هل سير السبايا و رأس الحسين للشام ؟
حديثنا في هذه الليلة، وهي الليلة الثالث عشر، والتي هي ليلة دفن الأجساد الطاهرة في صبيحتها بعدما أخذت الرؤوس إلى الكوفة. نتحدث حول هذا الموضوع الذي أنكره أتباع الاتجاه الأموي.
بما يتذكر الإخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات أننا تحدثنا في ليلتين متتاليتين عن عمل الاتجاه الأموي في الأمة لتغييب نهضة الحسين (ع)، وتحدثنا عن بعض الجوانب التي ترتبط بالجهات الرسمية التي منعت ذكرى الحسين وغيرت مناسبته، وغيرت مناسبة عاشوراء، وأيضاً حول بعض الأفكار التي بثها الاتجاه وتغييب المصادر الأصلية للواقعة.
الحدث الحسيني حدث ضخم بكل المقاييس، وهو فضيحة تامة للشجرة الملعونة في القرآن الكريم، على كل المستويات، في كل تفصيل من تفاصيله هو فضيحة تامة. فماذا يصنع أنصار هذا الخط وهذا الاتجاه في مثل هذه الأمور؟ كيف يقدروا هذا الحدث الضخم على مستوى الشخص نفسه، وعلى مستوى الكيفية والتفاصيل، وعلى مستوى المعنى كيف يقدرون يغيبون هذا عن الأمة، أو عن شطر منها لا أقل؟
هؤلاء سعوا إلى اتجاهات متعددة لتغييب هذه التفاصيل، ولعل من المعاصرين - معاصرين يعني في هذه الفترات الأخيرة - هو صاحب ”منهاج السنة النبوية“ المتوفى سنة ٧٢٨ أو نحوها، الواضح في كتابه ”منهاج السنة“ وفي كتابه ”رأس الحسين“، من أجل إيجاد المبررات الكافية لبني أمية في فعلهم ذاك، ومن أجل تطبيع الأمة بالتفاعل والتعاون والتأييد لبني أمية.
فمن جملة ما صنع صاحب هذا الكتاب - ونحن إنما نأتي به لأنه كما يقولون هو رأس الحربة، يصنع اتجاه، ينظر، يتحدث، فيتبعه أجيال وتلامذة، ومنذ ذاك الوقت إلى الآن يعني من سنة ٧٠٠ وكذا إلى الآن تلامذته يجترون نفس الكلمات هذا الاتجاه أول ما جاء ذكر أنه أساساً خروج الحسين لم يكن فيه لا مصلحة دينية ولا مصلحة دنيوية، وإنما فتح أبواباً من الفساد على الأمة. هذا نص كلامه! يقول: ”لم يكن لخروج الحسين على يزيد أي مصلحة دينية ولا دنيوية، بل فاتحة لشر عظيم“. الحسين أولاً هو خارج، والخارج معناه أنه متمرد وعلى خلاف المبدأ الديني، بعدين هذا الخروج أيضاً لا فيه مصالح دنيوية ولا في مصالح أخروية، وإنما فتح شراً عظيماً على الأمة.
زين، هذا حقيقة يعني التعبير عن هذا المعنى بهذه الصراحة، سوف نلاحظ أنه يخالف كون الحسين (ع) سيداً لشباب أهل الجنة. سيد شباب أهل الجنة يسوي عمل فيه شر عظيم على الأمة وليس فيه أي مصلحة لا دينية ولا دنيوية! شلون هذا يصير سيد شباب أهل الجنة؟ أنا ما أعلم! يعارض بشكل صريح ما ورد من الروايات، ومنها ما عن النبي (ص) في تزكية عمل الحسين (ع) وأنه سينصر دين الله وإلى غير ذلك.
هذا الاتجاه ما عندهم مانع في لكي ينزهوا يزيد ومن معه أن يطعنوا في الحسين (ع) ومن كان على منهاجه. فأولاً تخطئة فعل الحسين، الحسين سوى عمل غلط، ما في مصلحة لا للدين ولا للدنيا، بل هو فاتحة لشر عظيم، هذا ما يقولونه. طبعاً قسم منهم في هذه الأزمنة يستثقلون هذا، لأن وجدان الأمة حقيقة لا يقبل هذا المعنى، وإن كان بعضهم الآخر لا. ابن العربي المالكي المعافري كتب كتاباً في تنزيه فعل الصحابة والدفاع عنهم، وأنحى باللائمة الشديدة على الحسين (ع)، وبرأ يزيد، وذكر أن هذا كان خروجاً على الإمام المنتخب من الأمة، وأن الحسين بالتالي قتل ضمن فتوى جده رسول الله: ”من جاءكم وأمركم جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان“. فإذاً النبي هو اللي أمر بقتل الإمام الحسين (ع)! اللي طبعاً هذا الكتاب لما طلع في وقته أثار ضجة، وإلى يومنا هذا حتى في الوسط غير الشيعي.
