كيف تعدل زيارة الحسين حجات وعمرات؟
بسم الله الرحمن الرحيم
روي عن سيدنا ومولانا أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم (صلوات الله وسلامه عليه) أنه قال"أَدْنَى مَا يُثَابُ بِهِ زَائِرُ الحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) بِشَاطِئِ الفُرَاتِ إِذَا عَرَفَ حَقَّهُ وَحُرْمَتَهُ وَوِلاَيَتَهُ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ"
المقدمة الأولى: فلسفة الثواب والعطاء الإلهي
أورد الشيخ ابن قولويه القمي في كتابه (كامل الزيارات) أبواباً متعددة ذكر فيها أقساماً من الثواب والأجر الذي يحصل عليه زائر الحسين (عليه السلام). وهذه الأبواب اختلفت في تعابيرها وعدد المنازل التي تترتب على زيارة الحسين (عليه السلام) ومقدار الأجر الذي يصل إلى الزائر، لكن قراءة كل باب تشير إلى عظمة هذه الزيارة وإلى الثواب الكبير الذي يترتب عليها.
تارة الإنسان ينظر إلى هذه الزيارة والعطاء الإلهي مع أنها من الناحية الظاهرية لا تستغرق كثيراً من الأوقات ولا تستهلك كثيراً من الأموال، ومع ذلك تترتب تلك المثوبات العظيمة على مثل هذه الزيارة. وهي في هذا تشبه كثيراً مما ورد من مصادر المدرستين في إثابة الله عز وجل العامل بها مهما كان ذلك العمل بسيطاً وصغيراً، كأن يقول الإنسان "لا إله إلا الله" فيترتب عليه مثلاً من الآثار فله الجنة وأمثال ذلك.
وهذا قد بُحث في محله؛ أن عطاء الله سبحانه وتعالى لا يُقاس بالأعداد كما نقيسه نحن البشر، فنعتبر أن لكل شيء قيمة معينة بحيث إذا زادت زاد الثمن وزاد العطاء نتعجب منه. مثلاً أنت تذهب لكي تشتري قنينة ماء مثلاً قيمتها المتعارفة على سبيل المثال نصف ريال، فلو أعطى المشتري ١٠٠ ريال لها تتعجب! لماذا؟ لأن عندك حسابات معينة أن هذا له ميزانية خاصة وعنده مقدار معين من المال ولا بد أن يصرف بتعادل في هذا المكان وذاك المكان وإلا انتهت أمواله. بينما الباري سبحانه وتعالى لا تأتي هذه الحسابات عنده.
بالإضافة إلى ذلك كثير من القضايا لا يثاب عليها الإنسان بها مباشرة ليس بقيمتها، وإنما بما تعبر. عندنا مثلاً رواية صحيحة على كل المسالك"مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبِلَهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُعَذِّبْهُ" هذا شيء قد لا يخطر بالبال أصلاً! واحد إذا يصلي ركعتين مقبولتين من الله يعطيه الجنة ولا يعذبه، والرواية معتبرة على كل المسالك. هذا لا يُنظر فيه إلى قيمة هاتين الركعتين الظاهرية من أنها تستهلك من الوقت مثلاً أربع دقائق أو من الجهد شيئاً بسيطاً أو ما شابه ذلك، وإنما بما تعبر عن طاعة الله والخضوع له وما شابه.
دمعة في جوف الليل يريقها الإنسان خوفاً من الله وشوقاً إلى ثوابه تطفئ بحاراً من نيران جهنم، إذا تقيسها بالمقاييس العادية لا معنى لهذا الكلام، ولكن إذا تقيسها بما تدل عليه وما هو وراء هذه الدمعة إلى أن خرجت في ذلك الوقت وعن تعبيراتها وخلفياتها سوف تجد أن الأمر طبيعي، لا سيما وأن الطرف المعطي هو من لا يختلف عنده الذرة عن المجرة. أنا وأنت وأمثالنا من الخلائق يختلف عندنا الريال عن المليون، لكن الباري سبحانه وتعالى لا يختلف الحال عنده بين ذرة لا تُرى بالعين المجردة وبين مجرة؛ كل الكواكب والأفلاك التي نراها وحولنا هي شيء واحد.
عرض روايات فضل الزيارة وتفسير تفاوت الأجر
على كل حال ضمن هذا الأمر إذا نظرنا إلى ما جاء من الثواب في مثل الحسين (عليه السلام) يكون الأمر أقرب إلى الفهم. سوف نستعرض بعض الروايات الواردة في هذا الباب ونشير إلى جهة هي مثار جدل لا سيما من قبل مخالفي المذهب والذين أحياناً يريدون أن يثيروا الغبار. فلنقدم بذكر بعض الروايات ثم نجيب على السؤال الذي عادة ما يُطرح من قبل مخالفي المذهب في خصوص زيارة الإمام الحسين (عليه السلام).
