقية ما عندهم عما عندنا، لا، وإنما في الإلزام، قانون الإلزام أن تأتي بدليل يقبله الطرف الآخر. أنت إذا جبت من الكافي، قل: الكافي هذا كتابك أنت ما يلزمني بشيء، لكن إذا جبت من كتابه هو؛ من سيرة ابن هشام، من صحيح البخاري، من مسلم، من غيره، ما يقدر يقول لك: أنا لا أعمل بهذا، تقول له: أنت ملزم بهذا الكتاب لأنك تعتبره أصح الكتب مثلاً بعد كتاب الله عز وجل.
فيما يرتبط بموضوع الالتدام واللدم، ينقل في سيرة ابن هشام الأنصاري (أكو بحث حول موضوع ليش استبدلت سيرة ابن إسحاق بسيرة ابن هشام؟ سيرة ابن هشام مخففة، فضائل أمير المؤمنين غالباً حذفت منها أو عنونت بعنوان رجل، اختصرت، هاي سيرة ابن هشام الكتاب الرسمي تقريباً للأمويين والعباسيين الذي منزوع الدسم من فضائل ومناقب أمير المؤمنين عليه السلام ويمثل الثقافة مالت مدرسة الخلفاء). الشاهد، هذا الكتاب فيه أن عائشة زوجه النبي صلى الله عليه وآله هي تقول: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله والنساء جئنا وأخذنا يبكينا ويلطمن! تقول هذا التعبير: فكنت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي. يعني هم عندي لطم وهم عندي لدم؛ لطم على الوجه ولدم مثلاً على الصدر.
نحن لا نريد أن نقول أن هذه سنة، وإنما نقول أن هذه حالة أنتم ملزمون بها باعتبار أنها موجودة في مصادركم، وأن مثل هؤلاء التي كن حول رسول الله صلى الله عليه وآله بحسب هذه الرواية اللي معتبرة عندكم، يفترض هذا فعل صحابيات، وإذا كانت كذلك فلم ينكر عليهن وإنما كان هذا أمراً طبيعياً ومعمولاً به.
فلما يجي الكلام، ما وجدناه من خط مناهض لهذا الكلام، مثل شلون سووا في قضية الميت يعذب ببكاء أهلي عليه جابوا شيئاً آخر، إلى هنا قالوا أن النبي قال: «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب». وهذه عادة يجيبوها لما يصير موسم محرم؛ يقول لك: قال النبي: «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب»، وشوف هذول المعزين يلطمون ويلدمون والى آخره! طيب، ماذا تصنعون في هذه الرواية التي هي من مصادركم، وعائشة زوجة النبي عندكم تقول هذا الكلام؟ فإما أن تقول "ليس منا" هم يشملها ويشمل الصحابيات في ذلك الوقت - ما تقدرون تقولونه -، أو أن ذاك الحديث الذي انتم جايبينه إنما جيء به لقطع الطريق على اللطم على الحسين، وعلى اللدم على الحسين، وعلى العزاء على الحسين عليه السلام!
الرد على الشبهات والمقارنات الباطلة
إنما الصحيح هو ما جاء في كلام الإمام الصادق وذكرناه في أول هذا المجلس: «ولقد شققنا الفاطميات الجيوب ولطمنا الخدود على الحسين، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب». الحسين مو شخصية عادية التي عندما يذهب لا يحزن له أحد، وإنما لمثله وعلى مثله تشق الجيوب، تلطم الخدود، تدمى القلوب، هذا سبط رسول الله صلى الله عليه وآله. فهذا حديث عن الإمام الصادق عليه السلام.