زين أنت جاي تدافع عن الصحابة، على أساس الحسين صحابي بلا إشكال، ويزيد ليس صحابياً بلا إشكال، لم يولد في عهد رسول الله، والحسين صحابي ولد في زمان رسول الله وسمع منه ورباه النبي. شلون أنت تدافع عن الصحابة في نفس الوقت تجي وتخطئ فعل الحسين إلى درجة أنك تقول إن هذا النبي هو اللي أصدر فتوى قتل الحسين (ع)؟ هذا الأمر الآن صعب على كثيرين حتى من أتباع ذلك المنهج.
فأول شيء هؤلاء ماذا يصنعون - الاتجاه الأموي - تجاه قضية الإمام الحسين؟ أولاً تخطئة الإمام الحسين، تخطئة فعله، ما في فائدة، ما في مصلحة، ما في خير، بل هو فاتحة لشر عظيم، هذا واحد. الثاني: سعوا لتكذيب التفاصيل الشنيعة التي جرت في كربلاء وما بعدها، واللي نقلها المؤرخون الأثبات، إن بعض هذه علامة على مظلومية الحسين (ع) وأهل بيته، وعادة الإنسان حتى لو ما كان مسلم يتعاطف مع المظلوم، فكيف إذا كان مسلماً؟ وكيف إذا كان مقتدياً برسول الله (ص)؟ لا ريب أنه يصير تفاعل وتعاطف. فماذا نصنع إذاً؟ نقول ما صار شيء، قول هذا الحكي اللي يقولونه سوى وفعله وكذا، كله مو صحيح.
وعلى طريقة أنه أنت أنكر زين، قسم من الناس راح يصدقوك، اللي ما يصدقوك ما عليك منهم. فالقضايا الشنيعة اللي صارت في كربلاء وبعد كربلاء قالوا هذه كلها مو صحيحة، ما صارت ولا استوت. لاحظوا مثلاً في نفس هذا الكتاب ومن تبعه من بعد، من تلامذة مباشرين أو تلامذة متأخرين، نفس الكلام وأحياناً على طريقة قص لصق. إذا أحد يريد تفاصيل هذه الكلمات ومصادرها، أنا ذكرت ذلك في كتاب من السلسلة الحسينية اسمه ”عصبة الإثم: من الذي قتل الحسين (ع)؟“، وهناك تم التعرض إلى تشريح طريقة الاتجاه الأموي في أن يغير، أن يغيب نهضة الحسين من وجدان الأمة. اجوا قالوا هذا ما صار هالحكي هذا كله.
تعبير هذا أقول لكم النص ماله في هذا، صاحب كتاب ”منهاج السنة“ يقول: ”يزيد لم يأمر بقتل الحسين، ولا أظهر الفرح بقتله، ولا نكت القضيب على ثناياه، ولا حمل رأس الحسين إلى الشام“. كل هذا ما صار! بس باقي كان يقول وإنما أسكنه في فندق خمس نجوم وضيفه طول سنوات عمره! هذا اللي باقي! وإلا إذا الحسين (ع) لم يأمر يزيد بقتله، من الذي أمر بقتله؟ راح يجي فيما بعد كلام عن زحلقة المسؤولية من شخص يزيد إلى ابن زياد تارة، بل إلى شيعته تارة أخرى! وهذا إلى الآن ما يشيعه بعض الكذبة والظلمة في كتبهم وخطاباتهم.