. الرواية الأولى:
أما الروايات فمنها هذه الرواية التي ذكرناها عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، وهي باعتبار نقلها في كتاب (كامل الزيارات) لابن قولويه، وقد سبق منا أكثر من مرة الحديث عن عظمة الكتاب وعظمة المؤلف وأنه إنما يورد من الروايات ما هو منقول بواسطة الثقات عن الأئمة الهداة (عليهم السلام).
يقول"أَدْنَى مَا يُثَابُ بِهِ زَائِرُ الحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) بِشَاطِئِ الفُرَاتِ إِذَا عَرَفَ حَقَّهُ وَحُرْمَتَهُ وَوِلاَيَتَهُ.".
يعني هذه الزيارة مقرونة بالوعي بموقع الحسين (عليه السلام)، وهذا واحد من الإشارات التي تفسر لنا وجه الاختلاف في الروايات بين الزيادة والنقيصة.
الدارس للروايات يلاحظ أن هناك درجات واختلافات في نقل هذه الروايات عن الثواب المترتب على زيارة الزائر، ليست كلها بلسان واحد؛ بعضها عالٍ جداً وبعضها متوسط وبعضها مثل هذه الرواية «أدنى ما يثاب الزائر». فإذا رأينا روايات مختلفة في الثواب والأجر المترتب على زيارة الحسين لا يصح أن يسارع الإنسان إلى القول: كيف هذه الرواية تقول هذا الشكل من الثواب وتلك الرواية تقول شيئاً آخر؟ هذه تقول بكل خطوة ١٠٠٠ حسنة، وتلك تقول غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ورواية ثالثة تقول شيئاً آخر، كيف يصير هذا الاختلاف؟
جوابه؛ أحد الأجوبة أن هذا راجع إلى قضية المعرفة بالحسين (عليه السلام). المعرفة والوعي والاعتقاد يزيد درجة الزائر وأجر الزائر. يعني أن يذهب انسان زائر إلى الحسين (عليه السلام) ومعرفته بمقدار ١٠% على سبيل المثال (فقط يعرف أن الحسين عليه السلام إمام معصوم) هذا له ثواب، بينما أنت الآخر الذي تذهب وتعرف الحسين ونسبه ومنزلته ومقامه ولماذا ثار وما جرى عليه من المآسي والفوائد المترتبة على نهضته، أنت هنا عارف بحقه، عارف بإمامته، عارف بولايته، عارف بحرمته؛ كل ما زادت معرفتك زاد ثوابك عن ذاك الذي يعرف فقط مثلاً أن الحسين (عليه السلام) إمام مفترض الطاعة. هذا المقدار مطلوب ولكن كلما زاد الإنسان معرفة زاد ثواباً.
هنا أيضاً الرواية تقول"بِشَاطِئِ الفُرَاتِ إِذَا عَرَفَ حَقَّهُ وَحُرْمَتَهُ وَوِلاَيَتَهُ، أَدْنَى شَيْءٍ حَصَلَ عَلَيْهِ هُوَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" نسأل الله أن يكتب لنا زيارة الحسين وجزاء ذلك ونحن على أبواب زيارة الأربعين والمؤمنون الآن يتجهزون لذلك، نسأل الله أن يبارك لهم في نفقاتهم وأن يكتب لهم السلامة والوصول وأن يثيبنا وإياكم بحق محمد وآل محمد.
الرواية الثانية (في ثواب المشي):
الرواية الأخرى عن أبي الصامت قال: سمعت أبا عبد الله (يعني الصادق عليه السلام) وهو يقول"مَنْ أَتَى قَبْرَ الحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) مَاشِياً"
هذه مثلاً فيها عنوان المشي فهي تختلف عن الرواية السابقة بجهة من الجهات؛ تلك مطلقة (ماشياً، راكباً، غير ذلك)، وهذه مخصصة للماشي. هذا الثواب وأمر المشي لزيارة الحسين (عليه السلام) مع توفر إمكانية الذهاب بالطائرة والذهاب بالسيارة وغير ذلك، وهذا من الأمور التي شُرعت بها زيارة المشي والمشي إلى زيارة الحسين (عليه السلام) في أيام الأربعين:
"مَنْ أَتَى قَبْرَ الحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) مَاشِياً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَةً"
والرواية كما ذكرنا في (كامل الزيارات) وهو كتاب معتبر ومؤلفه معتمد من العلماء، فهذه أيضاً نمط آخر من العطاء الإلهي والجزاء الإلهي. إذا تريد أن تحسب هذا الأمر يطول جداً؛ لأنك تصور ما بين النجف الأشرف مثلاً وبين كربلاء لمن يذهبون إلى الزيارة مشياً هناك حوالي ٨٠ ألف متر. ٨٠,٠٠٠ متر إذا كل متر فيه خطوتان متعارفتان يعني هناك ١٦٠,٠٠٠ خطوة؛ بكل خطوة يغفر له ١٠٠٠ سيئة، ويكتب له ١٠٠٠ حسنة، ويرفع له ١٠٠٠ درجة، بعد الحساب خذ آلة حاسبة واحسب! كتب الله لك ولنا هذا الثواب.
