زيارات المعصومين من كتاب كامل الزيارات
بسم الله الرحمن الرحيم.
صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، صلى الله عليك وعلى ابن عمك أمير المؤمنين، وعلى أهل بيتك الطاهرين. ما خاب من تمسك بكم وأمن من لجأ إليكم، يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً.
عن إمامنا أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق صلوات الله عليه قال:
بينا الحسين في حجر رسول الله إذ قال له: يا أبا، ما لمن زارك بعد موتك؟ فقال: يا بني، من زارني بعد موتي فله الجنة، ومن زار أباك بعد موته فله الجنة، ومن زار أخاك بعد موته فله الجنة، ومن زارك بعد موتك فله الجنة.
صدق سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله.
عطّروا مجالسكم بذكر محمد وآل محمد.
حديثنا في هذه الليلة -وهذه فاتحة الليالي العشر الثانية من موسم الحسين (عليه السلام)- يتناول موضوع زيارات المعصومين (سلام الله عليهم)، وأثر هذه الزيارات، وما يترتب عليها، وبعض آدابها، والحديث عن مضامينها، ولا سيما ما يرتبط بزيارات سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين.
التعريف بكتاب "كامل الزيارات" ومؤلفه
سنعتمد إن شاء الله تعالى شيخنا الأقدم، تلميذ ثقة الإسلام الكليني، وأستاذ شيخ الطائفة الشيخ المفيد، وهو كتاب "كامل الزيارات" الذي ألفه جعفر بن محمد بن قولويه القمي (المتوفى سنة ٣٦٨ هـ). وإذا واحد أراد أن يحفظ التاريخ، عدد أيام السنة ٣٦٥، فيكون تاريخ وفاة مؤلف هذا الكتاب بعد قليل. سوف نتحدث عن ميزات هذا المؤلف وميزات هذا الكتاب، ولماذا تم اختياره للحديث عن زيارات المعصومين (عليهم السلام).
المعنى اللغوي والاصطلاحي للزيارة
الزيارة كما تعلمون جايّة من الفعل (زار)، و(زار) أصله الأصيل في اللغة حرف الزاء والواو والراء. لما نرجع إلى معاجم اللغة يقول اللغويون: إن هذا الأصل (الزاء والواو والراء) أصل يدل على انتقال وتحول. ولذلك مثلاً عُبِّر في القرآن الكريم في قصة أصحاب الكهف:
أن الشمس تزاور عن كهفهم
تتحول، تنتقل، ما تجي عليهم بشكل مباشر حتى لا تفسد أجسامهم.
تصور واحد يعني سيبقى في الكهف تلك المدة الطويلة (٣٠٠ سنين وازدادوا تسعاً)، وكل يوم راح تشرق عليه الشمس من الصباح إلى الغروب، هذا البدن يفسد لا ريب. فلذلك كانت الشمس تتزاور، تنحرف، تنتقل، تتحول عن الاتجاه المباشر لهم. فهو أصل يدل على انتقال، على تحول، على تغيير.
ومنه أيضاً نفس هذا الأصل جاء منه شهادة الزور وقول الزور. ليش سمي بقول الزور وشهادة الزور؟ لأنها تتحول عن الحق إلى الباطل، وعن الصحيح إلى غير الصحيح.
الزيارة في غير هذين الموردين تعني أن يتحول الزائر إلى جهة المزور. أنت تريد تزور إنسان في حياته، ما يصير تزوره وأنت قاعد في منزلك، وإنما لازم تروح إلى منزله، تتحول وتنتقل من مكانك إلى مكانه. وكذلك الحال بالنسبة إلى قضية زيارات، زيارات المعصومين (عليهم السلام) أن تحقق الزيارة؛ أن يكون الإنسان ينتقل من مكانه إلى محل دفن ذلك المعصوم، فأنت تنتقل من بلدك لزيارة سيد الخلق محمد لابد فيها من تحول، من انتقال، من تغيير المكان اللي أنت فيه إلى المكان الذي فيه القبر.
