الإطعام في موسم الحسين عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم.
نقل شيخنا الطريحي في (مجمع البحرين) حديث مناجاة موسى لربه عن سبب تفضيل أمة رسول الله على أمته، فأجاب بخصال عشر، قال منها: «لماذا فضلت أمة محمد؟»، فقال: «مَا مِنْ عَبْدٍ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ فِي مَحَبَّةِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهِ طَعَاماً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ دِرْهَماً أَوْ دِينَاراً إِلاَّ وَبَارَكْتُ لَهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا الدِّرْهَمَ بِسَبْعِينَ، وَكَانَ مُعَافَىً فِي الجَنَّةِ وَغَفَرْتُ لَهُ ذُنُوبَهُ».
هذا الحديث يذكره شيخنا فخر الدين الطريحي (أعلى الله مقامه) في كتابه (مجمع البحرين). والشيخ الطريحي عالم جليل موسوعي، له تأليفات مختلفة في مواضيع كثيرة، منها (مجمع البحرين) الذي أثنى عليه العلماء ثناءً كثيراً جداً، وهو أشبه بمعجم لغوي ولكن مع ذلك فيه إشارات إلى الأحاديث المروية عن أهل البيت، وفيه استذكارات لقصص ترتبط بتلك المادة اللغوية؛ فهو نافع جداً وأشبه بالموسوعة التي محتواها محتوى ديني وأخلاقي وعقائدي وتاريخي.
من جملة ما أورد فيها؛ أورد خبراً عن مناجاة نبي الله موسى (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام) لربه وقد علم أن الله عز وجل فضل أمة رسول الله على أمته، فسأل عن أسباب ذلك لكي يخاطب أمته ويسيرها في هذا السبيل: «ما ميزات تلك الأمة المحمدية؟ ما الفضائل التي عندها؟ أنا كنبي لبني إسرائيل أعلم بني إسرائيل هذه الفضائل والخصائص حتى ترتقي تلك الأمة». فأجابه بكثرة الصلاة، والصوم، والزكاة... وورد أيضاً: «والعاشوراء». فمن ميزات أمة رسول الله إحياؤهم للعاشوراء (والمقصود بهذه الأمة هي السائرة على منهاج أهل البيت عليهم السلام).
فذكر خبراً عن يوم عاشوراء وشهادة الإمام الحسين (عليه السلام)، وأورد فيه أن من أنفق من ماله في محبة ابن بنت نبيه طعاماً وغير ذلك (أنفق أموالاً لا بأس، أنفق طعاماً كذلك، أنفق أشياء كذلك)، والإجمال أن من أنفق في محبة سبط رسول الله شيئاً في هذا الموسم وفي عاشوراء وبهذه الجهة درهماً أو ديناراً؛ إلا باركت له في الدنيا الدرهم بسبعين، وفوق هذا كان معافى في الجنة (يعني لا يُحاسَب) وغفرت له ذنوبه.
هذا الحديث الذي ينقله الشيخ الطريحي هو مقدمة حديثنا عن موضوع "الاطعام الحسيني" في موسم عاشوراء.
تنويه حول مسألة لبس السواد وحقوق الزوج
لكن قبل ذلك، بناءً على السؤال الموجود حول موضوع ليلة البارحة في موضوع السواد ولبس السواد: أنه قد يقال مثلاً بعض النساء تلبس السواد من أول محرم إلى آخر صفر، وبالتالي قد تضيع بذلك حق زوجها في الاستعداد له والتهيئة المناسبة، فكيف يتفق هذا مع ما ورد من استحباب لبس السواد؟
الكلام في الليلة الماضية كان حول أصل المبدا من غير تحديد للمدة، ولا سيما إذا كان في مثل العشرة الأولى فهو أمر مستحب ولا يعترضه شيء آخر، بل ربما حتى لو امتد إلى نهاية شهر محرم. لكن الاستمرار بهذا النحو (كأن امرأة تقول مثلاً: أنا أُريد أن ألبس السواد على الحسين من أول محرم إلى شهر ذي الحجة)؛ هذا لأنه يتعارض مع أمور أخرى قد تكون واجبة وقد تكون مستحبة (مثل التهيؤ للزوج، وإظهار جمالها وما شابه ذلك لأجل زوجها مما هي مأمورة به ومن حقوق زوجها عليها)، قد يكون هذا معارضاً لذلك الأمر.