الرواية الثالثة (تجهيز الزائرين):
رواية ثالثة فيها إشارة أخرى أحببنا أن نأتي بها وهي تجهيز الآخرين لزيارة الحسين (عليه السلام). قد يكون إنسان ما عنده قدرة؛ صحته لا تساعده على السفر، أو عنده صحة ولكن ليس عنده إمكانية الذهاب (شغل، أمور عائلية، في العمل ما أعطوه إجازة... إلى غير ذلك من الموانع). فهذا له طريق آخر لكي يحوز على الثواب وهو تجهيز غيره للزيارة.
إنسان آخر عنده إمكانية الذهاب وما عنده مانع ويرغب في ذلك ولكن ما عنده القدرة المادية، فالرواية عن الصادق (عليه السلام) وقد سُئل: "ما لمن يجهز إليه (يعني إلى زيارة الحسين) ولم يخرج لعلة تصيبه لسبب من الأسباب المانعة؟"، فقال (عليه السلام)"يُعْطِيهِ اللَّهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ أَنْفَقَهُ مِثْلَ أُحُدٍ مِنَ الحَسَنَاتِ"
تدري كم امتداده؟ ٨ كيلو من الجبال المرتفعة! كم وزنها هذه؟ الله العالم! بكل درهم هنا يُعطى هناك مثل أُحُد من الحسنات:
"وَيُخْلِفُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَضْعَافَ مَا أَنْفَقَ"
أنفقها، أعطى ذاك الواحد ٥٠٠٠؛ الله يعوضه ليس بعشرة وإنما أضعاف، ليس بضعف بل أضعاف!
"وَيَصْرِفُ عَنْهُ مِنَ البَلاَءِ مِمَّا قَدْ نَزَلَ لِيُصِيبَهُ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ، وَيُحْفَظُ فِي مَالِهِ"
هذا كان مقدراً أن ينزل عليه البلاء الفلاني؛ مثلاً في بداية سفره على سبيل المثال هو في ليلة شهادة زين العابدين (عليه السلام) زود أحداً بنفقة زيارة الحسين (عليه السلام)، من آثار هذا الإنفاق أنه يدفع عنه البلاء المقرر في علم الله عز وجل، لماذا؟ لأن الله يمحو ما يشاء ويثبت، فيُمحى عنه ذلك البلاء ويكتب له الفرج والرخاء. كتب الله لكم ولنا ذلك بفضله وكرمه.
الإجابة عن الشبهات ومقارنة الروايات
عندنا الآن الرواية التي هي معركة الكلام عادة، وهي سلسلة من الروايات لكن يجمعها هذا:
قال الراوي: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك، ما لمن زار قبر الحسين وصلى عنده ركعتين؟ قال"كُتِبَتْ لَهُ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ"
في روايات أُخر: ٢٠ حجة، وفي روايات أُخر أكثر من ذلك، ونحن خلينا على هذه الرواية. مثل هذه المقارنات استغلها بعض المخالفين لكي يشوشوا -كما هي عادتهم- على شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وتضج كلماتهم وكتبهم ومنتدياتهم: كيف يصير الحج ركن الله الأكبر الذي قام عليه الإسلام، بعد ذلك زيارة الحسين تعدل حجة وحجة وحجة حتى بلغت ٢٠؟ كيف يصير هذا؟ كيف تكفي زيارة الحسين عن حج بيت الله الحرام الذي هو بهذه المنزلة والتعظيم والذي إذا إنسان لا يذهب معنى ذلك أنه خلع عنه ربقة الإسلام، وأوجب الله الحج في كتابه بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾؟ أنتم ماذا تقولون يا شيعة أهل البيت، أن زيارة الحسين تكفي عن الحج؟!
طبعاً عندما يخاطبون يدغدغون مشاعر غير العارفين وغير الواعين، وفي الغالب هم يصنعون هذا لتسوير جماعتهم عن الانسياق إلى شيعة أهل البيت، وإلا شيعة أهل البيت الحمد لله لا يستمعون إلى هذه الأمور منهم بعدما عرفوا أنها واردة عن أئمة معصومين وخلفاء لرسول الله. ولكن حتى ذاك يضع سياجاً وسوراً لا يتخطى أحد من ذلك المنهج إلى منهج أهل البيت فيشوشون على هذا الأمر.
طيب، نحن خلينا نأتي إلى هذا الأمر: هل يمكن أن يُتعقل أن تكون زيارة الحسين (عليه السلام) وزيارة قبره كافية عن الحج وأفضل من الحج أو لا يمكن ذلك؟
جوابنا على ذلك في نقاط:
النقطة الأولى:
إن المقارنة بين زيارة الحسين وأفضليتها وبين الحج غير ناظرة إلى الحج الواجب، وهذا صريح في الروايات وصريح في الفتاوى. لا أحد يقول إن زيارة الحسين (عليه السلام) تكفي عن الحج الواجب؛ الإنسان مستطيع من كل الجهات يجب عليه أن يذهب إلى الحج، ووجود هذه الروايات هو صحيح وغير ناظر إلى الحج الواجب وإنما إلى الحج المستحب.
