تأمل في نص زيارة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)
بسم الله الرحمن الرحيم.
صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، صلى الله عليك وعلى ابن عمك أمير المؤمنين، وعلى أهل بيتك الطاهرين. صلى الله عليك يا سيدي يا أبا عبد الله الحسين، ما خاب من تمسك بكم وأمن من لجأ إليكم، يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً.
روي عن سيدنا ومولانا علي بن الحسين صلوات الله وسلامه عليه، عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:
من زار قبري بعد موتي كان كمن هاجر إليّ في حياتي.
صدق سيدنا ومولانا النبي محمد.
تحدثنا في ليلة مضت عن معنى الزيارة اللغوي والمعنى الاصطلاحي، وذكرنا أن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وسعوا دائرة الزيارة الذي كان في الأصل عبارة عن الانتقال من مكان الزائر إلى مكان المزور، وهذا هو الموافق للمعنى اللغوي. وسعوا هذا المفهوم بحيث يستطيع الإنسان أن يزور المعصوم ولو كان بعيداً عنه، فيتوجه إليه إلى جهته من بلده، ويقرأ العبارات الواردة في الزيارة، ويحسب له ذلك زيارة ويثاب عليها وإن كان لم ينتقل إلى مكان دفن المعصوم.
منزلة الهجرة وفضل زيارة قبر النبي (ص)
هذا مر في ليلة مضت في الحديث عن رسول الله، والذي ينقله كما ذكرنا في ليلة مضت حيث سنعتمد هذا الكتاب كتاب "كامل الزيارات"، ينقله ابن قولويه القمي، وينقله بأسانيد معتبرة على رأي المشهور إلى المعصوم. هنا أحد هذه الروايات بسنده إلى الإمام علي بن الحسين عليه السلام، والإمام السجاد ينقل عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله هذا الحديث: "من زار قبري بعد موتي كان كمن هاجر إليّ في حياتي".
الهجرة لرسول الله في حياته تعتبر من الدرجات العاليات، وإذا إنسان مؤمن ولم يهاجر إلى رسول الله في تلك الفترات، في بعض آيات القرآن الكريم: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء)، يعني هؤلاء مو أولياء حقيقيين لرسول الله صلى الله عليه وآله. وفي بعض الفترات أيضاً كان عدم الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله مع وجوبها في تلك الفترات، عدم الهجرة إليه يعد من الكبائر، ويعبر عنه بالتعرب بعد الهجرة، أن الإنسان المفروض يهاجر إلى رسول الله يتعلم أحكام الدين منه، يتعرف على عبادة الله، ويترك هذا الأمر؛ فهذا يعد من غير المهاجرين مع تمكنه بطبيعه الحال، فيعاقب ولا يعتبر من أولياء الرسول حقاً.
النبي صلى الله عليه وآله يقول: هذه المنزلة التي كانت لمن عاصر رسول الله صلى الله عليه وآله، الواحد اللي في زمان النبي يقدر يهاجر إليه من مكانه إلى المدينة ويكون رهن إشارة رسول الله صلى الله عليه وآله. طيب، ما بعد رسول الله انتفى هذا الموضوع، فهل أن هذه الميزة والمنزلة -منزلة الهجرة، لاحظوا تعبير المهاجرين في القرآن الكريم وهذا الفعل يكسب صاحبه منزلة عالية- هل هي ممكنة للانسان بصورتها الأولية وهي الهجرة إلى الرسول؟
لا يمكن؛ لأن النبي ليس حياً بهذا المعنى اللي جالس ويستقبل الناس ويعلم، وإن كان حياً عند ربه. فماذا نصنع؟ أي إنسان يزور قبر رسول الله صلى الله عليه وآله بعد موته ينزل منزلة المهاجر إلى رسول الله في أيام حياته، كما هو مفاد هذا الحديث الشريف.
الفرق بين زيارة مسجد النبّي وزيارة قبره الشريف
من الأمور التي ينبغي أن يلتفت إليها الإنسان المؤمن أن الزياره الوارده في كتب الإمامية والأحاديث الكثيرة التي تبين فضيلتها هي زيارة قبر رسول الله تحديدا. المسجد عندنا، مسجد النبي صلى الله عليه وآله له فضيلة بأن الصلاه فيه تعدل ألف صلاة، إذا أنت تصلي، لاسيما الفرائض فضلاً عن النوافل، تصليها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، شرف هذا المكان وعظمه هذا المكان تجعل ثواب الصلاة الواحدة هناك بثواب ألف صلاة في سائر الأماكن.