زين، الحسين إذا لم يقتل، أمر يزيد رأسه أيضاً ما حمل إلى الشام؟ في موضع آخر يقول: ”ولا سبي أحد من عيال الحسين، لا إلى الشام ولا إلى غيره“. ما أحد راح إلى الشام أصلاً! زين هذا كذب صريح على خلاف كل التواريخ التي تحدثت عن تلك المرحلة. فالشناعات اللي حصلت في كربلاء وما بعد كربلاء يقوم أتباع وتلامذة النهج الأموي بنفيها، ما صار هذا أصلاً! أولاً الحسين في البداية غلطان، شغله شغل أنتج شر، وما صار فيه شيء، لا قطع رأسه، ولا وداه إلى الشام، ولا سبي نساؤه. وعلى فرض أنه صار شيء، هذا مو اللي سواه يزيد بن معاوية وإنما شخص آخر. هذا أمر ثاني.
والأمر الثالث كما قلنا إنهم يزحلقون المسؤولية. طيب ما صار قطع رأس الحسين، انقتل في الحرب، ما صار سبي إلى نساءه. زين، من الذي قتل الحسين؟ يقول لك يزيد مو هو القاتل، ما راح إلى كربلاء، ما شفنا حز رأسه، بعدين ما أمر بقتله أيضاً، إذاً من الذي قتل الحسين؟ أول شيء يقولون شيعته في العراق هم اللي قتلوا الحسين! وإلى الآن هذا الكلام موجود ها! وهذا ترى مو يعني عن غفلة، وإنما ضمن مسار. يقول لك الشيعة هم اللي قتلوا الحسين، والحين قاعدين يلطموا على صدرهم ويضربوا على رأسهم ويطبرون وهم اللي قتلوه! عجيب! عمر بن سعد كان من الشيعة؟ لو شمر بن ذي الجوشن كان من الشيعة؟ لو عبيد الله بن زياد كان من الشيعة؟ ف بس المهم أن يزحلق هذا. وهذه الكلمة الآن هي الشائعة: أن شيعة العراق هم الذين قتلوا الحسين! والآن بعضهم ما يخصصها بالعراق، الشيعة كلهم قتلوا الحسين! دعوه إلى الكوفة وقتلوه والآن قاعدين يلطمون ويبكون على الحسين. زين من اللي قتله؟ هذه فد فرية.
فرية أخرى: إذا شافوا إن هذه الشغلة كبيرة، يقول لك اللي قتله مو يزيد وإنما عبيد الله بن زياد. زين، عبيد الله بن زياد يقدر بوحده يجي يجيش ٣٠ ألف إنسان؟ يعني كل الدولة تتحرك في هذا الاتجاه؟ تتصور أي دولة من الدول الحديثة لذلك، نفترض بلد من البلدان صار فيه مشكلة، هل يستطيع أحد أن يطلع ألف إنسان في معركة بدون ما يرجع إلى المسؤول الأعلى منه؟ لا مو ٥٠٠٠ واحد، ١٠٠٠ جندي يقدر يطلع؟ ٥٠٠ جندي يقدر؟ ما يقدر يطلع لولا أن عنده إما أوامر صريحة بخصوص هذا الأمر، أو أن
عنده أوامر عامة أن يفعل ما يشاء. عبيد الله بن زياد ما كان في الكوفة ولا كانت ولايته فيها، وإنما كان والياً على البصرة، عينه يزيد بن معاوية والياً على الكوفة لكي يقمع حركة الإمام الحسين (ع) ويتصرف باللي يصير.
لنفترض أن كلامهم صحيح، وهو باطل، عبيد الله بن زياد هو اللي سوى من نفسه. زين إذا واحد كمسؤول في الدولة وكمدير لناحية، ويجيك ألف.. واحد ٣٠٠٠٠، تدري معناها شنو؟ إذا كان جيش، سواء في القديم أو في الحديث، اكو وراهم ما لا يقل عن نصف هالعدد هو للوجستيك كما يسمونه، للإمدادات، الأكل اللي يأكلوه، الماي اللي يشربوه، السيوف اللي تحدد، ما أدري الخيول اللي تجي، مو هالشكل يعني كل واحد رايح عشرة أيام، وإنما الدولة كلها تشتغل وراء هذا. إذا ١٠٠٠ واحد هالشكل، فكيف إذا ٣٠٠٠٠؟
لنفترض أنه هذا الكلام أيضاً خلينا نقبله، زين سوى. يزيد ما أمر ولا هو قتل، رضي بذلك؟ يقول لك لا ما رضي بفعله أيضاً! زين ما رضي الآن، إذا هذا المسؤول لم يرض بهذا الفعل، لا القتل ولا السحق ولا رد الخيول ولا السبي ولا قطع الرؤوس - لأن القتل غير قطع الرؤوس ها، في المعارك يكتفي المقاتل أن يقتل عدوه، يضربه سهم ينزف خلاص انتهى موضوعه، أما أن يروحوا يحتزوا رأسه وقدموا إلى الكوفة بنحو من ٧٠ رأساً من الحسين وأهل بيته وأصحابه، هذا مو شيء عادي أبداً. زين هذا سووه كله، سوى كل هالاشياء لنفترض مو بأمر يزيد. زين، المفروض إن يزيد لما يشوف هالعمل هذا، وهو مو راضي عنه ومو آمر به، وأنه كما زعموا أن يزيد قال: ”لو أن الحسين جاءني لو وليت أمره، كنت أحسن إليه وأكرمه وأعظمه“.. زين المفروض هذا اللي سوى هالشكل شنو يسوون إله؟ يستدعى، يعزل، يعاقب ولو لأجل الإعلام.
