الإطعام الحسيني: شبهات وردود
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة حول فضل الإطعام وآيات أهل البيت (عليهم السلام)
“ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا”
نتناول هذه الليلة بعض الأسئلة أو الشبهات التي تثار أمام موضوع الإطعام الحسيني، سواء كانت من خارج المذهب أو أحياناً أسئلة من داخل المذهب. وقبل ذلك نقدم بمقدمتين: الأولى في شيء من النظر والتأمل في هاتين الآيتين المباركتين، والثانية في إجابة على كيفية ترتب الثواب العظيم على الأمور البسيطة في قضية الحسين عليه السلام.
أما بالنسبة إلى الآيتين المباركتين، فهاتان الآيتان من جملة آيات تبين للناس فضيلة أهل البيت عليهم السلام، وبالتالي هي تدخل في إطار تثبيت العقيدة الدينية مما يرفع مقامها ويعلي شأنها.
ربما قلنا مراراً إن الأمور التي ترتبط بالعقائد هي أكثر أهمية من الأمور التي ترتبط بالعبادات؛ لأن العقائد أشبه بالعمود الفقري لديانة الإنسان، بينما العبادات هي أشبه بالأعضاء والجوارح. ولا شك ولا ريب أن الاعتقاد بمعرفة الله عز وجل وصفاته وتوحيده أهم من الصلاة اليومية؛ لأن هذه تعتمد على ذاك. وهكذا الحال في معرفه النبي حيث أنها تنتمي إلى قسم العقائد أيضا، هي بهذه المنزلة العالية وهي أهم من الصوم. وعندنا الإمامية معرفة الإامام بعد النبي في نفس رتبة معرفة النبي وفي رتبة الله عز وجل، حيث إن الجميع ينتمي إلى رتبة العقائد.
ولعلكم تقرؤون الدعاء المشهور وهو دعاء يُقرأ في زمان الغيبة وتمت التوصية به كثيراً: "اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني نبيك فإنك إن لم تعرفني نبيك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن دينك". ذاك الوقت قد لا تنفع العبادات مع الضلال عن معرفة الله أو عن معرفة النبي أو عن معرفة الوصي والحجة في اعتقادنا الإمامية. هذه الآيات المباركات هي تصريحات وإشارات إلى من ينبغي أن يتولاهم الإنسان في حياته، وعند الشيعة إجماع على أنها نزلت في حق فاطمة وعلي والحسنين من آل محمد.
ونقل عن العلامة الأميني صاحب الغدير - أعلى الله مقامه - أن هناك نحو ٣٥ من المفسرين الكبار في مدرسة الخلفاء قد أشاروا وصرحوا بأن هذه الآيات المباركات نازلة في حق هؤلاء السادة المعصومين سلام الله عليهم.
الإشارات البليغة في آيات الإطعام
قد يستوقف الإنسان أمور في هذه الآيات المباركات، منها: أصل ذكر القضية في القرآن الكريم. أعمال البر كثيرة، والعاملون للبر والخير في تاريخ المسلمين وزمان رسول الله كثرة، وبعضهم بأموال طائلة. أن يختار الله سبحانه وتعالى هذا الإطعام - الذي هو عبارة عن قرص من الشعير وشيء من الملح وربما الماء، لا يسوى شيئاً كثيراً، ربما كله على بعده نصف درهم درهم لا يتجاوز ذلك، بينما قد نجد في أصحاب رسول الله من أنفق الآلاف في امور أخرى - أن يأتي القرآن الكريم ويظهر هذا المعنى ويختاره من بين كل اعمال المسلمين، يتبين فيه أن هناك غرضاً في الإشارة إلى أصحابه وإلا كان ينبغي بحسب المقاييس العادية لو أن إنساناً جاء وأعطى مثلاً لبناء هذا المسجد ١٠٠٠ ريال وجاء آخر وأعطى ١٠٠٠٠٠، بحسب القواعد الطبيعية المفروض أن يشار إلى صاحب الـ ١٠٠٠٠٠ لا إلى صاحب الـ ١٠٠٠ الذي أنفق درهماً، ينبغي ضمن الظروف العادية أن يكون ذكره متأخراً عن ذلك الذي أطعم بالآلاف وأنفق بالآلاف.