هذا أصل الزيارة، والزيارة بناءً على هذا لا تتحقق إلا بالذهاب من مكانك إلى مكان المزور. غير أنه وردت توسعة من قبل أئمة الهدى (عليهم السلام) بالنسبة لمن لا يتيسر له الانتقال والتحول؛ كمن بعُد مثلاً عن كربلاء لزيارة الحسين، كمن بعُد عن المدينة لزيارة رسول الله، لا يستطيع دائماً أن يكون رايح جاي، وربما لا يستطيع أصلاً.
أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وسعوا مفهوم الزيارة -الذي أصله لابد أن يكون انتقالاً من مكان إلى مكان- وسعوه إلى أن يتوجه الإنسان إلى جهة ذلك المزور، ويتكلم بكلام يسلم فيه عليه. وهذا وارد صريحاً بالنسبة إلى الإمام الحسين (عليه السلام)؛ فقد ورد في الأخبار:
أنه إذا لم تتمكن من قصد كربلاء فاصعد على سطح دارك، وتوجه إلى كربلاء وقل: السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا بن رسول الله، السلام عليك يا بن أمير المؤمنين.
هذا الحديث وأمثاله وسّع دائرة الزيارة. أصل الزيارة لازم الإنسان يذهب إلى ذلك المكان، لكن هذا الحديث وأمثاله جعل فردين للزيارة:
- الفرد الأول (الفرد الأكمل): هو أن الإنسان يروح يمشي أو يركب الدابة أو يستعمل الطائرة وينتقل من مكانه إلى ذلك المكان، وهذا الفرد الأول وهو الأكمل والأحسن كما سياتي الحديث عنه.
- الفرد الثاني (الفرد التنزيلي): يعني الإمام اجا قال: هذا بمنزلة الزيارة التي يتحرك فيها الإنسان، وإن كان مو بنفس الثواب ١٠٠% لكن تعتبر زيارة، ننزلها بمنزلة الزيارة الجغرافية حسب التعبير اللي فيها ذهاب وحركة وتغيير مكان.
أيضاً إذا توجه الإنسان إلى زياره المعصوم وقرا كلاماً فيه السلام عليه والتسليم له والشهادة في شأنه، هذا أيضاً يعتبر نوعاً من أنواع الزيارات. فهذه إذاً الزيارة في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي وفي توسعه دائرتها.
فوائد الزيارة ودورها في عصور الغيبة
للزيارات فوائد كثيرة جداً، لعلنا نتطرق إليها في أثناء الأحاديث القادمة. ولكن بشكل عام، الزيارة تعتبر الحبل الباقي للاتصال بالمعصوم وتجديد الولاء له.
الأصل أنه إذا إنسان في زمان المعصوم أن يذهب إليه، يأخذ التوجيه من عنده، يسلم عليه، يقترب منه، يتأثر به؛ هذا الأصل.
طيب، من كان بعد زمان الغيبة للإمام المهدي؟ الناس الذين كانوا في زمان رسول الله كانوا يقدرون يروحون إلى رسول الله أي وقت، يسلمون عليه، يجلسون معه، يأخذون عنه، يتبركون به؛ انتهى هذا كله في بداية سنة ١١ هجرية عندما انتقل الرسول إلى بارئه، خلاص انقطع هذا. بعد ذلك نفس الكلام بالنسبة إلى من عاصر أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهكذا سائر الأئمة؛ من أراد زيارة المعصوم حياً كان يذهب إليه، يسلم عليه، يجلس معه، يأخذ عنه، يتبرك به، يسأله، هذا إذا كان في زمانه.
طيب، الآن بعد غياب الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في سنة ٢٦٠ هجرية بدأت الغيبة الصغرى، ما يقدر الإنسان ضمن الظروف الطبيعية أن يلتقي بالامام (عجل الله فرجه)؛ أما خواص الخواص فيمكن أن يلتقي به، ولكن عامة المؤمنين لا تقتضي حكمة الغيبة أن يلتقي بجميع الناس وإن كانوا مؤمنين.