يزيد مو بس هذا ما سوى، أبقى الكوفة والبصرة تحت إمرة ابن زياد، هو واستدعاه إليه بعد مدة من الزمان وأكرمه وأغدق عليه، وشعره المشهور معه: ”اسقني شربة تروي مشاشي“ «شربة خمر توصل إلى داخل عظامي» ”اسقني شربة تروي مشاشي.. ثم مل فاسق مثلها ابن زيادي“. قاعد وياه! ”صاحب السر والأمانة عندي.. ولتسديد مغنمي وجهادي“. هذا أمين سري، هذا في الجهاد مالي والمغانم هو القائد المسدد، وهو الشخص المؤيد من قبلي. مو إنه بس ما قال له شيء وما عزله، أبقى له العراق بكامله طعمة، وفوق هذا استدعاه وأغدق عليه أموالاً كثيرة. هذه مذكورة في التواريخ، الآن ما عندنا مجال نشير إلى كل جهة جهة. وفوق ذلك أيضاً يقول له هذا، اختص بأن كان يجالسه ويشربان معاً يتنادمان، وشعر يزيد في هذا مسجل في التاريخ.
فأنت تلاحظ إذاً أن الاتجاه الأموي اشتغل على جهات، جهة تخطئة فعل الحسين، شغله مو عدل. جهة أخرى تبرئة يزيد، يزيد ما سوى هالاشياء أصلاً، وما فعل وما عمل ولا كذا. جهة ثالثة إنه الشناعات التي نقلها المؤرخون يخففونها، يرققونها، يكذبون بحصولها أصلاً، ما أحد راح إلى الشام، يقول لك ما سبي أحد إلى الشام، ولا إن رأس الحسين وصل إلى الشام، وهذا فضلاً عن قضية رض الجسد وترك ثلاثة أيام. كل هذا كله ما حصل يقول لك أتباع هذا المنهج وهذا الخط.
نعم، اشتغلوا على هذه الجهة، دخلوا قضية الدين. ومن أعجب ما رأيت، ولا تعجب في هؤلاء الخط الأموي اللي يخطئ الحسين وينكر حصول الأشياء، لو قال كل شيء واحد ما يتعجب، بس هذا عجيب! الغزالي أبو حامد، المتوفى سنة ٥٠٥ هجرية، يقول ما نصه: ”صح إسلام يزيد“ «إسلام يزيد إنه رجل مسلم هذا صحيح متفق عليه» ”وما صح قتله للحسين ولا أمر به ولا رضي ذلك، فلا يجوز أن يظن به ذلك، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام“. حرام عليك تظن بيزيد مسكين هذا! كيف تظن بيزيد إنه سوى شيء مو زين للحسين؟ حرام، أنت ترتكب! يزيد ما ارتكب أي محرم، أنت اللي تظن به ظناً إنه يمكن قتله أنت ترتكب حراماً! بعد حقيقة إذا واحد وصل إلى هذا المستوى في الدفاع عمن لعنهم الله ولعنهم رسوله ولعنهم أهل بيته، يعجز الإنسان عن مجاراته في النقاش.