فاذا القرآن عكس هذه القضية، وليست هذه بدعا في القرآن، فقد صنعها في آية الزكاه: (وهم راكعون) أيضا نفس الكلام، تصدق أمير المؤمنين بخاتمه ودون القرآن هذه وسجلها وجعل الفاعل لها هو: {إِنَّمَا وَلِيُكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}.
فاولاً، هذه الآية يتبين منها مو فقط اشاره إلى الفعل، فإن بعض الفاعلين من سائر المسلمين كانوا أكثر قيمة وثراء وعدداً من حيث الإطعام والزكاة وما شابه، فيتبين اكو هناك جهة اخرى وهي أن القرآن يريد أن يشير إلى جهة الفاعل ويوجه الناس إليه.
ثانياً، العجيب أن القرآن الكريم يظهر ما كان خفياً فيهم مع أن العادة تجري بأن يحمل الأمر على الظواهر ما لم يصرح إنسان. القرآن الكريم يأتي ويقول: (ويطعمون الطعام على حبه). على حبه تحتمل أن يكون على حب هذا الطعام نظرا لأن القصة تقول إن الإمام علي عليه السلام وفاطمة قد نذرا لله نذراً بعدما مرض الحسنان أن يصوم لله عز وجل شكراً، فحصل الشفاء وصار الوقت للصيام، صام عليهما السلام ومعهما أيضاً فضة كما قيل، فجاء عند المساء - جاء على الترتيب - يتيم ومسكين وأسير، وهم في تلك الحالة في شدة الشوق إلى الطعام نظراً لصوم النهار بكامله، فهم يحبون هذا الطعام لكنهم آثروا هذا المسكين المسلم وهذا اليتيم المسلم وهذا الأسير الكافر! وهذا من الأمور العجيبة، اكو عندنا تفاسير في بعض ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام أن هؤلاء كانوا ملائكة بهذا النحو، لكن المعنى هو العنوان؛ إذا كان عنوان هذا أسير فالأسير ما راح يكون أسيراً من المسلمين، وإنما هو أسير من غير المسلمين. فإن يجي واحد ويؤثر أسيراً غير مسلم على نفسه بطعامه وهو يحب ذلك الطعام ويشتاق إليه نظراً لكونه صائماً، هذه فد مرتبة استثنائية!
أو أنه لا، على حبه (يعني على حب الله عز وجل وفي حب الله عز وجل ولأجل التقرب إلى الله سبحانه وتعالى)، وهو معنى ارفع من ذاك الثاني. وقد يدل عليه ذيل الآية المباركة أن الله سبحانه وتعالى أخرج هذا من الكمون إلى العلن، من القلب إلى القرآن وإلى أن يقرأه ملايين البشر في مختلف القرون: (على حبه) يعني على حب الله عز وجل، لأجل الله عز وجل، تقرباً إلى الله عز وجل. وفي داخل قلوبهم: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا).
عجيب القرآن وكل ما فيه عجائب لو التفت الإنسان إليها! أحياناً الإنسان ما يريد جزاء (يعني مثلاً أنت سويت خدمة لأجل الله، ما تقبل أن واحد يجي يقول لك: هاك اخذ مثلاً ١٠٠ ريال ١٠٠ دولار في مقابل تلك الخدمة التي قمت بها)، ولكن قد ترغب أن يقول لك: شكراً، جزاك الله خيراً، شكراً لك على هذا العمل، بحيث قسم من الناس يتاذى إذا لم يشكر عمله! هذول الصفوة مو بس جزاء ما ينتظرون ولا يريدون أن تقابل أعمالهم بالمال والجزاءات، بل حتى شكر من عند الناس ما يريدون! ما يريد أن تقول له شكراً لك، ليش؟ لأنه عنده فد خلوص استثنائي أن عمله هذا لله عز وجل.