فهذا التهويش لما تأتي وتقول إنه كيف يصير هذا؟ الحج ركن الإسلام وما أدري كذا وكذا، وزيارة الحسين أقصى ما فيها أنها عمل مستحب، كيف تُفضَّل هذه على ذلك الواجب الذي هو الركن الركين للإسلام؟
يُقال: أولاً المقارنة ليست بين الزيارة المستحبة وبين الحج الواجب، وإنما بين الزيارة المستحبة استحباباً مؤكداً وبين الحج المستحب. هذا في كفة وهذا في كفة؛ ترجح كفة الزيارة.
كيف يصير أن الزيارة أفضل منه؟
نقول: في كتب مدرسة الخلفاء ما هو أدنى بمئات المرات جُعل أفضل من الحج! ليس فقط حجة بل حجات! إذا كان هذا الأمر موجوداً عن مثلاً أن شخصاً يجلس بعد صلاة الفجر (هذا موجود وسنقرأ روايتهم) في أن يجلس بعد صلاة الفجر ويعقب إلى طلوع الشمس، يحضر صلاة الجماعة الصبح ويجلس يعقب ويذكر الله إلى أن تطلع الشمس، هذه الجلسة كأنما ورد في رواياتهم تعدل حجات عندهم! تعدل حجة تامة تامة تامة! بعض الأعمال عندهم إذا الإنسان يفعلها تعدل وتفضل حجة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مع أنها أعمال بسيطة.
شخص إذا يجلس خلف صلاة الجماعة، يجلس صلاة الجماعة اليوم الصبح وبعد الصلاة ساعة وربع تطلع الشمس، إن سبح فإذا به يفوز بما هو مثل الحج!
فإذا كان هذا موجوداً عندكم فلماذا تنكرون على أهل البيت وعلى شيعتهم أن زيارة الحسين تفضل الحج؟
خلينا نقرأ الروايات الواردة عندهم (ما عندنا وقت نستعرض كل شيء):
- في سنن الترمذي: (وسنن الترمذي عندهم في مرتبة الكتب الستة المهمة حديثياً، ليست بمنزلة الصحيحين: صحيح البخاري ومسلم، ولكن في مرتبة الكتب الستة التي يُنظر إليها بعين الاعتبار، وهذا الحديث حسنه محدثهم قالوا هذا حديث حسن):
عن أنس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)"مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ سَوَاءً"
سواء كانت له كأجر حجة وعمرة هتان الركعتان، ثم صلى ركعتين كانت تلك الركعتان كأجر حجة وعمرة، أو لا كان مجموع العمل (واحد يصلي جماعة الصبح بعد ذلك يجلس هذه الفترة ساعة وربع تقريباً من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وفي هذه الأثناء أيضاً يصلي ركعتين). هذا العمل الذي يستغرق مثلاً ساعة وربع أو نحو ذلك كان له كأجر حجة وعمرة. فإذا هذا العمل البسيط -خصوصاً إذا نقول إن كلمة (كانت) عائدة على الركعتين فقط؛ لأنه يحتمل عائدة على الركعتين "ثم صلى ركعتين كانت" يعني تلك الركعتان له كأجر حجة وعمرة، ويحتمل مجموع هذا العمل-؛ على أي حال عمل أَبُو ساعة وربع زائد ركعتين كانت كأجر حجة وعمرة! فإذا كان هذا وهذا كله ليس واجباً (صلاة الجماعة ليست واجبة، الجلوس خلف الصلاة إلى طلوع الشمس ليس واجباً، أمر الركعتين كذلك مستحب) ومع ذلك عدلت حجة وعمرة، فإذاً هذا موجود وطبيعي فلماذا لا تكون زيارة الحسين مع ما سيأتي فيها من المعاني لماذا لا تساوي حجة وعمرة؟ أم أن بائكم تجر وباء أهل البيت لا تجر؟! هذه رواية.
- الرواية الأخرى في المعجم الكبير للطبراني:
عن أبي أمامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال"مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ لا يُرِيدُ إِلاَّ أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْراً أَوْ يُعَلِّمَهُ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَّامّاً حَجَّتُهُ"
نفس الكلام، هذا حاج تام، كم يثاب ذاك الحاج؟ هذا أيضاً سيثاب. يعني بإمكانك في السنة أن تحصل أجر كم؟ ٣٦٠ حاجاً تاماً حجته! يوم تذهب لتعلم واحداً مسألة شرعية، ويوم ثاني تذهب لتتعلم من واحد مسألة شرعية، وتقضي السنة هكذا يعني ٣٦٠ حجة في سنة واحدة!