فإذاً ماذا نصنع؟ نحن لم نعاصر النبي، لم نعاصر الإمام أمير المؤمنين ولا الحسن ولا الحسين ولا سائر الأئمة، هل نحن محرومون من هذه النعمة الإلهية؟
لا، ننتقل إلى الزيارة التنزيلية، الزيارة التي لا تحتاج إلى انتقال جغرافي؛ لأن هذه متيسرة كل يوم. الحمد لله، المؤمنون منهم من كل يوم بعد الصلاة التي يصليها يتوجه بالسلام إلى رسول الله وإلى أمير المؤمنين وإلى الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، إما يتجه إليهم بحسب جهاتهم الجغرافية، أو حتى بعض الناس وهو جالس باتجاه القبلة يسلم عليهم، وكلا الأمرين وارد في الأحاديث: أن تتجه إلى جهة القبر وارد، وأن تكون على جهة القبلة أيضاً هذا وارد، ولعل هذا لتسهيل مثل هذا الأمر على المؤمنين.
فقسم من الناس -وإن حُرِموا من الزيارة بالمعنى الجغرافي بمعنى أن يذهب إليه- لا يحرمون من الزيارة بالمعنى التنزيلي.
منهجية كتاب "كامل الزيارات" ومؤلفه
هذا الكتاب الذي ألفه جعفر بن محمد بن قولويه القمي (المتوفى سنة ٣٦٨ هـ) يتكفل بذكر الزيارات التي على النحو الأخير، وهي أن الإنسان لا يستطيع، ليس معاصراً للإمام، وإنما إما يذهب لزيارته في مكانه -كان يذهب شخص لزيارة رسول الله في المدينة، أو أن يذهب لزيارة أمير المؤمنين في النجف، أو أن يذهب لزيارة الحسين والعباس وأنصاره في كربلاء، وهكذا- هذه الزيارات إما يستطيع أن يذهب وإما لا، حتى إذا لم يستطع الذهاب يزور من بعيد.
جاء هذا العالم الجليل ووضع هذا الكتاب، ونقل الأحاديث بأسانيد معتبرة على رأي المشهور، بأسانيد تامة، وبالتالي نقلها عنه من تأخر عنه، وهو يعتبر من المتقدمين؛ ليش؟ لأن تلميذ الشيخ الكليني (رحمه الله) -الشيخ الكليني توفي نحو ٣٢٦ أو ٣٢٩ هـ- لقي الأصحاب الذين التقوا بالأئمة المعصومين (عليهم السلام) لا سيما المتاخرين كأصحاب الإمام العسكري (عليه السلام) وأصحاب الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ولديه أسانيد تامة ومعتبرة على رأي المشهور إلى هذه الزيارات.
هذا أمر مهم؛ ليش؟ لأن الزيارة منزلتها تقوى وتعظم كلما كان المنشئ لها هو معصوم. أنا وأنت نقدر نقول: (السلام عليك يا رسول الله) وبعدين نألف الزيارة، لكن هذه الزيارة على مستوانا لا نستطيع أن نأتي فيها بعبارات ومضامين كما يورد أئمة الهدى (عليهم السلام).
فإذا كانت الزيارة واصلة إلى المعصوم هذه تكتسب أهمية كبيرة جداً بحيث راح تكون مضامينها مضامين عالية، بل قد يُستكشف منها بعض الأحكام الشرعية؛ لأن هذا كلام المعصوم. شلون إذا الإمام مثلاً قال رواية في الفقه إحنا نعتمد عليها؟ ليش؟ لأنه إمام معصوم، كلامه ككلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويجب العمل به والأخذ كلامه حجة. وهذا الكلام ما يختلف بين أن يكون جالس في مجلس درس، أو يخطب خطبة، أو أن يكون قد قاله في صورة دعاء، أو أن يكون قد قاله في صورة زيارة.