على كل حال، هذه الآية المباركة مما يشرع الاستحباب الأكيد في الإطعام لوجه الله عز وجل، فكيف إذا أضيف إليه أيضاً عنوانية ثواب الحسين سلام الله عليه؟ مجرد أن تطعم إنساناً لا تنتظر منه جزاء، لا تنتظر منه راتباً، لا تنتظر منه عطاء، هو هذا عمل مطلوب، سواء كان من الـ... وهذا عجيب كما قلت هذا، سواء كان هذا ظاهراً لإنسان مسلم أو حتى لغير المسلم كالأسير، ما دام في جهة الله عز وجل، فكيف إذا أضيف إلى هذا الاستحباب وإلى هذا التأكيد أنه لثواب أبي عبد الله الحسين ولاجل هذا الإمام العظيم؟
سر تعاظم الأجر في مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام)
هذه المقدمة الأولى. مقدمة ثانية - ربما أجبنا عليها في ثنايا بعض الأحاديث السابقة -: كيف هذه الجزاءات العظيمة في أمر بسيط واحد؟ لنفترض يسوي الله طعام بمقدار ٥٠٠ ريال، ١٠٠٠ ريال، أكثر وإذا به غفرت... ذكرنا في الليلة الماضية الحديث الذي نقلناه عن مجمع البحرين لفخر الدين الطريحي رضوان الله تعالى عليه، والذي نقل سؤال نبي الله موسى للباري سبحانه وتعالى أنه لماذا كانت أمة رسول الله أفضل من أمة بني إسرائيل وأنهم فضلوا بعشر خصال، واحد منها العاشوراء؟
عاشوراء طبعا مو فضيلة كل الأمة كما تعلمون، هي فضيلة قسم من الأمة؛ احتفاؤهم بعاشوراء، حزنهم في عاشوراء، عطاؤهم في عاشوراء، إنفاقهم في عاشوراء، إنما هو لهذه الفئة التابعه لأهل البيت. وذكر فيه أن من أنفق منهم درهماً أو ديناراً في مصيبة الحسين وفي الإطعام لأجل ذلك يعوض بسبيين أضعافاً في هذه الدنيا وتغفر له ذنوبه يوم القيامة.
هذا يصير محل سؤال، وربما محل استنكار من غير المؤمنين بهذا المنهج. انقل لكم مثالاً للتقريب فقط وإلا أنتم بحمد الله لديكم هذه المعلومات:
شيخ علي أكبر النهاوندي - وهو من تلامذة آخوند الخراساني والسيد كاظم اليزدي رحمه الله - كان فقيهاً مجتهداً وعنده كتب كثيرة، وكان منتجاً في الكتب كثيراً وكتبه نافعة، أحد كتبه اسمه العبقري الحسان فيمن رَأى المهدي صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف، فينقل في ذلك الكتاب قصة السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي (متوفى سنة ١٢١٢ هجرية - إذا تريد تحفظه بسرعة -). هذا كان مرجع الطائفة في زمانه، وله قصص كثيرة، وقد ذكرنا شيئا من حياته في كتابنا أعلام الإمامية، يجدر بمن يريد الاطلاع عليه أن ينظر إلى هذه القامة الشامخة والعملاقة.
فيقول: السيد بحر العلوم ومعروف أنه كان يلتقي بالامام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف أكثر من مرة، يقول: كان في طريقه للزياره فكانت تدور في ذهن هذه الفكرة؛ أنه كيف يصير أن ثواب دمعة على الحسين عليه السلام ذلك الثواب العظيم؟ كيف يعني بمقاييس ترى لا تتصور أن هذه الأسئلة علمائنا ما جايت لهم وما طارحينها وما مجاوبين عليها، وأن مثلاً بعض الناس في آخر الزمان يتصور أنه جاء بشق القمر لما يصير إشكال سؤال لا يجيب عليه الشيعة! عمي هذا سؤال مقطن وصار له أكل الدهر عليه وشرب وسوى باقي الأمور بعد، بعد الأكل والشرب طيب. فبعض الناس يتصور أنه لا، هذا سؤال ما أحد يدر عنه وما أحد ملتفت إليه.