لكن الزيارة ليست للمسجد؛ الصلاة في المسجد فيها فضيلة فيها منزلة هي التي تحدثنا عنها، ولكن الزيارة لا ترتبط بالمسجد، وإنما ترتبط بالقبر الشريف، زيارة قبر النبي. ولذلك عندنا في الروايات مثل هذه: "من زار قبري بعد موتي"، وكثير من الروايات التي تربط بين الزيارة وبين النبي، بين الزيارة وقبر النبي.
ربما بعض الفئات في المسلمين يتحرجون في هذا الأمر، فلذلك يقول لك: لا تقول أنا رايح أزور قبر النبي، وإنما رايح أزور مسجد النبي؛ لأنهم رووا فيما زعموا أنه لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، واحد منها مسجد رسول الله، فأنت مو رايح لقبر رسول الله، وإنما رايح للمسجد؛ لأنه لا تشد الرحال لا ينبغي الذهاب لا ينبغي السفر من مكان إلى مكان قاصداً مسجد، كل المساجد سواء، إلا أن هناك ميزة وفضيلة مثل مسجد النبي والبيت الحرام.
هذا كلام فيما يرتبط بالمساجد قد يكون له وجه، ولكن وردت الروايات الكثيرة -حتى من طرق مدرسه الخلفاء ومن طرق مذهب أهل البيت عليهم السلام- أن الزيارة هي لقبر رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنه إنما يقصد لزيارة قبر رسول الله لزيارة رسول الله. ولهذا -باستثناء هذه الفئة من المسلمين وهي فئة محدوده ومعروفة بشيء من الجفاء للنبي والعترة- باستثناء هذه الفئة سائر المذاهب حتى من المذاهب الأربعة يرون استحباب زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله، ولاسيما بالنسبة لمن كان ذاهباً إلى الحج، فإنه لو لم يقصد النبي ولم يتحرك باتجاه المدينة زائراً قبر رسول الله عُد جافياً لرسول الله، وأن هذا المعنى يعتبر جفاء. وأنت واصل إلى هناك من بلدك وقبر النبي قريب بالنسبة إليك قياساً إلى هذه المناطق التي يأتي منها الناس، فإذا لم تقصد النبي صلى الله عليه وآله وأنت ذاهب -وبشكل آخر أكيد ما راح تروح تقصده من بلدك إلى هناك- فهذا يعتبر نوعاً من أنواع الجفاء، إلا إذا كانت هناك ظروف قاهرة للإنسان فهذا لا يعد جفاء.
فزيارة النبي الواردة في روايات أهل البيت عليهم السلام ومنها ما ذكرناه، والزيارة الواردة في مصادر مدرسة الخلفاء، ليس المقصود منها زيارة المسجد؛ لا معنى لزيارة المسجد، إنما إذا جاءت روايات المقصود منها هو أن يصلي في المسجد، هناك فرق بين زيارة المسجد والصلاة في المسجد وهناك فرق بين زيارة النبي وعدم زيارته.
فاذا جاء حديث يتكلم عن زيارة رسول الله ليس المقصود منه زيارة مسجد النبي، وإنما زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله، وباعتبار أنه وصل إلى ذلك المكان يستحب له أن يصلي في مسجد رسول الله، وإنما شرف مسجد النبي بوجود النبي صلى الله عليه وآله وبدفنه فيه صلوات الله عليه، هو الذي بناه وأمر ببنائه، وزاد شرفاً زادت تلك البقعة شرفاً وعظمة بكون رسول الله صلى الله عليه وآله مدفوناً فيها.
لهذا اهتم أئمة أهل البيت عليهم السلام بالتحريض والتشجيع على قصد قبر النبي وزياره هذا القبر، ووضعوا لذلك أموراً كثيرة، طبعاً هم اخذوها من رسول الله صلى الله عليه وآله.