فإنه بعد أن قلنا إن السواد هو لون الحزن ولون الانصراف عن الملذات وما شابه ذلك، فهذا بمقتضى المناسبة كالعاشر والعشرة الأولى، وربما زادت إلى العشرة الثانية أو آخر شيء مثلاً إلى نهاية شهر محرم، قد يكون هذا مفهوماً في البيئة الدينية. ولكن المرأة الحكيمة العارفة بأحكام الدين تعرف أن كل حكم إذا كان يعارض حكماً آخر، كل مستحب إذا عارض شيئاً واجباً أو عارض شيئاً مستحباً؛ ينبغي أن يُنظر إلى هذا العنوان الآخر الذي لا يتقيد بوقت.
لبس السواد إنما هو في مناسبة الحسين (عليه السلام)، وأما ما بعد ذلك فلا يُعتبر تحزناً عليه. والمرأة العارفة بالأحكام الشرعية والحكيمة في ذلك توازن بين الأمور؛ فتحزن في مواقع الحزن وتتزين لزوجها في مواقع الزينة، فلا يصح مثلاً أن تأخذ الباب مفتوحاً إلى آخر السنة أو بالأشهر أو تهمل نفسها من جهات التنظف والتطيب وما شابه ذلك خاصة لزوجها ولأجل زوجها فقط. هذا الأمر لا يتعارض مع أمور الحزن ولبس السواد إذا بقي في وقته. هذه إشارة بناءً على أنه قد يرد سؤال في هذا الجانب.
نرجع إلى موضوعنا في "الاطعام الحسيني" الذي هو الآن من الشعائر ومن الشعارات العامة الموجودة في مجتمعات أهل البيت (عليهم السلام) في مناسبة الحسين.
أصل الإطعام -كما تعلمون- إطعام الآخرين غنياً كان أو فقيداً أو جائعاً؛ هذا أمر يقضي به حكم العقلاء في مدحه وحسنه؛ أن الإنسان ليس فقط ينفق أمواله على إطعام نفسه وإنما يطعم غيره، سواء كان ذلك الغير شخصاً جائعاً ساغباً أو كان شخصاً غير جائع. إشراك الآخرين في ماله بإطعامهم مما تهدي إليه الفطرة السليمة ويؤكده العقلاء على أنه شيء حسن ومطلوب بغض النظر عن سائر العناوين. أصل إطعام الآخرين وأن يصرف الإنسان من ماله في هذه الجهة أمر مستحسن بنظر العقلاء وأيضاً تهدي إليه فطرة الإنسان السليمة.
بل فيه تربية أخلاقية؛ أن يتخطى الإنسان حالة البخل وحب الذات بحيث لا يصرف إلا على نفسه، بل هو ماله مع أنه اكتسبه وصرف فيه جهده وعمره لكن يطعم غيره.
الرسالات والديانات السماوية جاءت لتؤكد هذا الحكم العقلائي وهذا الأمر الفطري، فحثت على موضوع الإطعام وأكدت عليه ونوهت باستحبابه. يعني هذه الحالة ليست تشريعاً دينياً جديداً وإنما هي إمضاء لهذه الحالة الفطرية السليمة عند الإنسان، وإمضاء لما عليه العقلاء من استحسان مثل هذا الأمر. فجاءت التشريعات الدينية محسنة للانفاق في الإطعام ومؤكدة عليه؛ لا تأسيسياً وإنما تأكيداً وتأييداً لهذا الأمر.