ما الذي يجعلنا نتحدث عن هذا الموضوع؟ إن الاتجاه لا يزال يشتغل. البارحة أرسل لي أحد الدكاترة من شيعة أهل البيت (ع) كلاماً لدكتور من غير شيعة أهل البيت، ونفس الكلام عنده، إنه يقول: لم يؤخذ رأس الحسين إلى الشام، والمصادر التي نقلت هذا إنما نقلت هذا بعد ٤٠٠ سنة، فإذاً ما لها أسانيد، بعيد بين هذا وذاك. ويقول: الدليل على إنه ما صار أخذ رأس الحسين إلى الشام وفعل به ما فعل، ما شفنا ثورات شيعية في زمان يزيد تنتفض عليه وتقول له أنت سويت برأس الحسين كذا وكذا! وهذا دليل في رأيه الدكتور هذا اللي يتكلم بحساب، وهذا دليل، ما دام ما في ثورات تقول ليزيد إحنا ثرنا من أجل إنك أنت فعلت برأس الحسين كذا وكذا، ما دام الأمر هكذا، فإذاً يتبين ما حصل هذا لرأس الحسين. هذا طبعاً يحتاج إلى بحث مستفيض، ولكن أشير إشارات إلى ذلك. بعدين نقل كلام القرطبي، قرطبي صاحب التفسير، وقال إنه ما صار هذا للحسين (ع) وما حصل هالاشياء.
نجي واحدة واحدة، مع إن الوقت لا يتسع للتفصيل. أنت اللي تقول الآخرون ينقلون هالاشياء هذه بعد ٤٠٠سنة، أولاً هذا خطأ، مو صحيح، سوف نأتي على ذكره. أنت سويت نفس الشيء، مو ٤٠٠ سنة، أنت جبت كلام القرطبي المتوفى سنة ٦٧١ هجرية! يعني بعد ٦٠٠ سنة. أنت تعيب على ذاك الطرف إنه جاء بروايات بعد ٤٠٠ سنة، وأنت حضرتك تجيب كلام شخص بعد ٦٠٠ سنة متوفى سنة ٦٧١ هجرية! فما لكم كيف تحكمون؟ إذا التأخر بالقرن والقرنين يضر، فالتأخر بستة قرون شلون ما يضر؟ هذا واحد.
اثنين: شلون ما صارت ثورات في زمان يزيد؟ المختار على ماذا ثار؟ التوابون على ماذا ثاروا؟ التوابون اللي تحركوا في حوالي سنة ٦٤ ونحوها، أول نداء في تاريخ الإسلام إنه بعث باثنين من أنصار التوابين إلى داخل مسجد الكوفة ونادوا بهذا النداء: ”يا لثارات الحسين“. وهو أول شعار ونداء حمله هؤلاء، فهذا من سنة ٦٣,٦٤: يا لثارات الحسين، يعني شنو؟ مو معنى ذلك يا لثارات إيد الحسين ليش ما صار فيها كذا، رجل الحسين ليش ما صار فيه كذا، رأس الحسين ليش ما صار فيه كذا. لا، وإنما الشعار بالذات، شعار الثورات هو شعار عام، يا لثارات الحسين في مظلوميته، يا لثارات الحسين في أهدافه، يا لثارات الحسين في مآسيه وما ارتكب منه. تقول لا لازم يقولوا إلينا إحنا ثرنا يا لثارات الحسين لأنه ودوا رأس الحسين إلى الشام! هذا كلام عجيب إن يصدر من أناس يحملون شهادة دكتوراه! لما يقول يا لثارات الحسين يتضمن كل الحركة والنهضة التي قام بها الحسين، ويتضمن كل المآسي. ليش ما ثاروا قالوا يا لثارات سبايا الحسين؟ يا لثارات زينب لأنها سبيت؟ يا لثارات عبد الله الرضيع؟ لا، وإنما ينبغي أن يأخذ إطاراً عاماً. هذا من جهة.