آداب زيارة الرسول الأكرم ومضمونها العالي
زيارة النبي صلى الله عليه وآله تاره تكون مجرد ذهاب إلى قبر النبي، وقدمنا فيما سبق أن هذا المعنى يحقق معنى الزيارة؛ إذا تروح إلى النبي وتوقف قدام قبره هذه درجة من درجات الزيارة حتى لو لم تتكلم بشيء؛ ليش؟ لأن أصل الزيارة معناها انتقال الزائر من مكانه إلى حيث مدفن المعصوم، وهذا حاصل قلنا أيضاً لو أن إنساناً قام من مكانه هنا وذهب إلى كربلاء ولم يقرا زيارة وارث، لم يقرأ زيارة عاشوراء، لم يقرا زيارة الناحية؛ درجة من درجات الزيارة هذه تحققت وهو الانتقال إلى ذلك المكان. نعم الدرجة الأكمل فيها مقدمات، لا سيما كما يرتبط بالطهاره مثلاً؛ استحباب الاغتسال قبل الذهاب لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله من المستحبات المؤكدة، قراءة ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام في زياره رسول الله صلى الله عليه وآله بالألفاظ التي وردت منهم.
سوف نتعرض بعد قليل إلى إحدى هذه الزيارات المشهوره والتي يتلوها ويذكرها أكثر المؤمنين عندما يذهبوا إلى زيارة النبي صلى الله عليه وآله. وهذا المقدار -هذا المقطع الذي موجود في روايه معتبره من حيث السند عن الإمام الصادق عليه السلام- فيه من المعاني شيء كثير جداً، لا أظن يتيسر لنا التفصيل فيه والانتهاء منه في هذه الليلة، لذلك نشير إلى معانيها باشارات مختصرة إن شاء الله.
الزيارة مروية بسند معتبر عن الإمام الصادق عليه السلام يقول:
إذا رحت إلى المدينة لزيارة قبر رسول الله فاغتسل لتزوره
تكون على حالة اغتسال، وهذا من الأغسال المستحبه. ثم بعد ذلك تذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله، وتستقبله حتى لو كنت مستدبراً للقبلة.
قبر رسول الله صلى الله عليه وآله لا سيما في تلك الأزمنة، الآن الوضع مختلف إلى حد ما بإمكانك أن تستقبله وتستقبل القبلة في نفس الوقت، وبامكانك كما هو الحال إلى الآن موجود أن تستقبله وتستدبر القبلة؛ الآن الذين يمشون بعنوان السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله يصير قبر النبي على يسارهم والقبلة على يمينهم، حتى لو استدبرت القبلة مع أنه راح يصير عندك دعاء، والمستحب في الدعاء عادة أن يستقبل القبلة، لكن لأجل أنك مستقبل لرسول الله ولقبره، هذا الأمر يكسب الاستقبال لرسول الله حتى لو كنت مستدبراً للقبلة، يكسب دعاءك إمكانية الوصول والاستجابه من قبل الله عز وجل.
ماذا تقول فيها الرواية؟ هكذا تقول:
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.
من هنا سيرتفع الخطاب، ها الشهاده الأولى والشهاده بالرساله، بعدين سيرتفع الخطاب إلى خطاب لرسول الله.
لما تخاطب واحداً يفترض أن هذا الواحد لكي يصان كلام الإنسان عن اللغو يفترض أن هذا الواحد عنده إمكانية الاستلام والاستماع والتفاعل، والا لو أن إنساناً مثلاً وقف إلى جنب الجدار نعوذ بالله وقال: يا أيها الجدار لماذا تفعل كذا ولماذا لا تفعل كذا، يعتبر أن هذا الإنسان في عقله خلل؛ لا يسمعك الجدار ولا يتفاعل معك ولا يرتب أي أثر على كلامك.
بالنسبة إلى هذه الزيارة، أنت بعد الشهادتين تخاطب رسول الله صلى الله عليه وآله، ومعنى ذلك أنه يلزم أن يكون رسول الله يستلم هذه الشهاده منك ويرتب الأثر عليها بأن يحفظها لك ما دمت قد شهدت له بالعبوديه والرساله وسائر ما يأتي من الكلام، ويرتب أثرها على كلامك هذا.
فأولاً أنت تقول:
وأشهد أنك رسول الله، وأنك محمد بن عبد الله
مو واحد آخر مدفون هنا ولا جهة ثانية، أنا واضح عندي الأمر أن المدفون هنا هو رسول الله وأنه أيضاً محمد بن عبد الله، وأنه يترتب على مثل هذا الكلام أنني أن شهادتي توصل إلى مكان محفوظ سينفعني بها غداً، مثل الشهادات الأخرى؛ أنت الآن لما تروح تشهد في المحكمة على قضية من القضايا أن فلاناً له على فلان هالقد فلوس، تسمع شهادتك يعني شنو؟ يعني أنه سوف يرتب القاضي -إذا كانت شهادتك شهادة صادقة- يرتب على ذلك حكم وهو إرجاع المال إلى صاحبه.