وهذا في مختلف الرسالات التي آخرها الإسلام أكدت على هذه الأمور، بل نجد في القرآن الكريم وفي أحاديث نبينا محمد أن هذا الأمر (أي الإطعام والسخاء في هذه الجهة) قد يؤثر في تقليل عذاب من يستحق العذاب. هناك حديث مشهور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مروي أيضاً في مصادرنا الإمامية أنه قال: «أَهْوَنُ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ»، قيل له: لمَ؟ قال: «لأَنَّهُ كَانَ يُطْعِمُ الطَّعَامَ».
ومعروفة جِفَان عبد الله بن جدعان في البيئة العربية؛ أنه أحياناً كان يطبخ فيها جملاً وجملين مرة واحدة! انظر قدراً يتسع لـ جمل أو جملين كم حجم هذا القدر؟! وكانوا يصعدون إليه بما يشبه السلالم. هذا قد يكون فيه شيء من المبالغة ولكن المعروف عنه أنه كان يبسط الطعام ويُتيحه لكل من يحتاج إليه بغير مقابل سخاءً منه وعطاءً منه، وهذا مشهور في البيئة العربية؛ مثلما بعض العرب مشهورون بالبخل وهذا كان مشهوراً بالسخاء في جانب الإطعام وتوفير الطعام. الحديث يقول: هذا مع أنه مات مشركاً وكافراً ولم يؤمن برسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلا أنه أهون الكافرين عذاباً، لماذا؟ لأجل أنه كان يطعم الطعام؛ لا يستحق الجنة باعتبار كفره وشركه ولكن يخفف عذابه في هذا الجانب.
وأما آيات القرآن الكريم في هذا الجانب فكثيرة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ﴾، العقبة شيء يتخطاه الإنسان لكي يصل إلى الطرف الآخر، ما هي هذه العقبة؟ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. هذا يساوي كأنما ذاك الإطعام لليتيم في اليوم الجائع يعادل فك الرقبة وعتق الرقبة في الدنيا (وهو شيء كبير جداً)؛ يجلب يتيماً قريباً منه أو مسكيناً من شدة الجوع وقلة ذات اليد يجلس على التراب. فَعَدَلَ القرآن الكريم عتق الرقاب (مع أن أجره عظيم جداً) بالإطعام لليتيم وللمسكين.
وكثير من الآيات المباركات جاءت في هذا الجانب (إن شاء الله نتحدث في ليلة قادمة عنها في أحوال أهل البيت): ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾. فالآيات المباركات كثيرة في هذا الجانب، والروايات كثيرة نشير إلى بعضها
في الرواية عندنا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إِنَّ الرِّزْقَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُطْعِمُ الطَّعَامَ مِنَ السِّكِّينِ فِي السَّنَامِ». سنام الإبل عبارة عن كتلة دهنية، فالسكين لما تمشي فيها تمشي ببطء أم بسرعة؟ بسرعة بطبيعة الحال، هذا ليس خسباً ولا حديداً وإنما كتلة سمن ودهن، فالسكين تمشي فيها بسرعة. فالرزق بالنسبة إلى من يطعم الطعام أسرع من تلك السكين في ذلك السنام!
لماذا يقول النبي هكذا؟ لأن عادة الإنسان إنما يتوقف عن مثل هذا العمل لماذا؟ لأنه يخشى على رزقه: «أنا إذا كل سنة أنفق هكذا تخلص أموالي، رصيدي المالي يقل، بدل هذا دعني أجمعها لكذا وكذا»، فرزقه يحجزه، وخوفه على ذلك الرزق هو الذي يمنعه من أن يتحرك بهذا الاتجاه. فالنبي (صلى الله عليه وآله) يقول له: لا تخف، بالعكس الرزق بالنسبة إلى هذا أسرع من هذه الحالة، والله وعد أن الإنسان إذا أنفق شيئاً فهو يخلفه، وهذا إذا أنفق في إطعام المحتاج والفقير بل غير الفقير (أصل الإطعام) يعوضك الله ويخلف عليك ويعطيك.