سيد بحر العلوم الطباطبائي رحمه الله كان يمشي في طريق الزيارة ففكر هذه الفكرة: كيف هذه يصير؟ مو من باب التشكيك، من باب أنه يريد أن يجد أجوبة كثيرة. فيقول: في الأثناء مر عليه رجل كان لابساً لباس العرب وصار يماشيه، وين رايح؟ قال له: الزيارة. شنو: أشوفك ساهي تفكر شنو القضية؟ قال: أنا كنت أفكر في هالموضوع شلون يصير يعني هذا؟ فقال له: بسيط الامر، أنا أضرب لك مثالاً وأنت تعرف الجواب. قال: تفضل.
فقال له: لو أن ملكاً من الملوك خرج إلى الصيد وطارد ظبياً أو غزالاً وانفرد عن حرسه - وهذا يصير في قصص الملوك كثير هذا موجود - وانفرد عن حراسه ومن كان معه، ووصل إلى خيمة فيها رجل وامرأته عجوزان وما عندهم إلا شاة واحدة هي اللي تقوم عليها حياتهم ومنها مثلاً يأخذون الحليب واللبن وما شابه وتقوم نظام حياتهم عليه. فجاء هذا الرجل مالك الشاة وحلب له حتى إذا شرب وارتوى صار وقت الظهر فقام وذبح تلك الشاه وسلخها وشواها لهذا الرجل وهو لا يعرفه أصلاً هذا منو، إلى أن اكل هذا واستراح وشبع وخيمة أيضاً مظلله ارتاح.
صار العصر وإذا وصلوا جماعة هذا الملك، فهذا خاف الأعرابي شنو القضية؟ فأمنه وطمنه، ثم سال هؤلاء القادمين: هذا هالشكل سوى إلي لا يعرفني لا ينتظر فلوس لا ينتظر عطاء ولا جزاء بس اعطاني كل ثروته هذه، هاي كل ثروته هي هذه الشاة، يعني باكر عقبة لازم يفكر كيف تعيش تستمر حياته وفي وقتها ما فكر، بذل لي كل هذا، فترون بماذا أكافئه؟
جماعة قالوا: أكافئه بمائة شاة. قال: بعد؟ واحد قال: لا، بمائة شاة وجمال وأموال ذهب ووو إلى آخره. آخر واحد قال له: إذا تريد تكافئه حقيقة فكافئه بحياتك؛ لأن هذا كانت حياتك في معرض الخطر والانتهاء من الجوع والعطش وهذا أنقذ حياتك، إيش قد ما تعطي اليه هذا هو قليل وهو المتفضل عليك، تعطيه حتى لو نص ملكك هو المتفضل عليك، شنو مائة شاة؟ شنو ألف شاة؟ لأنه أعطاك كلما يملك في شدة حاجته من غير أن يعرفك ولا يرجو منك عطاء ولا جزاء.
فقال له: أي الأجوبة تراها؟ قال: هذا الجواب الأخير. قال له: زين، واحد هو ابن رسول الله صلى الله عليه وآله كان بامكانه أن يبقى في المدينة معزز مكرم ما ادري يعيش حياته الطبيعية، خرج مع اهله وعياله من مكان إلى مكان وفدى نفسه من أجل خالقه الله سبحانه وتعالى، مائة شاة يكفي يعطيه؟ ألف شاة يكفي يعطيه؟ لو لا يعطيه فوق رضاه؟ خصوصاً أن الله سبحانه وتعالى لا تحد خزائنه الحدود، فكل ما يعطيه الله سبحانه وتعالى هو في محله واستحقاقه.
فقبل منه ذلك. الآن، نحن عندما نرى هذه الجزاءات والعطاءات المترتبه على من يعمل شيئاً للحسين عليه السلام لا نستغربها؛ لأن الحسين عليه السلام أعطى نفسه في مقابل دين الله عز وجل، في مقابل بقاء ذكر الله عز وجل، في مقابل بقاء الشريعة المحمدية وإلا كانت تذهب أدراج الرياح.
إذا نفد على بعض الاسئله ضمن هذا الاطار راح تنحل إلينا المشكله، ولكن نشير إلى بعض هذه الأسئلة باختصار سريع.