إذا كان هذا موجوداً في كتبكم مع سهولته؛ الآن كلكم تذهبون إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) تلاحظون أن هناك في الصباح حلقات: هذا الذي يتعلم قرآناً، وهذا الذي يتعلم فقهاً، وذاك الذي يتعلم لغة عربية. بناءً على هذا الحديث ما دام طول السنة هكذا معنى ذلك أنهم ٣٦٠ حجة تامة يأخذون ثوابها بهذا العمل البسيط وهو حضور خمس دقائق أو عشر دقائق في المسجد حتى يتعلم أو يعلم! إذا كان هذا موجوداً في أحاديثكم فما هو الضير في أن يكون الذهاب لزيارة الحسين (عليه السلام) مع ما يكتنفها من المعاني أيضاً له أجر حجة وعمرة؟ هذه رواية أخرى.
- رواية ثالثة في صحيح البخاري:
قال فيها"عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي"
الرسول (صلى الله عليه وآله) في قصة يسأل فلاناً لماذا لم تأتِ معنا الحج هذه السنة؟ قالت له: نحن عندنا دابتان؛ واحدة منهما أخذها أبو فلان (الذي هو زوجها) وذهب بها، والثانية هي ناضح لنا ننقل عليها الماء، فتأسفت وكذا، فقال لها: لا بأس، عمرة في رمضان تفعلينها هي بمثابة حجة معي أنا رسول الله! ليست حجة مطلقاً. ولذلك أنت ترى مثلاً عمرة شهر رمضان عند أتباع مدرسة الخلفاء يقتتلون عليها، لماذا؟ لأنها بحسب هذا الحديث تعدل حجة مع رسول الله!
طيب العمرة هي كلها كم؟ في مثل بعض الأيام ثلاث ساعات، وفي بعض الأيام أقل من ذلك. فهذه تعادل حجة، وليست أي حجة: حجة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)! هذا حسب التعبير لا مشكلة فيه في كتبكم. لكن زيارة الحسين (عليه السلام) لا، لا يجب أن تعدل حجة! الدراسة بمقدار عشر دقائق تعدل حجة لا مشكلة فيها! العمل الآخر أيضاً أن يبقى بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس ثم يصلي ركعتين في أربع أو خمس دقائق ثوابها ثواب حجة وعمرة لا مشكلة فيها!
زيارة الإمام الحسين خصوصاً في أوقات الصعوبات والمشاكل والتهديد، وأحياناً قد يفقد الإنسان حياته أو أمواله، كل ذلك براً برسول الله (صلى الله عليه وآله) ومواساة لأهل البيت وتجديداً للعهد والولاء مع أئمته، هذا الذي يستغرق أحياناً أوقاتاً طويلة، ويستغرق أموالاً كثيرة، ويتهدد الإنسان في بعض الحالات أخطار واضحة، هذا لا ينبغي أن يساوي حجة وعمرة؟! لكن ركعتين في أي مسجد يفعلها الإنسان كما قالوا بعد أن يبقى الصباح بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يثاب على ذلك حجة وعمرة؟! ما لكم كيف تحكمون!
ليس المقياس في الروايات هذه (وفيها بعضها صريح وفتاوى العلماء صريحة) لا تُقاس زيارة الحسين بالحج الواجب وإنما بالحج المستحب، فترجح عليه وتفضله وتتقدم عليه إذا كان مثل ركعتين ومثل جلسة لدرس بعشر دقائق ومثل حج ومثل عمرة هكذا تعادل حجة وعمرة وحجة مع رسول الله وحجة تامة تامة تامة (فالرواية التي موجودة في كتبهم قال "تامة" ثلاث مرات وهذه الروايات عندهم صحيحة).
هناك لا مشكلة وهنا فيه مشكلة! ما هو المبرر لذلك؟
هذا إنما جئنا به لا لنستدل به وإنما لنرفع استنكارهم في هذا الأمر. واحد يأتي يقول لك: كيف تفعلون هذا الشكل؟ كيف تعملون هذا الشكل؟ نقول له: أنتم تعملون ما هو أدنى من هذا! كيف تؤمنون بهذا؟ أنتم تؤمنون بما هو أدنى من ذلك؛ ركعتان تقولون هذا ثوابهما حجة وعمرة، نحن نقول زيارة الحسين (عليه السلام). لماذا هناك لا مشكلة فيه وهنا فيه المشكلة؟ هذا أولاً؛ الغرض منه هو رفع هذا الاستبعاد وهذا الاستنكار واعتباره أنه شيء غير مقبول.
النقاط الأخرى في ترجيح أفضليتها
ثانياً:
نحن نقول أيضاً: ثاني الأمور زيارة الحسين (عليه السلام) بما هي تجديد للعهد معه، إن قيل «عارفاً بحقه وحرمته ومجدداً لولايته»؛ هذا العمل هو نوع من أعمال العقائد. أنا أعتقد بالإمام الحسين، أذهب لزيارته لكي أجدد العهد معه وأؤكد الولاء له وأزداد إيماناً بإمامته. هذه العملية لو ننظر إليها وإلى خلفياتها هي نوع من العقائد وليست مجرد أعمال.