أما بالنسبة إلى الحسين (كما سيأتي بعد قليل) فهو يعوض الدرهم بـ ٧٠ درهماً! هذا في الدنيا استثمار؛ هل هناك استثمار في الدنيا كلها أنت تعطي درهماً واحداً فيتضاعف لك ضعفين؟! أقصى ما تضعه في الاستثمار الاقتصادي إذا جلب لك الضعف (جاب لك وجه وقفا كما يقولون)، لا! هذا ٧٠ ضعفا! هذا الأثر الدنيوي، والأثر الأخروي أيضاً تكفير الذنوب والعفو عن الإنسان.
وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أيام شهادة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) بأن يُعمل الطعام لعائلته وأسرته، وذلك بحسب الظاهر باعتبار انشغال أسرة جعفر (أسماء بنت عميس وأولادها وقرابتها) وانشغال أخوات جعفر أو إخوته ممن ينبغي أن ينشغلوا في مصيبة وعزاء جعفر؛ فبعدُ هذه المرأة زوجته ومن يشبهها لسن في حالة أن تقومن وتصنعن طعاماً وما شابه ذلك مع أنه أمر لازم. فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن يُعمل لهن الطعام وأن يُوصل إلى بيوتهن، ولعل هذا كان من أوائل تشريعات الإطعام في قضية الفقد والعزاء.
وبعد ذلك صارت هذه سيرة؛ ذكرنا في ليالٍ مضت ما نُقل من أن زين العابدين (عليه السلام) بعدما رأى نساء بني هاشم يلبسن السواد وكن لا يشتكين بعد قتل الحسين من حر ولا برد: «وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ يَعْمَلُ لَهُنَّ الطَّعَامَ لِلْمَأْتَمِ». "يعمل" يحتمل المباشرة من قبله (وهذه مرتبة جداً عالية)، ويحتمل أنه يجهز ذلك.
عندنا بعض الأفعال -كما يقولون في اللغة العربية- تحتمل أن تكون مباشرة وتحتمل أن تكون بالواسطة؛ تقول: «فلان تاجر بنى مسجداً»، بنى مسجداً ليس بالضرورة أن يأتي ويضع يده في الإسمنت وهذه الأعمال التنفيذية، وإنما يكفي أن يبذل المال ويأتي آخرون فيبنون المسجد فيصدق عليه أنه بنى مسجداً. هناك بعض الأشياء لا تحتمل إلا معنى واحداً وهو المباشرة، مثل: «فلان يأكل»، فلان يأكل ليس معناه أنه يجعل جماعة يأكلون وهو يجلس يتفرج عليهم أو يقول لهم كلوا عني بالنيابة!
"يعمل الطعام" تحتمل الأمرين؛ تحتمل أن الإمام (عليه السلام) أوصى غلمانه وخدمه وجواريه بأن يعملن ويعملوا الطعام لنساء بني هاشم (هذا يحتمل)، ويحتمل أيضاً أنه هو أيضاً كان يشارك ويعمل في ذلك من أجل بيان أهمية هذا الموضوع. وكلا المعنيين ينفع في تشريع هذا المعنى لِأَمْرِ من يقيم العزاء على الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).