الرد على الشبهات المثارة حول الإطعام الحسيني
١. الشبهات القادمة من خارج المذهب (حرمة الأكل ومسألة البدعة)
بعض الأسئلة تجي من خارج المذهب، ومنها مثلاً أن يقول لك أن هذه - وهذا فعلاً فتاوى أفتوا بها - أنه لا يجوز حتى الأكل من هذا الطعام الذي يطبخ ويعمل كما هو عند شيعة أهل البيت اللي يسموهم الرافضة! هاي فتاوى موجودة للأسف الشديد في واقعنا المسلم. ليش؟
يقول لك: لأن هذا الذبح لم يُذبح لله، وما لم يُذبح لله لا يجوز أكله!
عجيب! الذبح عندنا الشرعي معروفة حدوده: التسمية لله عز وجل، استقبال القبلة، فري الأوداج الأربعة، وبذلك تحل الذبيحة، وأن يكون الذابح مسلما عندنا الإمامية. زين، هذا يجتمع الذبح الذي يأكله كله الإنسان في هذه المضايف في هذه الاماكن، يجتمع فيه كل هذه الأمور، فلماذا يكون ذبحاً لغير الله؟
ومن العجيب أن بعض هؤلاء يقولون: إن تأكل ذبح الكافر من أهل الكتاب ما في مشكلة يجوز ذلك، لكن أن تأكل من شيء ذبحه موالاة البيت عليهم السلام واجتمعت فيه كل هذه الشروط هذا لا يكون!
زين، عنوان أنه يذبح لغير الله: كيف يذبح لغير الله؟ ما دام سمى قال: بسم الله، قال: الله أكبر، قال: الحمد لله، فقد صار هذا الشيء بعنوان أنه لله عز وجل، بعد ذلك مرة أنت تقول: بسم الله الرحمن الرحيم أنا أذبح هذا لاجل عرس ولدي، وهذا هل هو ذبح لغير الله؟ كلا، أذبح لأجل أن أطعم فقيراً. البسمله والنية والتوجه هو لله عز وجل، ولكن الجهة التي سيصرف فيها هذا الطعام: تارة فقير، تارة مسكين، تارة يتيم، تارة أسير، تارة عرس، تارة حزن، تارة كذا. أنت هنا في جهتك تتوجه إلى أن هذا لثواب الحسين عليه السلام ولمناسبة الحسين عليه السلام، كما هو الحال في المناسبات تعزم لك جماعة تبسمل وتأتي بالشروط ولكن أنا أذبح هذا لجهة ياتي من ياتيني من الضيوف، طيب.
فأي معنى لأن يكون هذا ذبحاً لغير الله عز وجل؟ إنما كانوا يذبحون لغير الله في أيام الجاهلية لا يسمون لله ولا يتقربون ولا يلتزمون، وإنما يعينون أن هذه الذبيحة لاجل هذا الصنم الواقف، فيقال هذا ذبح لغير الله عز وجل. ومن العجيب أن هؤلاء كيف يطبقون عنوان ما لم يُذبح لله عز وجل على أناس يجرون كل المراسم ويتقربون موده لرسول الله ولاهل بيته وبعنوان هذا المعنى؟ كيف يتحدث هؤلاء عن أنه لغير الله عز وجل؟
قد يقول بعضهم - كما حصل أيضاً - أن هذه بدعة! ما صارت أن النبي مثلاً سوى طعام في مصيبة مثلاً الحسين عليه السلام.
قد أجبنا في ليال مضت: أول من امر بصنع الطعام للفَاقدين هو رسول الله عندما أمر بأن يصنع الطعام لآل جعفر بن أبي طالب؛ وذلك لأنهم مشغولون بالمصيبة عن الطعام، وفيما بعد سارت هذه السيرة، وأوضح مثال كان الإمام زين العابدين عليه السلام في الرواية التي نقلناها، وسارت السيرة على هذا الأساس. هاي أنت مكلب حسب تعبير كل شيء عندك بدعة! بدعة ماذا يعني بدعة؟ يعني ليس لها أصل شرعي.