أحياناً يجيبون شيئاً آخر ويقولون: أفضل من الحسين هم الأنبياء، ومع ذلك لم نؤمر بالبكاء عليهم ولا باللطم عليهم ولا كذا! أولاً نقول: من يقول أن الأنبياء أفضل من الحسين؟ هذا أول الكلام! عندنا نص يجتمع عليه كافة المسلمين: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. أما الأنبياء ما يدخلون الجنة نعوذ بالله، أو يدخلون وهم شيبه كبار، أو يدخلون وهم شباب كما يدخل أي إنسان؟ نحن نستثني مثل رسول الله وأمير المؤمنين عليه السلام ومن شابههم، وأما باقي من يكون في الجنة فالحسين سيدهم وأفضلهم وأحسن منهم وأكبر منهم كائناً من كان ذلك الطرف.
ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وآله على الحسين، بل بكى الأنبياء بعضهم على بعض، فقد بكى يعقوب على ابنه يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم مع أنه كان على قيد الحياة! مما يعني أن هذه الصلابه في القلب، هذا القلب المتحجر الذي يحمله بعض هؤلاء فيمنعون الحزن ويمنعون حركة العاطفة في داخله إذا كانت على سبط رسول الله، هم فيما بينهم قد يبكون بعض أمواتهم، يزعطون أو بعضهم يحزن لأجل أنه خسر في تجارته وربما يبكي، لكن إذا صار البكاء على الحسين لا تجي الروايات المكذوبه المانعة والتوجيهات وما شابه ذلك.
وأما في طريقة أهل البيت عليهم السلام فكما قلنا: الإمام، الإمام الصادق يقول: الفاطميات والهاشميات وهن بمر من الإمام زين العابدين عليه السلام لطمن الخدود، شققنا الجيوب، بكينا. دعبل الخزاعي أمام الإمام الرضا عليه السلام يقول:
أَفَاطِمُ لَوْ خَلَّتْ الْحُسَيْنَ مُجَدَّلًا ... وَقَدْ مَاتَ عَطْشَانًا بِشَطِّ فُرَاتِي إِذًا لَطَمَتِ الْخَدَّ فَاطِمُ عِنْدَهُ ... وَأَجْرَيْتِ دْمْعَ الْعَيْنِ فِي الْوَجَنَاتِ
قد يقول هذا كلام شاعر؟ لا، كلام إمام! الإمام الرضا عليه السلام ويسمع ويقر بذلك ويثيبه على هذه القصيدة جائزة سخية، مما يعني إمضاء هذا الكلام عنه.
ونقل في الروايات أن زينب العقيلة عليها السلام عندما سمعت الإمام الحسين عليه السلام ليله العاشر من المحرم وكانت في داخل خيمتها تمرض زين عابدين وتعتني به، فسمعت الحسين يقول:
يَا دَهْرُ أُفٍّ لَكَ مِنْ خَلِيلِي ... كَمْ لَكَ بِالْإِشْرَاقِ وَالْأَصِيلِ مِنْ طَالِبٍ بِحَقِّهِ قَتِيلِ ... وَالدَّهْرُ لَا يَقْنَعُ بِالْبَدِيلِ وَإِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَى الْجَلِيلِ
تقول الرواية هكذا: فلما سمعت زينب قامت ولطمت وجهها بابي وأمي وصاحت: ليت الموت أعدمني الحياة يا أبا علي! أنت تنعى نفسك وأنت على قيد الحياة؟ قامت ولطمت وجهها وقالت: ليت الموت أعدمني الحياة، أنك لتنعى نفسك! هكذا كانت صلوات الله وسلامه عليها، وهي في ليلة العاشر مع حضور أولئك الأنصار، مع حضور أولئك الأرحام والأقارب، أبو الفضل موجود، وعلي الأكبر موجود، وسائر أهل البيت موجودين، وهي مع ذلك تلطم وجهها وخدها!
ساعد الله قلب العقيلة زينب عندما رأت أصحاب الحسين على الرمضاء، هذا مكبوب على يمينه، ذاك على شماله، هذا على حر وجهه، ما الذي كان حالها؟ هذا يخبرنا أن الحسين يقول مخاطباً الأنصار: "هذه بنات الرسول لفقدكم قد علاهن النحول".