العلماء يفرقون بين العبادات وبين العقائد؛ يقولون العقائد هي في مرتبة الأصول: الإيمان بالله عز وجل في مرتبة الأصول، الإيمان بنبينا محمد:
هو في مرتبة الأصول، الإيمان بيوم القيامة كذلك، الإيمان بأئمة أهل البيت (عليهم السلام) هو من العقائد عندنا الإمامية وهو في مرتبة الأصول. وأما العبادات كلها فهي في مرتبة الفروع الفقهية؛ الصلاة مع أنها عمود الدين لكنها في مرتبة العبادات، والأصول مقدمة على الفروع الفقهية؛ الإيمان برسول الله مقدم على الصلاة، الإيمان بالله مقدم على الصلاة، أنت تصلي لمن؟ تأتم بمن؟ كذلك بالنسبة إلى الإيمان بأئمة الهدى (عليهم السلام). لما كانت في رتبة الأصول فالأصول تتقدم على ماذا؟ على الفروع.
لذلك الحج، الصلاة، سائر الأعمال، لما كانت من العبادات فهي ضمن هذا الإطار. الحج ليس أفضل من الإيمان بالله، ليس أفضل من الإيمان برسول الله، ليس أفضل من الإيمان بأئمة الهدى، ليس أفضل من الإيمان بالمعاد ويوم القيامة. إذا كان كذلك فمن الطبيعي أن الشيء الذي هو في رتبة أعلى وهي رتبة الأصول، والشيء الآخر الذي في رتبة أدنى من تلك وهي رتبة العبادات والفروع الفقهية؛ فما الضير في ذلك إذا فرضنا أن زيارة الحسين -بما هي اعتراف بإمامته، وبما هي تجديد للولاء والعهد معه- ارتقت إلى مستوى الأصول كالإيمان بالتوحيد والإيمان بالنبوة والإيمان بالمعاد؟ حينئذ كل العبادات تتأخر عنها. لا نريد أن نقول إنها تكفي، لا، ولكن في الموازنة هذه من الأصول وهذه من الفروع. هذا أمر ثاني.
الأمر الثالث:
من الذي يحدد أفضل وليس بأفضل، وأحسن وليس بأحسن، وأكثر وأقل؟ في الأمور العادية البشر في الميزان يأتي يضع لك ميزان كيلو أو ميزان كيلوين فيقول هذا أكثر وذاك أقل. احسب، إذا عنده أشياء محسوبة أقول هذا أكثر وهذا أقل. أي إنسان يستطيع أن يحدد فيقول هذا عنده كتب أكثر من هذا، لماذا؟ لأنه يستطيع أن يحسبها، ذاك عنده معارف أكثر من هذا لأنه يقدر أن يحصيهم.
أما في أمور العبادات فمن الذي يحددها؟ إنما يحددها الوحي؛ والوحي إما قرآن وإما سنة عن رسول الله، أو عندنا الشيعة عن أهل البيت (عليهم السلام). فإذا جاء في القرآن قبلنا به، جاء في سنة رسول الله قبلنا به، جاء في سنة المعصومين قبلنا به. وقد حدد أئمة الهدى (عليهم السلام) هذا الأمر بأن زيارة الحسين -على اختلاف ظروفها التي ذكرناها- تعدل حجة وعمرة بل أكثر من ذلك، نقبل كما لو قال رسول الله، ونقبل من رسول الله كما لو قال الله سبحانه وتعالى. وإذا صحت الأخبار عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تلك التي ذكرناها من مصادرهم نقبلها، لماذا؟ لأن الذي يحدد ليس إلا الوحي: الباري سبحانه وتعالى أو رسوله أو وليه المعصوم.
وقد يكون أيضاً أن الحج كما يقول بعضهم هو قيمة معيارية للحساب. أنا مثلاً مرة أقول إن زيارة الحسين كل خطوة بألف؛ هذا معيار. مرة أقول يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ هذا معيار آخر. مرة ثالثة أقول ذاك الحج الذي فيه الثواب العظيم الكبير الكذا كقيمة معيارية أحضره وأقول: ترى زيارة الحسين هي كالحج والعمرة (صلاة الركعتين التي قالوها الجماعة في كتبهم لا أريد أن أقول هذا صحيح، وإنما أقول على فرض صحته نقول كقيمة معيارية ومقياس؛ هذا الحج والعمرة يكون في هذا المجال). فبدل مثل ما نقول بكل خطوة ١٠٠٠، ومثل ما نقول غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، نقول أيضاً يساوي حجة وعمرة، وحجتين وعمرتين... وهكذا.
لا سيما في مثل الحسين (سلام الله عليه) الذي كان يُراد تنبيه الأمة إلى الاهتمام بقضية الحسين وإلى التوجه إليه وأن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة؛ فاهتدوا إلى مصباحه أيها المسلمون واركبوا سفينته أيها المسلمون. كيف نأتي نحن الأئمة نحرض الناس على أن يلتقوا بركب الحسين (عليه السلام) وأن ينجوا في سفينته وأن يستضيئوا بمصباحه؟ نبين لهم حقائق لا يدركها الإنسان العادي في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام).