أنت عندما تتشهد وتخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الأمر، رسول الله يستلم ويبقيها لك في يوم يقدمها إليك، وبشكل أوضح ما ورد في زيارتنا للإمام الحسين عليه السلام: "أشهد أنك تسمع كلامي وترد سلامي وأنك حي مرزوق عند ربك".
فأنا ما قاعد أقول مجرد كلام هكذا، وإنما أخلي شهادتي بيد رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك:
وأشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لامتك، وجاهدت في سبيل الله، وعبدت الله حتى أتاك اليقين بالحكمة والموعظة الحسنة، وأديت الذي عليك من الحق، وأنك قد رأفت بالمؤمنين وغلظت على الكافرين، فبلغ الله بك أفضل شرف محل المكرمين.
إضاءات على كمالات الرسول الأكرم وجهاده العظيم
أنا أعتقد لو أن مثلاً خطيباً أو عالماً أراد أن يتكلم عشر ليالي في ليالي رسول الله صلى الله عليه وآله، يكفي أن يأخذ هذه العبارات؛ كل عبارة من العبارات هي مشيرة إلى كمال من كمالات رسول الله ودور عظيم من أدواره في الأمة:
- أشهد أنك بلغت رسالات ربك: وبالتالي فلم يبق رسول الله شيئاً غير بين. وهذا يرد على فكرة تقوم عليها مدرسة الخلفاء من الأساس، أن النبي غادر هذه الدنيا ولم يعين الخليفة من بعده والوصي من بعده، وهؤلاء يقولون هكذا: أن النبي صلى الله عليه وآله قال لهم: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم"، وبالتالي فلم يقم بأي شيء في هذا الجانب وترك الأمر للمسلمين هم يسوون اللي يريدون. زين هذا نقص في التبليغ، وبالفعل حصلت من ورائه مشاكل ومسائل إلى يومنا هذا. أنا لما أجي أتشهد وأشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، الله قال لك: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) وأنت سويت هذا الأمر، سواء في الأمور التفصيلية كالاحكام البسيطة أو في القضايا الرئيسية كأحكام الولاية والإمامة وقيادة الأمة ورجوع الأمة إلى مرجعية دينية هم أهل البيت والقران، أنت سويت كل هالاشياء.
- ونصحت لامتك: كنت مخلصاً لها، قدمت لها النصيحة وأعطيت لها خلاصة ما ينبغي العطاء.
- وجاهدت في سبيل الله: بمختلف أنواع الجهاد؛ جاهد رسول الله صلى الله عليه وآله الجهاد العسكري، قاد بنفسه وجهز بغيره وخطط لمعارك في أكثر من ٨٠ موضعاً خلال عشر سنوات، وهذا شيء عظيم. يعني الحقيقة أنت تصور أنه خلال عشر سنوات النبي ما بين هو قاد بنفسه وما بين خطط لسرايا وأعمال عسكرية أكثر من ٨٠ -كما ذكر ذلك بعض أئمتنا عليهم السلام في تفسير: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) قال: هي أكثر من ٨٠ موضعاً-. إذا تقسم ٨٠ على ١٠ يعني في كل سنة إيش قد؟ ثمان معارك وقضايا ووقائع. ثمان معارك يعني كل شهر ونصف النبي صلى الله عليه وآله عنده عمل عسكري؛ أما ضخم يستغرق أحياناً شهرين وثلاثة، أو لا، سرية إلى مكان. فهذا من أوضح أنحاء الجهاد العسكري الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وآله، فضلاً عن سائر أنحاء الجهاد التي قام بها.
- وعبدت الله حتى أتاك اليقين: نفذ هذه العبارة نجدها في سائر الأئمة المعصومين وزياراتهم؛ علي أمير المؤمنين والامام الحسين عليه السلام كلهم على هذا الخط، حتى أتاك اليقين يعني الموت وانتقلت إلى رضوان الله عز وجل.
- بالحكمة والموعظة الحسنة وأديت الذي عليك من الحق وأنك قد رأفت بالمؤمنين وغلظت على الكافرين فبلغ الله بك أفضل شرف محل المكرمين.