هذا العمل (عمل الطعام) تحول الآن -بحمد الله وبفضله- إلى سنة دائمة في كل الأوقات للحسين (عليه السلام) ولأهل البيت في عزائهم ومصائبهم، ونعم ما تحول؛ أولاً لأن التشريع لا يختص بزمن دون زمن ولا يختص بحالة دون حالة وإنما حسب قدرة الإنسان، وفيه امور كثيرة توجب أن يكون هذا دائماً ومستمراً وفي كل الحالات:
١. المظهر الجلي للمودة في القربى:
أنه من مظاهر المودة في قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو الأمر الذي أُمر به المسلمون جميعاً: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى﴾. تعلمون أن المودة تختلف عن المحبة؛ المحبة شعور قلبي حتى لو لم يظهره الإنسان فهو يحب فلاناً، أما المودة فلا تكون مودة إلا بإظهارها في الخارج. ولذلك بعض المسلمين عندما يقولون إننا نحب أهل البيت، يقال لهم: ليس المطلوب هو المحبة وإنما المطلوب في القرآن ماذا؟ المودة! بأن تظهر ذلك، تعلنه بلسانك، تنشر اسمه، كذلك تقتفي أثره، تلتزم بقوله، تعرف أنك منه وإليه، وهو ما عليه شيعة آل محمد أن تطعم الناس باسم الحسين (عليه السلام) في مناسبته؛ هذه مودة في قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت ولا تزال هكذا وستبقى. فأولاً هذا الإطعام في موسم الحسين (عليه السلام) هو مظهر من المظاهر الجلية في المودة في القربى إذا أراد الإنسان أن يظهر المودة: إما يظهرها بلسان، يظهرها بيد، يظهرها بإنفاق مال، يظهرها بإطعام وهكذا... وهو كما قلت ما عليه شيعة أهل البيت (عليهم السلام) من أنهم لا يكتفون بالمحبه بل بالمودة يصيرون إليها، بل بالاتباع والاقتداء وهو الدرجة العالية بحيث يسيرون كما ساروا ويقتفون أثرهم. هذا واحد من الأمور.
٢. مصدر للبركة في المال والبدن:
الأمر الآخر أن هذا الإطعام مصدر من مصادر البركة للمُطعِم وللطاعِم. نحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى عندما أمر بكيفيات معينة فإن في تلك الكيفيات أسراراً وغايات؛ يقول لك إذا أردت أن تشرب الماء قل: "بسم الله الرحمن الرحيم"، أردت أن تاكل قل: "بسم الله الرحمن الرحيم". في بعض الموارد أصلاً يكون الفارق بين الحلية والحرمة هو ذكر اسم الله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مع أنها كلمتان (قول بسم الله هذا أدنى شيء)، لكن الفرق بين أن تقولها وأن لا تقولها هو أن هذا حرام وهذا حلال!
أما الآثار والبركات والخيرات التي تحصل في بدن الإنسان على طعام قد ذُكر اسم الله عليه وعلى ماء قد ذُكر اسم الله عليه (وعندنا أيضاً تأكيد أن يُذكر الحسين عليه السلام عند شرب الماء)؛ فهذه تصبح آثاراً في داخل نفس الإنسان وبدنه، الله سبحانه وتعالى هو العالم فقط بمقدارها وسعتها. نحن نعلم أن هناك آثاراً تحصل وليس الأمر فقط أمراً تعبدياً، وإنما لولا حصول هذه الآثار كلاً أو بعضاً لما قَيَّدَ الله سبحانه وتعالى البشر بها؛ إذا ليس لها أثر فليس لها معنى ولا أي نتيجة، فيصبح لغواً أن تُكَلِّف الناس بها في مثل التسمية على الذبيحة، ويصبح لغواً أن تستحبها وتؤكد عليها في سائر الموارد.
فإذاً الإطعام الذي يُطعم باسم الحسين (عليه السلام) هو مصدر من مصادر البركة في مال الإنسان لما دل عليه الحديث الذي ذكرناه من أن من أنفق درهماً أو ديناراً في طعام ابن بنت نبيه عوضه الله عن كل درهم بسبعين وعن كل دينار بسبعين. هذا في جهة المُنْفِق والمُطْعِم؛ يبارك الله له في ماله ورزقه، وأن هذا باعتبار أنه إطعامٌ فالرزق يكون إليه أسرع من السكين في السنام.