أنت ترى أحياناً البائع يبيعك شيئاً تستكثر السعر عليه، بعد ذلك لما يبين لك المزايا الخفية في هذا (سيارة مثلاً) تستغرب كيف هذا! لما يبين لك مواصفاتها وخصائصها ترى لا، هذا السعر سعر معقول بعدما بين لك خصائصها وصفاتها التي لم تكن تدركها أنت.
زيارة الحسين (عليه السلام) نحن لا ندرك أعماقها بل كثير من العبادات كما قلت لكم في أول الحديث: ركعتان متقبلتان يدخل بهما الإنسان الجنة هذا ما نقدر نفهمه، لا بد أن يأتي واحد من المعصومين (رسول أو إمام أو يأتي في الوحي القرآني) حتى نقدر أن نفهم ما ميزة هاتين الركعتين. لا بد أن يكون بيان وتوضيح من جهة معصومة. أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لأجل أن يدعوا الناس إلى زيارة الحسين ويحرضوهم على ركوب سفينته والاستضاءة بمصباحه قالوا لهم: ترى انتبهوا، زيارة الحسين كذا وكذا. هذه ليست مبالغة، لا، أنا لا أعرف المعنى الظاهري، لا أعرف المعنى الباطني بل أعرف المعنى الظاهري، فإذا جاءني شخص وأخبرني بأن هذه ليست مثل التي تتوقع بل فيها من الثواب كذا وكذا وكذا، حينئذ أنا أقبل هذا ما دام الأمر قد جاء من معصوم.
معركة كربلاء وقضية الحسين (عليه السلام) كثير من الروايات كان غرض الأئمة (عليهم السلام) تنبيه الناس إلى عظمتها، وإلا لو لم يبين لنا الأئمة (عليهم السلام) ذلك هل كنا نعرف أن قضية الحسين ومصيبته: «جَلَّتْ وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّمَاوَاتِ عَلَى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ، وَجَلَّتْ وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ عَلَى أَهْلِ الإِسْلاَمِ»؟ ما كنا نتوجه إلى هذا! هل كنا نعلم قبل مثل هذا الحديث أنه بكى على الحسين ما يُرى وما لا يُرى، والحيتان في البحار، والطير في الفضاء، والإنس والجن؟ ما كنا نعرف هذا! إنما لما بين لنا أئمة الهدى (سلام الله عليهم) تعرفنا على ذلك، ومنه معرفتنا بأفضلية زيارة الحسين (عليه السلام) على ما ذُكر من الحجات والعمرات.
على أن نفس الحج -وإن كان الوقت لا يتسع لهذا الكلام- الحج في أحاديثنا تمامه بلقاء الإمام في زمان حضوره وتجديد العهد به، وإلا أن يكون حج وأمير الحج على سبيل المثال مثل يزيد بن معاوية أو من يشبهه؛ فما هذا الحج؟ ليس إلا مظهراً خارجياً! لا بد أن يكون الحج مكملاً للتوحيد ومعترفاً بالنبوة، وهذا إنما يحصل عندما يذهب الإنسان الحاج إلى الأئمة. وفي هذا الباب كثير من الروايات أنه أُمر الحاج أن يأتي إلينا (يعني إلى الأئمة) بعد قضاء مناسكه.
المصيبة والرثاء: شهادة القاسم بن الحسن (عليهما السلام)
فهذه المأساة وهذه المصيبة التي جلت وعظمت في السماوات على أهل السماوات وفي الأرض على أهل الأرض وعلى أهل الإسلام، لا مانع أبداً أن تكون بهذه المنزلة من الثواب؛ فإنه قد ضُحّي فيها بـ ١٧ من ولد فاطمة كلهم ارتكض في رحم فاطمة وبطنها (صلوات الله عليها). في رواية: «مَا لَهُمْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ شَبِيهُونَ». في حديث الإمام الرضا للريان بن شبيب أراه عظمة هذه الواقعة أنه قُتل فيها ١٧ نفراً ما لهم على وجه الأرض شبيهون معادلون.
أهناك من يشابه أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) في زمانه؟ أهناك من يشابه أبا الفضل العباس؟ أهناك من يشابه علياً الأكبر؟ أهناك من يشابه ولد الحسن المجتبى؟ أسباط رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثل القاسم بن الحسن المجتبى (سلام الله عليه) الذي كان خليفة أبيه في دفاعه عن عمه الحسين (عليه السلام)؛ ضحى بنفسه وبذل جهده (سلام الله عليه) من أجل أن يدافع عن الحسين عمه (صلوات الله عليه).