هذه شهادات من الزائر للنبي صلى الله عليه وآله. الشهادة يفترض فيها أن الإنسان يكون عارفاً بشكل واضح، عارفاً بجهاد النبي العسكري، عارفاً بموعظته الحسنة، بحكمته، بسائر الأمور التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وآله. كأنها أيضاً تستبطن دعوة لأن يقتدي الإنسان المؤمن بما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله؛ رسول الله عبد الله حتى أتاه اليقين، كأن الزيارة تريد أن تقول: أيها المؤمن، أيها الزائر، اقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله في أن تكون عابداً لله حتى يأتيك الموت. ولما يقول: "بالحكمة والموعظة الحسنة" كأنه يريد أن يقول: لا يكفي أن تكون فقط على الحق، وإنما لابد أن يكون أسلوبك أسلوب الحكمة وأسلوب الموعظة الحسنة حتى يتاثر الناس بك كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله.
فقرة الدعاء للنبي (ص) ومقام الوسيلة
بعد هذه الفقرة التي فيها شهادة ومعرفة بدور رسول الله، تجي فقرة أخرى هي فقرة الدعاء لرسول الله صلى الله عليه وآله.
هل يحتاج النبي إلى دعائنا؟ نحن نحتاج إلى الدعاء لرسول الله صلى الله عليه وآله؛ وبدعائنا لرسول الله صلى الله عليه وآله نحن نستفيد. مثلاً هذه الصلوات التي نكررها بحمد: "اللهم صل على محمد وآل محمد" المستفيد الأول منها هو نفس المصلي، هو نحن؛ لأننا نذكر الله فيها ونذكر النبي ونذكر أهل البيت ونعمق عقيدتنا وندعو الله سبحانه وتعالى أن يعلي من منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله. فأولاً إحنا مستفيدين الفائدة الكبرى، ثم ندعو لرسول الله.
الدعاء لرسول الله نوع من أنواع الشكر؛ أنت عندما واحد يقدم لك أي خدمة من الخدمات تقول له: الله يخليك، الله يرحم والديك، الله يعطيك كما أعطيت. نفس هذا، عندما تدعو له هو موقف اعتراف بالشكر والنعمة التي قدمها هذا الإنسان لك. عندما تدعو لرسول الله صلى الله عليه وآله نفس هذا الموقف أيضاً هو عبارة عن شكر لرسول لما قدم، وأنت المستفيد الأول.
فتجي الآن فقرة الدعاء للنبي:
اللهم اجعل صلواتك وصلوات ملائكتك المقربين وعبادك الصالحين وأنبيائك المرسلين وأهل السماوات والأرضين، ومن سبح لك يا رب العالمين من الأولين والآخرين على محمد عبدك ورسولك ونبيك وأمينك ونجيبك وحبيبك وصفيك وخاصتك وصفوتك وخيرتك من خلقك.
فأنت تدعو الباري سبحانه وتعالى أن يجعل صلوات كل الكون العاقل على النبي صلى الله عليه وآله؛ أولاً: صلواتك يا رب على رسول الله، صلوات ملائكة الله، صلوات الأنبياء والمرسلين، صلوات العباد الصالحين، كلها هذه خليها على رسول الله صلى الله عليه وآله. وهذا يجعلك أنت في موقف تحصل فيه على عظيم الثواب؛ لأنك تدعو الله سبحانه وتعالى بأن يصلي هو وملائكته وأنبياؤه ورسله وجميع خلقه على نبينا صلى الله عليه وآله. وهذه الفكرة لعلكم تعلمونها وتعرفونها وكرر ذكرها، أن الأمر الوحيد والواجب الوحيد الذي جيء فيه بهذه الصياغة هو الصلاه على محمد وأهل بيته الطاهرين؛ فإننا مثلاً في الصلاة يقول: أقم الصلاة، لله على الناس حج البيت، كتب عليكم الصيام، ما في شيء مثلاً سووا هذا لأن الله يسويه، إلا فيما يرتبط بالصلاة على رسول الله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).
من جملة الدعاء الذي يوجد في هذه الزيارة قول الزائر:
وأعطه الدرجة والوسيلة من الجنة، وابعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأولون والآخرون.