بل بعضها -كما سياتي الحديث عنه على بعض الآراء- مثلاً في زيارة عاشوراء هناك مسلكان: مسلك يقول إن هذه مروية بأسانيد إلى الله عز وجل يعني هي في حكم الأحاديث القدسية، وقسم آخر لا، يقول أنها مروية عن الإمام الباقر (عليه السلام). لعلنا نتعرض إلى هذين الوجهين فيما يأتي من الأحاديث في الليالي القادمة.
الشاهد أن أهمية هذا الكتاب مو كلام من عنده، مو تحليلات هو يقولها مثلاً، مو عبارات هو يصوغها، وإنما كل هذه هي روايات تنتهي إلى المعصومين (عليهم السلام)، وأسانيده إليها أسانيد معتبرة صحيحه على قول المشهور.
وقد ذكر هذا العالم الجليل -وهو كما قلنا تلميذ الكليني وأستاذ الشيخ المفيد؛ الشيخ المفيد هو أستاذ أاتذة ومشايخ الطائفة المحقة، الشيخ المفيد أستاذ لشيخ الطائفة الطوسي، أستاذ للشريفين المرتضى والرضي، والشيخ المفيد بعد إذا تحدث انسان عنه ينبغي أن يقتصر بس على هذا الكلام أنه أول من أطلق عليه شيخ الطائفة، هو شيخ الطائفة الإمامية هو الشيخ المفيد رحمه الله، وقد ورد في تلقيبه بهذا اللقب توجهات متعددة تحدثنا عنها في ضمن الحديث عن شخصيته في شهر رمضان الذي مضى، إذا أحد أراد حديث عن شخصية المفيد وعن إنتاجه وعمله والى آخره فليرجع إليها- على أي حال، إذا هذا الكتاب مؤلفه بهذا المستوى من العلم والمعرفة، إذا ذاك الشيخ المفيد بذاك المستوى وهذا أستاذ الشيخ المفيد، فانت انظر إلى التلميذ وانظر إلى استاذه الذي علمه ودرسه ووجهه وأفاض عليه العلم.
أما الكتاب، فالكتاب في الحوزات العلمية الشيعية جداً ينظر إليه بمنظار عالي من الاعتبار. هو يقول في مقدمة هذا الكتاب هذه الفقرات:
أنا جمعت ما يرتبط بالزيارات للمعصومين وغيرهم عن الأئمة أنفسهم، ولم أخرج فيه حديثاً عن غيرهم.
ليش؟ لأن ما عندهم يكفي عما عند غيرهم، من الممكن أن بعض الأحاديث موجودة إليها طرق أخرى غير طرق الأئمة أنا ما جبت هذه. هذا كتاب بحسب التعبير كتاب شيعي خالص مروي عن أئمة آل محمد. فيقول:
لم أخرج حديثاً عن غيرهم فيها، بعد وأيضاً ما رويت كل الأحاديث عنهم.
ليش؟ لأنه لا يستوعب هذه الأحاديث الواردة عنهم من الكثرة والتوسع بحيث ما أقدر أجيبها أنا كلها. فإذاً ماذا صنعت؟ قال:
نعم، ولم أروِ جميع ما روي عنهم، لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا رحمهم الله.
وهذه الفقرة هي كما يقولون محل بحث ونقاش في الحوزات العلمية قديماً وحديثاً إلى يومنا هذا، وتفتح أبواباً أمام العلماء في البحث الرجالي. الآن إحنا ما نريد ندخل في أمر تخصصي، ولكن المختصر أن هذا الشيخ الجليل يقول إنه: أنا اللي رويته إنما رويت ما رويت كل ما وصل إليّ، وإنما رويت ما وصل إلينا من الثقات من أصحابنا (يعني مو ناس عاديين، وإنما ثقة صادق غير مشتبه في أحاديثه، وأن يكون أيضاً من أصحابنا يعني من الإمامية).