كلكم تعرفون أمره وقصته (صلوات الله وسلامه عليه)؛ كان في بداية العمر وعادة الإنسان في بداية عمره تشغله الدنيا ويرى زهرتها ويحب ما يرى فيها من الأشياء وتكون الحياة عزيزة عنده، لكن هذا عندما يسأله الحسين: "كيف ترى الموت عندك يا بني؟"، قال له: «فِيكَ وَاللَّهِ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ!».
الموت صعب مر المذاق، ولكن إذا كان من أجل الحسين (عليه السلام) فإنه يصبح أحلى من العسل! لذلك جاء مستأذناً عمه الحسين، الحسين (عليه السلام) اعتنق ابن أخيه هذا وبدآ يبكيان! الرواية التاريخية تقول هكذا: اعتنقه وأخذا يبكيان! الحسين يبكي على ابن أخيه القاسم، والقاسم يبكي على وحدة عمه الحسين (سلام الله عليهما)، حتى وقعا على الأرض من شدة البكاء! ما هذا من بكاء الذي يخلي الحسين -وهو الرجل القوي المقاتل- لكن بهذا المقدار الذي كان يبكي على القاسم وقع معه على الأرض!
فلما صار هكذا قام القاسم مستأذناً إياه، وقال له الحسين: "اذهب إلى الخيمات وودع أمك وعماتك". فدخل القاسم، تصور في هذا العمر شاب ينتظر الجميع أن يقدم على حياته الزوجية وأن ينعموا بأن يفرحوا به، وإذا به يجهز نفسه لكي يُقتل بين يدي عمه الحسين!
(النخوة والنعاوي):
لَزْمَتْ رِكَابِ سِكَيْنَه عَمِّتِه ... بِحَالِقَتْ شَمَّه
وَمْنِ الخِدِرْ مَذْهُولَه ... طِلْعَتْ تْنَادِيهُمْ
يَا بْنِي جَاسِمْ هَالوَكِتْ ... حِيلَكْ لْعَمَّكْ ضُمّ
لِهَالْيَوْمْ أَنَا ذَاخِرْتَكْ ... بَالِكْ تُخِيبْ ظْنُونْ
هَزِّ الرُّمُوحْ وِتِجَنْ يَا ... وَالْدَه ادْعِي لِي
عَمِّي وَحِيدْ بِكَرْبَلاء ... عَمِّي وَحِيدْ بِكَرْبَلاء
المَنْ أَظُمّ مِنْ حِيلِي؟
رَايِحْ أَنَا يَا وَالْدَه مِنْ غَيْرِ مَا تِقْلِي لِي
ولكن أماه عندي وصية إليك:
شُبَّانْ لَوْ شِفْتِيهُمْ بِاللهِ ذَا ذِكْرِ شَبَابْ
مَحْرُومْ مِنْ شَمِّ الهَوَى مِنْ دُونِ كُلِّ أَصْحَابْ
ودع النساء، ودع أمه، وانطلق إلى الميدان وهو يقول:
إِنْ تُنْكِرُونِي فَأَنَا نَجْلُ الْحَسَنِ ... سِبْطُ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى وَالْمُؤْتَمَنِ
هَذَا حُسَيْنٌ كَالْأَسِيرِ الْمُرْتَهَنِ ... بَيْنَ أُنَاسٍ لَا سُقُوا صَوْبَ الْمَزَنِ
أخذ يقاتلهم قتال الأبطال. قال حميد بن مسلم: خرج علينا غلام كان وجهه فلقة قمر وفي رجليه نعلان، وهو يقاتل القوم ساعة إذ انقطع شسع نعله لا أنسى أنها اليسرى، فأهوى ليصلحه، أهوى عليه اللعين عمرو بن سعد الأزدي شاهراً سيفه فضرب القاسم على رأسه، فهوى إلى الأرض صريعاً يخور في دمه ويقول: «يَا عَمَّاهُ أَدْرِكْنِي!».
جاءه الحسين قتل قاتله وجلس عنده وهو يقول: «عَزَّ عَلَى عَمِّكَ أَنْ تَدْعُوَهُ فَلَا يُجِيبَكَ، أَوْ يُجِيبَكَ فَلَا يَنْفَعَكَ، صَوْتٌ كَثُرَ وَاتِرُهُ وَقَلَّ نَاصِرُهُ!».
بكى وناداه:
يَا جَاسِمْ شْبِيدِي ... يَا رِيتِ المَوْتْ قَبْلَكْ حَزّ وَرِيدِي
هَانْ لَكُمْ تِخْلُونِي وَحِيدِي ... عَلَى خِيَامِ العِدَا وَالخَيْلِ تِفْتَرّ
وجاء به ومدده ما بين إخوته بقدرهم يا ويلي وهم موتى:
بَسْ مَا سِمَعِ النِّسْوَانْ ... صَوْتِه اجْتِمَعْ تِصِيحْ اللهُ أَكْبَر
بُنَيَّ فِي لاَفَه خَلَّفْتَ ... وَالِدَةً تِرْعَانِ نُجُومَ السَّمَاءِ فِي اللَّيْلِ بِالسَّهَرِ