الأصل الشرعي لإطعام الطعام عموماً - حتى في مثل الآية المباركة كما ذكرنا لمن كان غير مسلم وهو الأسير، القرآن يشرع هذا حتى في غير المسلم بناء على هذا التفسير، فضلاً عن المسلمين فضلاً عما إذا كان ذلك بنية مودة رسول الله وأهل بيته الطاهرين ولا سيما الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه - البدعة خارجة عن هذا الإطار، وإلا إذا كان كل شيء ما سواه في زمان ما عمل في زمان النبي يصير الانتقال بالسيارة بدعة! ولازم الكل يمشي على الجمل، ولازم تكون المساجد بالنحو الذي كان في ذلك الوقت، نمط الحياة لازم يكون على تلك الطريقة التي كانت في تلك الأزمنة، المأكولات غير ذلك! لكن لا أحد يقول هذا الكلام، أنت تشوفه هذا المدعي يستخدم آخر شيء وصلت إليه البشرية من وسائل وأساليب، بس إذا اجا إلى ما تؤكده المعاني الدينية والاصول الإسلامية إذا كانت تخالف هواه أو تخالف مذهبه يقول لك: لا، هذه بدعة!
أحدهم - وقد رايت هذا كأنما كان يريد أن يحاصر ذلك المفتي - قال له: زين، أنا ما آكل من عند هذول المعروفين ولا آخذ من أكلهم، أنا يصير أنا انسان من مدرسة الخلفاء فمو صاحب بدعة ولا من الرافضه، أنا اريد أذبح ذبيحة في هذه الأيام المعلومة وأطعم بها اهلي طلباً للثواب من الله سبحانه وتعالى ولكن باسم الحسين حتى يروح الثواب والأجر للحسين بن علي؟
قال له: لا، ما يجوز! أنت أحوج إلى الثواب من الحسين، الحسين ما يحتاج إلى ثواب فلا تسميها باسمه!
سبحان الله! بعض الناس كأنهم تصيبهم الحمى إذا وصل الأمر إلى موده اهل البيت وإلى التقرب منهم وإلى إعلاء... أنت سوي هذا ولكن ليه تجيب اسم الحسين في النص؟ والحسين ما محتاج إلك! ترى امثال هؤلاء عندهم سعي حثيث في إطفاء نور أهل البيت عليهم السلام.
٢. الأسئلة الواردة من داخل المذهب (الأولويات والتشكيك في الصرف)
أحياناً أسئلة تجي من داخل المذهب، ونحن نحملها على عدم الفهم الكامل، بأن يأتي إنسان ويقول عن حسن نية: لماذا هذه المضايف؟ لماذا هذه الأموال التي تنفق في الطعام؟ لماذا هذه المأكولات المتنوعة؟ لماذا لا يصار إلى صرفها في امور العلم؟ امور التقنية؟ امور العمران؟ امور الما ادري التعليم إلى غير ذلك؟ هذا أفضل الصحة فلان فلان.
نقول لهذا الإنسان: جيد، أنت عندك حماس في هذه الجهة، أسس مركزا صحيا لثواب الحسين! عندك حماس في التعليم، أسس مدرسه وجامعة ويذهب ثوابها للحسين عليه السلام! أسس مدينة عمرانية، أسس تأميناً صحياً، أسس كذا باسم الحسين عليه السلام، لا أحد يقول لك ممنوع! لكن أن تجي تقول: أنت لا تسوي هذا، سوي اللي أنا أراه! هذا من أسوأ انواع التحكم.
أنا إنسان عندي اعتقاد أن هذا السبيل أقرب، أن هذا السبيل أثوب، لا أقل هو متساوي مع الآخرين سبل الأخرى، فلماذا أنت تلزمني أنا بأن أتصرف في مالي كما يحلو لك؟ حق تقول: هذا غير شرعي في الدين، ما يخالف، غير شرعي في المذهب، ما يخالف، أما إذا كان مشروعاً أنت تريد مني أن أصرف مالي بالطريقة التي أنت تفكر فيها، أي تحكم أكثر من هذا؟
خلينا نتقاسم الامر: أنا أسوي طعام للمعزين، وأنت تسوي شنو تبرع للفقراء في المصحات باسم الحسين. أنا أسوي... أنت تسوي مدرسة وتهديها إلى الجهة التعليمية باسم الحسين عليه السلام، وأنا خليني على الطبخ والنفخ والمأكولات هذه، لماذا؟ مثل ما أنا ما أريد أجبرك إلا لازم تشتغل على طريقتي، أنت أيضاً لا حق لك أن تجبرني على ذلك.