وارد في الروايات المعروفة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: "درجة الوسيلة درجة ينالها عبد من عباد الله". وهذا قمة التواضع من رسول الله؛ الرسول ما يريد يقول: أنا أحصل عليه، وإنما يتواضع أمام خالقه فيقول: هذه درجة ومنزلة يحصل عليها واحد من الخلق وأرجو أن أكون ذلك الواحد. وفي الواقع هو ذلك الواحد لا سواه، لكن النبي هكذا كأنه يعلمنا التواضع. إحنا أول ما نتكلم -بعضنا، والحمد لله السامعون والسامعات ليسوا كذلك- أول ما يتكلم بعض الناس يتكلم عن شخصيته وعن علمه وعن شنو سوى وشنو قال وماذا فعل وإلى أخرة، وكانه لازم يقنع الآخرين أنه هو أفضل الناس، ماكو داعي إلى هذا، الورد ما يحتاج إلى وسائل إعلامية، هو نفسه الورد يتضوع برائحته، ما يحتاج إلى تسويق. أنت الحمد لله مؤمن، صالح، عابد، أخلاقك طيبة، يعرفك الناس، ما يحتاج تقول: أنا وأنا وفعلت وتركت وذهبت وأجيت وتقرا مجلس على قولهم في فضلك وفي بيان مكارمك.
النبي صلى الله عليه وآله مع ما كان عليه من المنزلة العالية يقول: "أرجو أن أكون ذلك الواحد". هذا المقام -مقام الوسيله- منه يتوسل وبه يتوسل الخلق إلى خالقهم في النجاة، وراح يجي بعدين في آخر هذه الزيارة أن هذه الوسيلة توسل بالنبي سواء كان على قيد الحياة أو كان بعد ذلك: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً).
فما يحتاج، إذا كان الإنسان بيستغفر يخلي خط مباشر بينه وبين الله، وهذا الآية وأمثالها تشير إلى بطلان فكرة ما يقوله بعضهم: إن من كمال التوحيد لا توسط لك وسائط فلان وفلان، وإنما ادع الله مباشرة! طيب، إذا الله هو الذي قال: (ابتغوا إليه الوسيلة)، فانت هنا تأتمر بأمره، وفي حاله الرفض يخشى عليك أن تكون عاصياً لأمر الله. يقول لك: ابتغوا الوسيلة، تقول: لا، أنا ما أبغى الوسيلة أبغى خط مباشر، طيب أنت عصيت أمر الله في هذه الحاله.
اللهم اعطه الدرجة والوسيلة من الجنة، وابعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأولون والآخرون. كأنما هناك شيء من الفرق بين مقام الوسيلة والمقام المحمود؛ المقام المحمود فيه ظهور لفضل رسول الله ولذلك يغبطه به الأولون والآخرون، ومقام الوسيلة هو في ذاته مما يتوسل به إلى الله عز وجل، أما المقام المحمود ماخوذ فيه حمد الآخرين، غبطة الآخرين، معرفة الآخرين بموقع رسول الله صلى الله عليه وآله.
ثم يفرع على ذلك:
اللهم إنك قلت: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً)، واني أتيت نبيك مستغفراً تائباً من ذنوبي، واني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمه.
ثم يقول:
يا محمد، إني أتوجه بك إلى الله ربي وربك ليغفر لي ذنوبي.
تقدم النبي صلى الله عليه وآله وسيلة وواسطة وتتوسل بجاهه، خلافاً لما يراه بعض الجهلة من المسلمين: ما يصير تقول بجاه النبي وبجاه فلان وبجاه فلان! لا، إني أتوجه بك يا رسول الله إلى ربي ليغفر لي ذنوبي، وبالفعل رسول الله صلى الله عليه وآله يحقق رجاء هذا المتوسل والمتوجه والذي يقصد الله عز وجل من خلال بوابة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله.
خطان في الأمة: خط الولاية وخط المناكفة والمخالفة
الحديث كثير في هذه الزيارة وفي أبعادها ومضامينها، لكن لا يتسع الوقت لذلك، لذلك نحن نجد أن هناك خطين في الأمة من قديم وإلى أيامنا هذه:
- خط يقدر النبي صلى الله عليه وآله أعلى التقدير، يستشفع به، يستغفر الله بحقه، يديم الصلاة عليه، يكثر من ذكره. تدرون أن ذكر الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله مما يبلغ بها أعلى الدرجات؟ بعض علمائنا الكبار عندما سئل: ما هو أعظم الأذكار؟ فقال: إنه إحنا دورنا في الأذكار اكو ذكر: "لا إله إلا الله"، وذكر: "الله أكبر"، وذكر: "سبحان الله"، وذكر: "الحمد لله رب العالمين" وغيرها، وتحدثنا عنها في سلسلة أهاديث في أيام الجمع بعنوان "معاني الأذكار". هذا العالم الجليل -وهم من يؤخذ بقوله- قال: إحنا دورنا في الأذكار وآثارها والحث عليها فما وجدنا أعظم من ذكر الصلاة على محمد وآل محمد. هسه ليش صار ذكر الصلاة هو الأعظم والأكبر؟ يحتاج إليه إلى شرح خاص.