فوق هذا، أنا الرجال والرواة اللي معروفين بشيء من الشذوذ كالغلو أو غير ذلك، أو أنه مثلاً مو مضبوطة كلماته، حتى هذا أيضاً الروايات ما رويتُها عنه. فحسب تعبيرنا المعاصر: أنا جعفر بن قولويه نخلتُ هذه الروايات نخلاً كاملاً، صفيتها تصفية كبيرة، وما جبت إلا الذي رواه الثقات من أصحابنا. حتى إذا كان من أصحابنا من شيعة أهل البيت لكن عنده روايات مضطربة، عنده روايات شاذة، حتى هذا أيضاً ما جبتها.
معنى ذلك أنا أقدم الك يا من تقرأ هذا الكتاب، أقدم لك روايات معتبرة سليمة تامة توافق أصول المذهب. وهذا بضمانه هو طبعاً.
لما يقول هو هذا الكلام سيثير في العلماء كما ذهب إلى ذلك بعض علمائنا ومنهم سيد الطائفة الخوئي (رحمه الله) وغيره. السيد الخوئي متشدد في أمر الأسانيد -أنا أجيبه ليش؟ لأنه متشدد في أمر الأسانيد- فأما غيره فالأمر بعد أوضح.
السيد الخوئي كان يرى -لا سيما في أوائل أمره- أن كل من ورد اسمه في هذا الكتاب (كتاب كامل الزيارات) هذا ثقة، وفي أي مكان جاب إلينا حديث نقول هذا حديث صادق؛ ليش؟ لانه وثقه هذا العالم الجليل.
لذلك هذا كتاب كامل الزيارات من الكتب المهمة في الحوزات العلمية لأنه يوثق فيه الرجال، ومن الكتب المهمة في أمر الزيارات لأنه أورد الزيارات للمعصومين عن الأئمة (عليهم السلام) وانتخب منها انتخاباً. طبعاً مو فقط زيارات، عنده فيما يرتبط بأحوال الحسين (عليه السلام) الكثير الكثير الكثير، عنده الكثير الكثير من الأحاديث حول شخصية الحسين، منزلة الحسين، قضية مأساة بكاء السماوات والأرض والحيتان والملائكة، بل ما يرى وما لا يرى، كل أورد هذا في أحاديث هذا الكتاب، قد يتسع الوقت لنتحدث عنه إن شاء الله تعالى في هذه الليالي.
رواية الصادق (ع) في فضل زيارة الإمام الحسين (ع)
في هذا الكتاب أورد في أول الأمر رواية، هذه الرواية إلى الإمام الصادق (عليه السلام) أن الحسين بسند معتبر عنه:
أن الحسين (عليه السلام) كان جالساً في حجر رسول الله (صلى الله عليه وآله).
تدرون أن الإمام الحسين (عليه السلام) بناءً على أن ولادته كانت سنة ٤ هجرية وأن وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) سنة ١١ هجرية، فيكون عاصر جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) نحواً من ست سنوات سبع سنوات. هل هؤلاء وبالتالي سواء كان قد جلس في حجره عمره أربع سنوات أو خمس سنوات أو أقل أو أكثر، بس أنتم تعلمون أن بالنسبة لنا المعصوم أمره ما يتاثر بالسن كبراً وصغاراً؛ ماذا أنه لما الإمام يكون عمره ٢٥ سنة يجيب أحاديث عديدة، لما يكون عمره مثلاً سبع سنوات ما يجي أحد؟ لا، ليس كذلك، فإننا رأينا في حياة الإمام الجواد (عليه السلام) قد تصدى للإمامة التامة والعظمى وهو ابن سبع سنوات، وأمامنا المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وهو ابن خمس سنوات، وأمامنا الهادي (عليه السلام) أيضاً نحو ذلك حوالي سبع سنوات ونحوها.
فأئمتنا (عليهم السلام) هم بالنصوص وهم بالتجربة التاريخية -التجربة التاريخية تفيد أنهم لم يكونوا يتاثرون بقضية السن والعمر-.