وفي الطاعِم أيضاً؛ يبارك فيه في بدنه وفي نفسه، وهذا الشيء التجربة دلت عليه. يعني هذه السيرة التي رأيناها عند شيعة أهل البيت بل عند غيرهم؛ نلاحظ أن الكثير يتبركون بهذا الطعام ويحصلون على الشفاء في كثير من الموارد. ولقد رأيتُ رأي العين في بعض مناطقنا هنا في منطقة الخليج أن بعض العوائل الكبيرة من غير المذهب يصرون إصراراً كبيراً على أن يصل إليهم طعام الحسين في يوم عاشوراء! هذا أنا رأيته رأي العين؛ عوائل متمولة ضخمة من الناحية المادية تستطيع أن توفر لنفسها من الطعام ما لذ وطاب، ولكن عندهم في اليوم العاشر يوصون الحسينيات بأن يوصلوا إليهم (هذا أنا رأيته رأي العين في أكثر من منطقة، وبعضهم من الجهات الرسمية وغير ذلك)؛ لما يجدون من بركات هذا الطعام في أنفسهم وفي عيالهم.
وأما بالنسبة إلى شيعة أهل البيت فحدث ولا حرج مما وجدوا من بركات هذه الأطعمة! فالطعام الحسيني وما في حكمه مصدر من مصادر البركة التي تحل على الطاعم وعلى المطعم، على الباذل وعلى الذي بُذل له هذا الطعام. فغير أنها مظهر من مظاهر المودة، لها آثار وضعية واضحة على الطرفين. هذا أمر ثاني.
٣. وسيلة إعلامية لإعلان القضية الحسينية:
والأمر الثالث ونختم به: أن هذا الإطعام هو أفضل وسيلة أو من أفضل الوسائل في إعلان القضية الحسينية. عندنا وسائل كثيرة منها المجلس الحسيني، منها الكتاب، منها الشعر، منها الأدب، منها الفيلم... إلى آخره. وعندنا أيضاً هذا الأمر: الإطعام بحب الحسين (عليه السلام) وباسم الحسين (عليه السلام)؛ وصار هذا إعلاناً وشعاراً في كل مكان. متى جاء موسم محرم يعني أن هذه البركة تأتي إلى الناس.
(قد يعترض أناس ببعض الأسئلة وببعض الشبهات، وهذا حديثنا إن شاء الله في ليلة قادمة: نتحدث عما يُثار من أسئلة وشبهات حول موضوع الإطعام الحسيني، وحديثنا هو ضمن هذا الإطار: قضايا الموسم الحسيني على صاحبه آلاف التحية).
فإذاً هذا الإطعام -بالإضافة إلى ثوابه وبالإضافة إلى جزائه عند الله عز وجل في الدنيا والأخره- هو قضية تُعَلِّم الناس وتُعلن عن جهة الحسين (سلام الله عليه) وتُخبر الناس عن هذا. ولو أرادت مؤسسة من أضخم المؤسسات في الدنيا أن تحصي ما الذي ينفقه شيعة الحسين وأتباعه في موسم الحسين من الإطعام بمختلف أصنافه وأشكاله وجندت الآلاف لَعَجَزَت عن ذلك!
ويتصجب الإنسان أنه كيف هؤلاء شيعة أهل البيت (عليهم السلام) مع فقر الكثير منهم... قصص عجيبة؛ أن شخصاً مثلاً كل رأس ماله الوحيد هو أن عنده سيارة "وانيت" يكدح عليها طول السنة، حتى إذا جاء موسم محرم يبيعها قبله ويصنع طعاماً لزوار الحسين وللمعزين على الحسين (عليه السلام)! وهذا بنظر كثير من الناس شيء غير معقول، ولكنه هو نفسه ينقل يقول: «ما يخلص الموسم إلا ويأتيني رزق أضعاف ما صرفته وما أعطيته! كيف جاء وأنا لم أسَعَ إليه وإنما هو سعى إليَّ؟!» هذا معنى أن الرزق في الإطعام مثل السكين أو أسرع من السكين في السنام؛ لا سيما إذا كان في إطعام عزاء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
مصيبة الحسين وعطشه ومصيبة الرضيع
ومن العجب أن جائعاً قضى (بأبي وأمي)، وقال فيه زين العابدين (عليه السلام) كلما قُدّم إليه الطعام: «كَيْفَ آكُلُ وَقَدْ قُتِلَ ابْنُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ جَائِعاً؟! وَكَيْفَ أَشْرَبُ وَقَدْ ذُبِحَ ابْنُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ عَطْشَاناً؟!».