- والخط الآخر -نعوذ بالله- كان من أول أيامه على خط المناكفة مع رسول الله، كان على خط المخالفة، بل أكثر من ذلك بعض الأشياء كانت خفية وبعضها كان ظاهرياً وعلنياً؛ عندما قام بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله بمخالفة أوامره، ويكفيك ما جرى في آخر حياته المباركة عندما نادى: "أتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تظلوا من بعده أبداً"، فقال بعضهم: إن النبي يهجر! النبي الذي يزن عقله وفكره عقول العالم كلها ويفوقها يصير هنان؟ ولأن الكلمه كلمة صعبة جداً لذلك عدلت وحورت وخففت، فقيل: إن النبي غلبه الوجع، غلبه المرض. ليه؟ لشناعة تلك القول قالوا: لا تخفف هكذا.
فمن البدايات قسم من المسلمين كانوا هكذا، وبعضهم في خصوص قرابته وذريته، شيء لم يستطيعوه مع ذاته المقدسة فحولوها إلى قرابته وعترته، ولك في حياة سيدتنا الزهراء سلام الله عليها أبرز مثال عندما اقتحموا عليها دارها وأسقطوا منها جنينها، إلى غير ذلك مما لا يخفى على أحد.
ولذلك يستغرب بعض الشعراء يقول:
يصلّى على المهدي من آل هاشمٍ ويُغزى بنوه، إن ذا لعجيبُ
أنت تقول: تصلي على رسول الله، وبعد ذلك تشن الغارات على أبنائه وتغزوهم؟! وهذا اللي حصل في كربلاء؛ شنو اللي حصل في كربلاء إنما هو غزو لذلك الخط المخالف لرسول الله، حتى قضى على أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله.
مع تأكيد الإمام الحسين وأهل بيته على هذا الأمر: أنسبوني من أنا، ثم ارجعوا إلى أحسابكم فانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ أولست أنا ابن نبيكم؟ أولست ابن علي وصيه وحجته؟ أولست فاطمة الزهراء أمي؟ أوليس حمزة عم أبي؟ وهكذا. لكن مع ذلك لم يعتنوا بهذا الكلام، وإنما شنوا غارتهم على آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله.
وهذا الأمر الذي نبه إليه النبي من البدايات؛ عندما ولد الحسين عليه السلام أخبر النبي أهل بيته عما سيجري على الحسين عليه السلام، وعقد مجلس عزائه في أيام ولادته الأولى بأبي وأمي، حتى أنه قيل إن فاطمة الزهراء عليها السلام كانت ترضع الحسين عليه السلام ودموعها تسيل على خدها. فيجي البعض يسالونها: ايش عجب أنت امرأة -أي امرأة عندما يولد لها مولود تفرح، ترتاح، تسر، تنتظر يوم بعد يوم إلى أن يكبر- أنت ترضعين وتبكين، وتحملينه وتبكين؟! ونادوها محل سرور:
? يا زهراء جعلت النوح قالت لا تلوموني
وعزوني على المذبوح تراني أتعب بتدليله وتاليها ذبيحي يروح
ابني مقطع الأوصال وبناتي باليسر تبديد
وبقيت بأبي وأمي على حالها، لا تفتر عن بكائها على الحسين عليه السلام، لذلك ما تحتاج إلى مثل دبل حتى يقول لها: "فاطم قومي يا ابنه الخير واندبي نجوم سماوات بأرض فلاة". هي دائمة البكاء، دائمة الحزن على أبي عبد الله الحسين، حتى يسائلها شاعر آخر بلسان الحال:
? هالنوح يا زهراء على من تنوحي
نوحك على المسموم لو نوحك على حسين؟
دمع العين فوق الخد بادي
انسالوني يا خلق كلكم أولادي
لكن مصاب حسين ساطي في فؤاد
كل المصايب هونتها مصيبة حسين
أفاطم قومي يا ابنه الخير واندبي