من جهة أخرى، الذين نقلوا مو بعد ٤٠٠ سنة. الطبري وهو مؤرخ ثقة عند الفريقين، محمد بن جرير الطبري، مو شيعي ها، هو صاحب مذهب كما أن الشافعي صاحب مذهب وأحمد بن حنبل صاحب مذهب، الطبري صاحب مذهب وعنده في الفقه كتب، وعنده في التفسير أوسع الكتب تفسيراً، مع إنه هو قال لهم إيش قد عندكم قدرة وخلق حتى تطالعوا؟ فكل ما عرض عليهم مقدار يقولوا لا هذا طويل واجد، فأخيراً انتهى به الأمر إلى تفسير البيان ماله المختصر، المفروض الآن مطبوع بعشر مجلدات ضخمة وكبيرة. رجل عالم ومؤرخ، أشهر الكتب التاريخية عند المسلمين معروف بتاريخ الطبري، اسمه ”تاريخ الرسل والملوك“، هذا ينقل عمن؟ ينقل عن أبي مخنف الأزدي، ذكرناه في أوائل الأيام، متوفى سنة ١٥٧ هجرية. يفصله عن نهضة الحسين (ع) وشهادته أقل من ١٠٠ سنة، وبينه وبين الحادثة في أكثر الروايات شخصان، هو ينقل عن شخص، ذاك الشخص ينقل عن حميد أو حميد بن مسلم اللي كان شاهد المعركة، أكثر أسانيده تنتهي إلى هذا الرجل. زين هذا الطبري يصرح بشكل واضح في كتابه التاريخ، واللي ينقل عن أبي مخنف، يعني يسند الحديث إلى أبي مخنف وهذا بينه وبين الحادثة شخصين فقط، شخص أستاذه وذاك ينقل عن واحد شهد المعركة وكان فيها وهم في تفاصيلها. هذا يقول لك إنه سُيِّر بالرؤوس أولاً إلى ابن زياد، ثم أمر ابن زياد بها وبسبايا الحسين ونساء الحسين أن يذهب بهن إلى الشام. زين أنت ما تقبل هذا، مع إن ما بينه وبين الحادثة إلا واحد أو اثنين، وتروح ورا واحد سنة ٦٧١ تستدل به وتستشهد به! وعلى هذا فقس، كتاب أنساب الأشراف للبلاذري متوفى حوالي سنة ٢٨٢ هجرية، وغير هؤلاء كثيرون، مقاتل الطالبيين أيضاً ذكر هذا، وغير هؤلاء من الكتاب والمؤرخين ذكروا هذا الأمر.
فإذاً هذا الكلام اللي رجع به بعض الناس في هذه الأيام، وإلى أصل، يعني هو لو كان أيضاً أمين كان يقول ترى أنا هذا الحكي مو من جيبي وإنما من صاحب كتاب منهاج السنة النبوية، زين وهذا يقول كذا وكذا وكذا، فيحمله مسؤوليته. بس يجي يقول كأنما هو مكتشف فد اكتشاف، وما أدري عنده فد رؤية جديدة للحدث. لا يا عمي، أنت هذا الحكي موجود من حوالي ٨٠٠ سنة ٧٥٠ سنة، موجود هذا الكلام مطبوع في كتب هؤلاء، أنت اجيت وكررته ونسبته إلى نفسك.
الحق هو ما ذكره المؤرخون الأثبات من غير الشيعة، وما ذكره المؤرخون من شيعة أهل البيت (عع). غريب إن هؤلاء أصلاً يستثنون مؤرخي الشيعة والرواة كأنما مو موجودين أصلاً! زين ذاك المتعصب دينياً مذهبياً، ما يقال أنت دكتور وتتحدث عن أصول المنهج العلمي في التاريخ، شلون تهمل كتب طائفة طويلة عريضة، روايات واردة عن أئمة أهل البيت (ع) مفصلة في الحدث، روايات عن الإمام الباقر (ع) في قضية كربلاء، فكل هذا بالنسبة إلك لا شيء، تروح تجيب لي مثلاً زيد وعبيد! على كل حال هي ليست أول قارورة تكسر في الإسلام. شيعة أهل البيت (عع) كما ظُلم أئمتهم ظلموهم أيضاً، ولكن مع ذلك قالتها العقيلة زينب سلام الله عليها: ”وليجتهدن أئمة الكفر من جهة، وأشياع الضلالة من جهة أخرى على محوه وتطميسه، فلا يزداد إلا علواً وظهوراً“. وها أنت ترى اليوم ضريح الحسين في مصر، لأن الرأي الصحيح عندنا هو أن رأس الحسين رجع إلى جسده في حادثة الأربعين وأنه دفن إلى جنب جسده في كربلاء، ولكن رائحة الحسين في مصر، هذه الرائحة المجردة تلم قلوب الناس جميعاً وتجتذبهم من أقصى بلاد مصر إلى أدناها، توسلاً وتبركاً وحزناً وإشارة وتعلقاً بالحسين (ع).