وقد قال علي بن جعفر -علي بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وكان من فقهاء أهل البيت (عليهم السلام)- كان يقرب إلى الإمام الإمام الجواد حذاءه. علي بن جعفر يصير بقد جده حسب التعبير؛ لأنه علي بن جعفر أخو الإمام الكاظم (عليه السلام)، ومعنى ذلك أنه عم الإمام الرضا، وبالتالي عم والد الإمام الجواد! فشد لازم يكون هذا عمره وذاك عمره؟ مع ذلك كان إذا أراد الإمام الجواد أراد أن يقوم يجي يقدم حذاءه ويعدله له، وإذا أراد أن يركب الدابة يخلي رجله أو يده حتى يصعد الإمام عليها الإمام الجواد.
فبعضهم لاموه في ذلك، يقولون له: أنت مع ما عليه من العلم -كان عالماً كبيراً حتى عندنا من الكتب التي يستدل بها الفقهاء كتاب مسائل علي بن جعفر، روايات كثيرة في كل أبواب الفقه- أنت على هالعلم اللي عندك وهالشيبة كبير السن عم أبوه عم والده مع ذلك تعدل الحذاء والشكل تسوي؟
فقال كلمة يفهمها أهلها:
ما أصنع إذا كان الله عز وجل لم يرَ هذه الشيبة أهلاً للإمامة ورأى هذا الغلام أهلاً للإمامة؟! والله لا يعمل إلا ما هو حكمه وعلم.
فهذا مو شخص عادي، حيث جعله الله في موقع الإمامة.
الشاهد أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان في حجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسأله قال له:
يا أبا، ما لمن زارك بعد موتك؟
شنو يحصل الإنسان الذي يزورك بعد موتك؟ قال له:
يا بني، من زارني بعد موتي فله الجنة.
وأردف الإمام قائلاً:
ومن زار أباك بعد موته فله الجنة، ومن زار أخاك أي الحسن بعد موته فله الجنة، ومن زارك بعد موته فله الجنة.
هسّة هذه (فله الجنة) من الآثار الأخروية تحتاج لها إلى شرح، تحتاج إليها إلى بيان، تحتاج إلى إجابة على الإشكالات لو كان هناك إشكالات، نخليها إلى بحث حول آثار وثمار وفوائد زيارة المعصومين من آل محمد.
تضحيات محبي أهل البيت (ع) وجهودهم في الزيارة تاريخياً
ولأجل مثل هذه الروايات الكثيرة والأحاديث المتعددة والفوائد المرتقبة والمتوخاة، كان شيعة أهل البيت (عليهم السلام) -كنتم أنتم أيها السامعون والسامعات، يا من ثبتم على ولاية أهل البيت ثبتكم الله وإيانا على ذلك- كان شيعة أهل البيت يصرفون الأموال الطائلة في الذهاب إلى زيارات المعصومين، ويتحملون العقبات والصعوبات في سبيل الوصول إلى أضرحتهم، ولا يبالون بالمصاعب ولا يبالون بالتحديات تاريخياً وحديثاً.
تاريخياً ما نُقل في زمان المتوكل العباسي (لعنه الله عليه) أنه كان يضع مسالح (نقاط سيطرة)؛ أي واحد إذا كان يأتي إلى زيارة الحسين (عليه السلام) -في البداية كانوا ياخذون منه الأموال ضرائب، ضرائب مجحفة، مخالفات، عقوبات، اللي أحياناً الإنسان يحتاج إلى سنوات حتى يجمع الأموال- ومع ذلك شيعة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يدفعون هذه الأموال. بل تطور الأمر بشكل سيء إلى أنه من كان يذهب للزيارة ربما كان يقتل!