٣. شبهة الإسراف وتبذير النعمة
واحد أحياناً يقال أن هذا إسراف وأن هذه النعمة تقذف في المزابل وهذا حرام إسراف.
ما الذي يجنيه الحسين إذا إجينا هذا الصحن بنفسه بكماله ذبيناه في الزبالة أو خليناه عند الزبالة ولم ناكله؟ ألا ينبغي في قول هؤلاء أن يفكر من يطبخ في هذه المطابخ أن يطبخوا أو أن يقللوا طبخهم أحسن من أن ترمى في المزابل؟
هذا الكلام غير صحيح، ذاك خليه يطبخ بما يستطيع، وأنت تعال خلينا نشوف تدبيرك وإدارتك في توزيع هذه الأشياء: يابا، أنا عندي مؤسسة، أنا عندي خبرة إدارية، يا ايتها المواكب، يا أيتها المضايف، يا أيتها الطباخون، أنا ترى عندي إدارة في التوزيع، أي مقدار عندكم يزيد حاضر أنا أصرفه وأوجد له حلول.
نجي لا، قبل هذه: يا فلان، أنت تريد لنفترض في القرية الفلانية تطبخ بما يعادل ١٠٠٠٠ دولار وهذه القرية لا تستوعب هذا المقدار من الطعام (أكثر من حاجتها)، زين، فتعال ما رايك أن نتقاسم الأمر؟ أنت تطبخ في هذه المنطقة بمقدار حاجتها، وأنا أتولى إعداد الطعام لفقراء في أماكن أخرى باسم الحسين عليه السلام من أموالك وبأمانة، أدير الأمر بهذه الطريقة. أنت غير حريص على أنه لا يصير إسراف، لا يصير هناك نوع من رمي النعمة والاستغناء عنها، تعال أدر الموضوع ساهم في ذلك!
أنا إنسان عندي فلوس وذاك عنده قدرة على الطبخ، يحتاج إلى إداري في التوزيع سواء في هذه القرية أو قرية أخرى في هذه البلدة أو بلدة أخرى. ومن البداية أساساً من أول محرم: يا فلان، أنت إذا تعتقد أن ما تطبخه سيزيد عن الحاجة، تعال نساعدك في توزيع المناسب وكل ذلك باسم الحسين عليه السلام.
هذا كلام معقول! كلام معقول أنه خلي نسوي توعية في من يأخذ الطعام من المضايف، من المآتم: يابا، أنت إذا عدد أسرتك أربعة أشخاص خذ بهذا المقدار بمقدار البركة، لا تأخذ أكثر من هذا، أما لأن فيه إشكَالاً شرعياً باعتبار أن صاحب المضيف إنما أباح لك الانتفاع بمقدار حاجتك لا بمقدار أضعاف حاجتك، فهالمقدار اللي بمقدار حاجتك مباح الك، ما زاد على ذلك مو معلوم يكون مباحاً من قبل صاحب المضيف أو المعطي لهذا الطعام. خلينا نبث هذه الثقافة المعرفة بين الناس حتى لا يصير هذا أن يأخذ ثلاثة وأربعة ولا يستهلكها فهو قد ارتكب محذوراً شرعياً في بعض الأحيان، وارتكب أيضاً أنه سيلقي هذا الطعام إلى القمامة مثلاً. هذا الكلام صحيح.
أما أن يجي إنسان هكذا ويقول أن هذه المضايف وهذه الأطعمة إسراف وما يصير احنا نسوي الشكل ولا بد كذا وينبغي كذا ويجب كذا، هذا طريق غير صحيح. الطريق الصحيح هو أن تبدأ بطريقة إيجابية تساهم فيها في بالنح... بأحد الانحاء التي ذكرناها.