فكشف لنا هذا عن أن الحسين ذُبح في اليوم العاشر وهو جائع. تصوّر شخصاً قادماً من صلاة الفجر إلى عصر ذلك اليوم لم يأكل ولم يذق شيئاً من الطعام؛ فَقُتل جائعاً (بأبي وأمي)!
هذا الجائع، هذا العطشان هو الذي يسقي الناس؛ ملايين البشر يأكلون من بركاته، ملايين البشر يشربون من عطاءات هذا الضامئ العطشان (بأبي وأمي)!
هذا الضامئ الذي لم يظمأ وحده، وإنما ضمئ معه أهل بيته حتى طفله الرضيع أيضاً مات ضماناً (بأبي وأمي). جاءت به أمه الرباب وقالت لزينب: «يا زينب، خذوا طفلكم أنا خائفة أن يموت عندي وأنا لا أملك شيئاً»، فجاء به الحسين (عليه السلام) إلى القوم وقد دلع لسانه من شدة الظماء وهو يتلظى من ذلك، ودعا في القوم: «يا قوم...»:
مِنْ خَطْبٍ فَضِيعِ!
نَبِّئُونِي: أَنَا المِذْنِبُ (حَاشَاكَ سَيِّدِي)، أَنَا المِذْنِبُ عِنْدَكُمْ أَمْ هَذَا الرَّضِيعِ؟!
فَعَلَيْهِ شَبَهُ الهَادِي الشَّفِيعِ (ترى رسول الله هناك شبيهه عطشان، لاحظوه)،
لا يَكُنْ شَافِعُكُمْ خَصْماً لَكُمْ فِي النَّشْأَتَيْنِ!
عَجِّلُوا نَحْوِي بِمَاءٍ أَسْقِهِ هَذَا الغُلامْ ... فَحَشَاهُ مِنْ أُوَامٍ فِي اضْطِرَامْ
أحشاؤه تشتعل من شدة الظلماء:
فَاكْتَفَى القَوْمُ عَنِ القَوْلِ بِتَكْلِيمِ السِّهَامْ!
يعني بتجريحه بالسهام:
فَاكْتَفَى القَوْمُ عَنِ القَوْلِ بِتَكْلِيمِ السِّهَامْ ... وَإِذَا بِالطِّفْلِ خَرَّ قَدْ صُرِعَ لِلْيَدَيْنِ!
وا حسيناه! وا حسيناه! تلج حسين بدم الطفل بيده:
أَهْ، إِشْحَالْ اللِّي يِجْتَلْ بِحُضْنُه وَلِيَّه ... سَالْ وِتْرَسْ كَفِّه مِنْ وَرِيدَه
وَذَبّ لِلسَّمَا وَلِلْقَاعْ مَا خَرّ
تقول الرواية: لم تسقط قطرة من دم الطفل الرضيع بعدما رفعه الحسين إلى السماء:
ذَبّ لِلسَّمَا وَلِلْقَاعْ مَا خَرّ ... وَمْنِ العَطَفْ أَهْوَى لِتَقْبِيلْ طِفْلِه
فَقَبَّلْ مِنْهُ قُبْلَةَ السَّهْمِ فِي المَنْحَر!
لَقَدْ وُلِدَ فِي سَاعَةٍ هُوَ وَرَدَّهُ ... وَمِنْ قَبْلِهِ فِي نَحْرِهِ السَّهْمُ كَبَّر!