الإمام الحسين سلام الله عليه قطعوا رأسه الشريف ومثلوا بجسده الشريف بأبي وأمي وطحنوه بحوافر الخيول، ولكن مع ذلك بقي ويبقى وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. أعداء الحسين ينتهون، ولكن درب الحسين باق ومنهاج الحسين خالد إن شاء الله.
في مثل يوم غد، على ما هو المعروف عندنا الإمامية، كان دفن الحسين صلوات الله وسلامه عليه في كربلاء على يد ابنه علي بن الحسين السجاد صلوات الله وسلامه عليه. وذلك عندما رحل هؤلاء الصفوة إلى الكوفة وسجنوا عند عبيد الله بن زياد، بقي طبعاً الأمر في ذهن مثل زين العابدين (ع). لم يتركوهم ولم يسمحوا لهم بفعل شيء في كربلاء، ولكن الله سبحانه وتعالى مكن الإمام السجاد (ع) من دفنه.
لعل قائلاً يقول اكو عندنا في الرواية: ”السلام على من دفنه أهل القرى“. هذه على فرض إن هذه الزيارة مسندة، المقصود منها شنو؟ إظهار مظلومية الإمام الحسين (ع). هذا اللي لازم يدفنه أعيان الأمة وكبار المسلمين، وأن يجتمع عليه الناس أجمعين، وإذا به يدفن في وسط جماعة من أهل القرى من بني أسد من الغاضرية، هذا أيضاً من مظلومية الإمام (ع). شخص كان المفروض كل الأمة تنهض إما لتحميه أو لا أقل لتشيعه إلى قبره، وإذا به لا يشيعه ولا يدفنه إلا بضعة نفر من بني أسد كانوا موجودين هناك. وكان الإمام السجاد، بناء على ما نعتقده في روايتنا من أنه لا يلي أمر الإمام إلا إمام مثله، فكان أن جاء الإمام السجاد من الكوفة لدفن الحسين (ع).
على الجهة الأخرى، بنو أسد تعلمون كانوا ساكنين في الغاضرية. لما صارت المعركة وجاء حبيب بن مظاهر الأسدي وهو منهم، وقال للحسين: أنا أعرف هؤلاء وهم قومي وعشيرتي، أروح أدعوهم لنصرتك. فقال له: اذهب. فذهب إليهم وخطب فيهم، وأعرب هؤلاء عن استعدادهم للمجيء إلى نصرة الحسين (ع). فلما سمع أحد أهل الدنيا من المرتزقة اللي موجود في هالجمع، راح إلى عمر بن سعد طلباً للجائزة ماله، وبين إليه كل ما حصل. فجرد على الفور عمر بن سعد سرية قيل إنها من ٣٠٠ مقاتل، راحوا وأحاطوا بهؤلاء وقالوا لهم: ترى إحنا ما نريد نقاتلكم، لكن انزحوا من هنا، اطلعوا من هذا المكان، روحوا إلى مكان أبعد. فاختار أولئك هذا الأمر، وما قدروا يجون لنصرة الحسين (ع)، ابتعدوا فرد مقدار قيل إنه على مسافة فرسخ أو نحو ذلك، يعني ٦ كيلومترات نحو ذلك من المقدار من مسافة. فكانوا خلال هذه الأيام بطبيعة الحال يسمعون الجلبة، ٣٠٠٠٠ معهم من الدواب والخيول والنياق وضرب السيوف وغير ذلك، والصحراء تدري الصوت ينتقل فيها بشكل طبيعي. فكانوا يسمعون، في يوم ١١ خفت المسألة إلى حوالي الظهر اللي انصرف هؤلاء، يوم ١٢ شافوا ماكو أي صوت ولا شيء.
ففي اليوم الثالث عشر قيل إن رجال بني أسد قالوا للنساء أن يذهبن إلى جهة الشريعة شاطئ الفرات، وكأنه جايين حتى يستقين من الماء ويستكشفن ما الذي حصل وما الذي جرى. وجاءت النساء على هذا الأساس، وإذا بهن يرون هذه الأجساد، الخيام محترقة، الأجساد مبضعة، سفت عليها الرياح آخر ثلاث أيام بأبي وأمي على الرمضاء، الشمس قد غيرت بعض ملامحها. فلما رأت النساء ذلك صحن ولطمن على رؤوسهن وكأنه ينادين: واحسيناه وابن رسول الله.