الإطعام باسم الحسين عليه السلام كما قلنا في يوم سابق: أولاً، مصدر للبركة للمطعم وللطاعم، وثانياً أيضاً هو سبب من أسباب الإعلان عن النهضة الحسينية وكثيراً كثيراً ما راينا في أماكن أنهم ببركات هذا الإطعام سألوا عن الحسين وعن قضيته وانتهوا إلى الاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه.
سفير الحسين ومظلوميته (مسلم بن عقيل عليه السلام)
امامنا الحسين سلام الله عليه أعطى كل شيء لخالقه وحري به أن يعطيه الله سبحانه وتعالى من الجزاءات والعطاءات له ولأصحابه ولمن اتبعه ولمن ارتبط به بلا حدود.
كم كان أولاد عقيل؟ أنت تتصور عدد كبير أولاد عقيل، ها، كان مكثراً من الولد، لكن أعطى الله سبحانه وتعالى مسلم بن عقيل - وهو أول شهداء النهضة الحسينية حيث استشهد في شهر ذي الحجة - أعطى له هذا العطاء. الآن أنت لو تسأل واحد: عدد إلي أربعة خمسة من أبناء عقيل؟ قد لا يعرف اسمهم، فضلاً عن أن يذهب لزيارتهم، فضلاً عن أن يبقى ذكرهم خالداً. هذه ميزة من يرتبط بذكر الحسين وركب الحسين مثل مسلم بن عقيل، أنت تذهب اليه الآن، ما في زائر يذهب إلى العراق ليزور أمير المؤمنين إلا ويذهب لزيارة مسلم بن عقيل سفير الحسين صلوات الله وسلامه عليه. هذا من عطاء الله، الخلود عند المؤمنين من عطاء الله.
انت تلاحظ بعض الناس هل قد ينفق؟ هل قد يعطي؟ بس علشان اسمه يتثبت في مكان ماكو سنوات وبعد بعد ذلك يندثر مع ما اندثر. وهذا ما يحتاج إلى الآن ١٤٤٠ سنة مثلاً أو نحو ذلك، زين، وهو في هذا الطريق يستجاب عنده الدعاء، يسلم عليه صبح مساء، يستدر له الدم، يكتب له الأجر من أجل أنه ارتبط بالحسين عليه السلام.
رَسُولُ حُسَيْنٍ وَنِعْمَ الرَّسُولْ ... إِلَيْهِمْ مِنَ الْعِتْرَةِ الصَّالِحَةْ لَقَدْ بَايَعُوهُ رَغْبَةً مِنْهُمْ ... فَيَا بُؤْسَ لِلْبَيْعَةِ الْكَاشِحَةْ وَهُمْ خَذَلُوهُ وَهُمْ أَسْلَمُوهُ ... وَبَيْعَتُهُمْ لَمْ... وَغَدْرَتُهُمْ لَمْ تَزَلْ وَاضِحَةْ
فيَا ابن عقيل، فدتك النفوس، ليش؟ لعظم رزيتك الفادحه!
رزية مسلم مشابهة لرزية الحسين في كثير من امورها:
- أولاً في غربته: كان غريباً في الكوفة وقتل غريباً كما قتل الحسين، وذبح غريباً بابي وامي فشابه في الغربه.
- وشابه أيضاً في أنه قُتل صبراً: اكو عندنا قُتل واكو عندنا قُتل صبراً (يعني ذبح)، هذا مسلم بن عقيل ضرب عنقه في أعلى القصر، قتل صبراً.
- وفوق ذلك أيضاً: رميت جنازته من أعلى القصر إلى التراب حتى تهشمت عظامه! فإذا كان الحسين عليه السلام قد هشمت خيل العوجية أضالعه، فإن مسلم بن عقيل عليه السلام أيضاً هشموا أضلاعه وعظامه عندما رموه من أعلى القصر إلى الأرض وزادوا على ذلك أن اخذوا يجرونه بالحبال! فإنا لله وإنا إليه راجعون.