وهذا إحنا نلاحظه، سواء كان من تلك الحكومات الباغية الظالمة أو كان من الفرق المنحرفه. ولك في قصة أبي الحسن الخلعي المشهورة من أن سبب تشيعه وسبب انتمائه إلى أهل البيت (عليهم السلام) أن والديه كانا خارجيين، فكانوا ربوه على هذا الأساس. فلما صار عنده قوة وبلغ مبالغ الرجال أعطوه سيفاً وقال له: تروح على طريق الحائر، أي واحد يروح إلى زيارة الحسين تضربه بالسيف! شو مسوي فيكم الحسين ما تدري؟
القصة تقول إنه ذهب الرجل، وعلى اثر التعب غفى ونام، يظهر أن ركباً من الزوار جاء وهو في حالة النوم، وفي هالآثناء ثار الغبار وسقط التراب عليه. في الرؤيا رأى أن القيامة قد قامت وأن النار قد أضرمت للخاطئين والمنحرفين، لكنها لا تصل إليه! كل ما توصل إلى بدنه هذا التراب والغبار يحجبها عن الوصول إلى ذلك البدن، بدنه هو بس عليه التراب الزائرين وغبار الطريق الذي أثاره الزائرون.
فلما نهض وعرف معنى الرؤيا هذه، أنشأ ما عُرف فيما بعد من الشعر:
إذا شئتَ النجاةَ فزرْ حسيناً غداةَ تلقى الإلهَ قريرَ عينِ
فإن النارَ ليس تمسُّ جسماً عليه غبارُ زوّارِ الحسينِ
أبا عبد الله! إذا واحد أصابه غبار زوار قبرك الشريف وأنت خلصته من النار، ترى هؤلاء المؤمنون الحسينيون الذين قضوا حياتهم كلها -كما قلنا في بعض الأماكن، الواحد منا من عمره خمس سنوات إلى عمره ٨٥ سنة وهو يصدح باسم الحسين (عليه السلام)، وهو يبكي على الحسين (عليه السلام)، وهو يشتاق إلى زيارة الحسين، شوية صار عنده فلوس وين رايح؟ رايح إلى الزيارة!- الله يبلغنا وإياكم هذا الموقع وهذا المنزل، ويستاهل الحسين (عليه السلام).
فلقد أعطى كل شيء؛ أعطى الذي ملكت يداه إلهه حتى الجنين فداه! كل جنين. وبعزة قعساء خاطب نفسه:
يا نفسُ لا تهني بنصرِ الدينِ أعطيتُ ربي موثقاً لا ينقضي
إلا بقتلي فاصعدي وذريني إن كان دينُ محمدٍ لم يستقمْ
إلا بقتلي يا سيوفُ خذيني راسي ورأسُ أختي مع نسوتي
تهدى لرجسٍ في الضلالِ مبينِ
هذا حال الحسين!
وأما حال أصحاب الحسين وأشياع الحسين ومن والاه؛ فإن لسان حالهم:
وحق راسك المقطوع يا شمس المضي للحشور ما ننساه مصابك والرزية
ننسى وسهم صاب قلبك يا ذرانا؟ ننسى وسهم الصاب قلبك يا ذرانا ذلنا وفت قلوبنا ونكس لوانا
وتقطيع جسمك بالثرى يا قطع معانا وخيل وطت صدرك على حر الوطية ايش سوت داست يا ابن حيدر على قلوب المحبين وبقلوبنا نخليك عاري بغير تكفين وذبح الطفل ننساه هذا محال يا حسين!
لا ينسى. بالوديعة على سيدي يا حسين، كلنا نحتضن قبرك ونزور، بس ما نخلص ذلك المكان ننتهي منه، إلى أين نذهب؟ نذهب إلى قبر أبي الفضل العباس (سلام الله عليه).
وبعدها نذهب لزيارة المخيم الحسيني نتذكر زينب (سلام الله عليها) وهي تنادي: (وجداه! ورسول الله!) بعدما هجموا على المخيم. كأني بالأعداء ولسان حالهم: ذهب المانعون عنك فقومي واخلعي العز واللبسي الأغلال! صوتي باسم من اردت فانا قد أبدناهم جميعاً قتالا.